ظاهرة الصمت في الشبكات الاجتماعية

يبدو لي أن انتهاج نهج المارّين بخرس في جميع مواقع الشبكات الاجتماعية ظاهرة تحمل في طياتها الكثير من السلبيات المقنعة على أصحابها !! حتى ولو كانت في ظاهرها تؤول حكمة أو ترفعا أو انشغالا .. وتلك مصيبة أخرى ..

وقد تكون ظاهرة [الإنسان المستقيل] أو [الإنسان المنسحب] تفسيرا مقبولا للافتراض السابق، فيصبح الإنسان لا يتحدث إلا عندما يطلب منه، وإن فعل فلا يكون إلا لماما .. ذلك أن عملية اعتياد الإنسان طريقة [المشي جنب الحيط] و [مالي صلاح] و [من بعيد لبعيد] والاكتفاء بمشاهدة الحراك العام والخاص، مجرد لبنة من مجموعة لبنات تُصفُّ يوما بعد يوم وموقف بعد موقف ليبني بها الإنسان سجنه الذي يحد من حركته أبدا .. ونرى هذه المشاهد بكثرة كما أشرت سابقا في الفيسبوك وتويتر وشبيهاتها من مواقع التواصل الاجتماعي .. وهي مساهم في [الكشف عن] و[التأثير في] شخصية الإنسان إلى حد لا يُستهان به، الذي قد يكون دون إدراك منه ..

ومن المألوف أن الإنسان يحب أن يظل ريثما هو ومكان ما هو كائن ويغريه الركن إلى ما هو يعرف، فهو يشعر حينها بالأمان .. فنحن نخاف من المجهول، بل نخاف مما لسنا متأكدين تماما منه، وبذلك نحجم عن خطوِ أي خطوة في أي اتجاه، وهذا ما عبر عنه إريك فروم في كتاب الهروب من الحرية. وعلى ذلك، فالأمن والاستقرار لا يكون إلا في الأشياء القديمة والمجربة والمعهودة، وفي هذا السياق فهي أقرب ما تكون إلى المتابعة المصمّتة والمرور السرابي، لأنها بمثابة حصن سامق صعب العبور وكفيل بإمداد صاحبه التمنُّع الكافي الذي [يوهمه] بأنه يشاطر الغيب في إحدى صفاته: يَرى ولكن لا يُرى !!

ومن الأسباب الرئيسة التي تحبسنا عن عدم الفاعلية والخوف من النطق وملازمة تابو المشاركة لنا هي أننا قد نخاف من المواجهة في حين والتفرُّد -أو الكيان المستقل- في حين آخر ..
وإن حصلت مواجهة بنقاش ما فسيكون حتما رخو المنتوج .. نلاحظ في مرات عديدة أزمة التحام الرأي بصاحبه المؤدي إلى عدم التفريق بينهما. وهذا إن أدى إلى شيء فلن يكون إلا المبالغة في خلق حجج للدفاع عن رأيه -أو قد نقول للدفاع عنه نفسه- ولا يتوقع أي منهما أن يغير رأيه أو يغير رأي خصمه، فكلاهما متخوفان من التغُّير والتغيير، والسبب الراجع لذلك هو اعتبارهما أن الرأي جزء من ممتلكات الإنسان، ومن ثم فالتخلي عنه بمثابة إفقاره !! ذلك أن الشخصيات المتجردة بذاتها وكينونيتها لا تستند إلا على أنها كائنة وحاضرة وحية، وإمكانية الخلق السِّلمي الإبداعي الجديد والوصول لنقاط الوسط أو ما عرَّفه ستيڤن كوڤي بـ [البديل الثالث]، فالأمر لا يتطلب إلا توفر الشجاعة لإطلاق سراح النفس والتجاوب معها والآخرين، وفشل الوصول إلى شيء من هذا القبيل يقوي فينا الذات المنسحبة وسنلجأ لاحقا لحيلة نفسية دفاعية أقرب ما تكون إلى التسامي الأجوف، وهي مجازاً حالة فُخَّارية، فيها تتكثف الأنا من ناحية ويخلو الكلام من الحجة من ناحية أخرى.

وأخيرا، تدريب عملي لما سبق: اعرب أو اعرف موقعك ضمن الشبكات الإجتماعية [فعل/فاعل/مفعول به/ظرف/ضمير مستتر/تمييز] ؟
فهل أنت فعل مبادئ مبتكر يصنع حركة، أم فاعل مبادر يحمل فكرة، أم ظرف يحترم الأطراف والوصل ويتقن الوصف، أم تمييز لا يعول عليه إلا اختيارا، أم ضمير مستتر مطموس المعالم سائح في الاحتمالات ومجهول الهوية !!

Advertisements

فكرة واحدة على ”ظاهرة الصمت في الشبكات الاجتماعية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s