الشرق الفنان

إحدى ٢٠١٣٠٢٠٨-١٨٥٦٢٠.jpgعاداتي الأثيرة في السفر هي حرصي أن يكون نصف ما تشتمله حقيبتي من متعلقاتي هي الكتب ، في رحلتي الأخيرة الى تركيا بدا لي كتاب ” الشرق الفنان ” للمفكر والأديب المصري زكي نجيب محمود اختيارا مثاليا لأستهل به إجازتي فجولة واحدة في ليل استانبول بين مآذنها السامقة و قصورها وأسواقها القديمة و مرورا بموسيقييها و فنانيها المتجولين ، كانت كفيلة بأن تحرر الكثير من الصور والأفكار والإشارات من بين سطور الكتاب لتتجسد على أرض الواقع مما منحني أبعادا جديدة لأنظر من خلالها إلى التجربة التركية وأثرى وميز هذه الرحلة عن سابقاتها .

يستهل الدكتور زكي الكتاب بحديثه عن نظرتين و مقاربتين مختلفتين للوجود ، نظرة الانسان الشرقي أو نظرة الفنان النابعة من تجربته الذاتية و معارفه الاختبارية ، و فيها يتفاعل الانسان مع الطبيعة ببصيرة تتجاوز تخوم الظواهر وتدرك ان الكون هو كل متحد و من خلال هذا الالتحام المباشر بين الذات و الموضوع يولد الإبداع و الفنون بأشكالها المتنوعة فنسق القصيدة على سبيل المثال “نسق باطني” يكتسب قيمته بما تكسوها نفس المتلقي من معانٍ و شاعرية.

و نظرة الانسان الغربي و هي أقرب ما تكون الى نظرة العالِم فهو في حالة بحث دائمة لاستخلاص القوانين والعلاقات المنطقية و إيجاد القوانين الثابتة ، هي نظرتان عامتان لا يمكن ان تلغي حقيقة أن الشرق كان يوما بيئة خصبة للكثير والكثير من العلماء وكذالك الغرب في إحتوائه للفنون بل إن عددا من الفلسفات الأوروبية تقاطعت مع النظرة الشرقية في نقاط جوهرية كالفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (١٨٥٩-١٩٤١) الذي دعا إلى ” الحد من سلطان العقل” و الاعتماد على الحدس أو الجانب الوجداني لإدراكِ مالا يستطيع العقل الإحاطة به.

الشرق الأوسط

يؤكد الكاتب على أن تكامل الإنسان يكون في الجمع بين النظريتين وأن سحر و عبقرية الشرق كانت دائماً في الجمع بين النظرة الروحية و التأملية و النظرة المنطقية أي في المزج بين ” خفقة القلب و تحليل العقل ” .

فليس بالإمكان إغفال المساهمة الكبيرة التي قدمها فريق كبير من الفلاسفة المسلمين كالفارابي و ابن سينا و مساهمة علماء المعتزلة في علوم الفلسفة و المنطق و علم الكلام . إضافة الى المتصوفة الذين التمسوا الطرق الوجدانية و الحدس والتجربة الحسية المباشرة طريقا الى معرفة الحق و هي النظرة التي تشابه كثيرا نظرة الفنان.

“الشرق عالم ساحر مشرق وهو جنة الدنيا، وهو الربيع الدائم مغمورا بوروده، وهو الجنة الضاحكة، وأن الله وهب أرضه زهورا أكثر من سواها، وملأ سماءه نجوما أغزر، وبث في بحاره لآلئ أوفر”

فيكتور هوغو .

Advertisements

فكرة واحدة على ”الشرق الفنان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s