هي و هو ..

في ليلة شديدة النداوة على اليمين شاطئ مدينة سطحية المعنى سحيقة الذاكرة، وبحر قتل منتهاه على جهة الشمال ..
تمسح بيدها قطرات الأسى عن جبين حبيبها .. أصوات القهقهة تتعالى في أرجاء المكان، الموج يفضل عدم الرد، الصخور تسارق الأنظار، تتهامس بينها: ما بال هذين العصفورين قد جف عُشَّهما قبل اكتماله، حتى “اكتماله” هل هو التعبير الذي قصدناه !؟ .. فليس هنالك ها هنا كامل إلا استدارة القمر قبل أيام انقضت وانحمت من شريط الذاكرة ..
  
تسأله حبيبته بكل ما تبقى من براءتها: مالذي أصابنا ؟ مالذي أدى بنا إلى هذه النهاية الهاوية !؟ فقد كنا أحبابا، ذائبين، متيمين باللحظة، والآن .. الجيران اتخذوا حكايتنا قصصا يُخلِّلوا بها سكوت جلسة الشاي بعد الظهيرة، الكتَّاب سرقوا قصائدنا ليتباهوا بها، والعشاق نمّقوا بأحرفنا جُمَل مراسيلهم ..
كيف سيموت كل هذا ؟ بهذه البساطة ؟
 
رد عليها حبيبها: أحقا !! مالذي سيموت !؟ أنا لا أتابع ما تقولين ..
 
قالت: ستموت أنفاسنا، ستموت أحلام يقظتنا وليالينا، ستموت أجزاء فينا .. أو ربما كل ما فينا !!
 
قال: آه .. أرجوك كُفِّ ولا تثقلي عليّ بترانيمك المملَّة .. هلّا اخترت مقطوعة ثانية فقد مللت سماع هذا الجزء من معزوفتك اليومية الرتيبة !!
 
قالت والدمعة حبيسة جفنيها: منذ متى أصبحنا اثنين بعدما تخلَّصنا من نصفنا الزائف لنتَّحد واحدا !! .. أرجوك قل لي بأنك تهذي ..هل هو المرض يبدو ساطعا في أرجاء هالتك ؟
 
وبدأت أصواتهما النحيبة تعلو، حتى وأدت كل ابتسامة لم تولد .. هنا مات قلم الكاتب من فرط خبث النهاية، لا لأنها غير متوقعة .. بل لأن سم الكآبة فاض على حيلولة ترياق الأمل، فأكمل بعده قلم غيره بقي فيه قليل من الحياة ..
 
عادا إلى المنزل والسكوت يعم أرجاء المكان .. كلٌّ يحمل خطةً كيف يرد على نصفه الآخر المتمرد .. فهو يؤمن بأن النهاية اقتربت لأن غيرها أشبعت كله .. وهي لا تزال متشبثةً متمسكةً بخيط واهن اسمه الحب !! .. ما هو الحب !؟ أكذوبة تكبر بها العلاقات حتى تبلغ رشدها فتستعيد مفقودها لتصحح أخطاء ما اقترفت فترة غفلتها !؟ ..
 
 
هكذا انتهى اليوم ..
وبات كل منهما الليلة في صومعته يرجو صباحا أفضل ..
يدعو كل منهما بأن يحك جفنيه الآخر فور استيقاظه ..
أن يجلس بجوار من يحبه دون النظر لمرور الدقائق .. فيتخذان الزمن قاربا ويسافران نحو الأبدية ..
أن يعيشا حياة وردية كالتي تحكى في الروايات ..
أو كالتي تتوالى في الأمنيات ..
أو لم تنتهِ بعدُ الليلة !!
 
ربما كان هذا مشهدا حقيقيا نابعا من بقايا اللاوعي ..
وربما هو كابوس جائر هاجم حلما بريئا بغتة ..
 
وربما .. هو أنا !!
Advertisements

فكرة واحدة على ”هي و هو ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s