فلتَقُل خيراً !!

تأملات في الحديث
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت)

كُتب هذا المقال على مراحل استدعت بعضها بعضا، وجل ما أتمناه منها هو إلهام طفيف تبعثه هذه التجميعات .. وأكثر ما دفعني للتأمل في هذا الحديث الشريف هو الحاجة إلى آلية لتهذيب اللفظة عندي.

الأصل أن الأفكار أحادية الاتجاه لن تأخذنا إلا لذات النتيجة طبعا .. ولذلك فالمغزى هو صنع روابط جديدة تهدف لتقوية المعنى الأساس المتضمن في ثنايا حديث نبينا عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت). وبعيدا عن القول المعروف والسائد، وهو أن للسان آفتين عظيمتين ومن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى، آفة الكلام وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثما، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والحق هنا، امتناع المرء عن قول الخير ومحاولته في عمارة المعروف، والكلام بالباطل أمر معروف أسأل الله سبحانه الخلاص منه .. فمشيت أطرق أبوابا أخرى لجوهرة المعنى الخاص به في الحديث، لا سيَّما أن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وُهب جوامع الكلم، فالبحث يستمر لما وراء الوراء ..
ومن ظلال فهمي للموضوع الذي سأطرحه، فقد ورد ذكره في بعض الآيات الكريمة مثل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾
﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾

وفي مراجعة لسلوك الناس قديما، فقد كان من الوقار في التراث والنُّسك الجاهلي سكوت الرجل طيلة اليوم .. وهذا الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد يؤكد هذا المعنى بتباهٍ في قصيدة له مطلعها “سكتُّ فَغَرَّ أعْدَائي السُّكوتُ” .. وهذا منهي عنه في الأخلاق المحمدية، ويقول الإمام علي -رضي الله عنه- حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا صُمَات يومٍ إلى الليل”. ومع ذلك فالاتزان مطلب، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كان رسول الله يُحدِّث حديثاً لو عدَّه العادّ لأحصاه”، وهنا كناية عن عدم كثرة الحديث .. وشرح الأمر وتفسيره في قول ابن القيم في الجواب الكافي في تبيان اللَّبْس الذي قد ينشأ بين [النهي عن السكوت] و [الحثِّ على قلِّة الكلام]: “وأما اللَّفظات فَحِفْظُها بأنْ لا يُخرِج لفظةً ضائعة”.

وقد أُلِّفت كتب كثر تهتم بجمالية اللفظ والقول مثل [روضة المحبين ونزهة المشتاقين] لابن القيم الجوزية، فنجد فيضاً جميلاً من لفتات الجمال التي تزيد عن الخمسين. ومؤلف [معجم المناهي اللفظية] للدكتور بكر أبو زيد ..
وقد حامت أقوال فلاسفة عظام حول هذا الفلك مثل “لِينَ الكلام قَيْدَ القلوب” و الكلام الليِّن يغلب الحق البيِّن” و “الكلمة خنجر لا يُرى” ..

فمن هذا كله انبثقت الفكرة …

وسبيلنا إليها هو الاهتمام بما يسمى بـ [العفة اللفظية] .. ولفظة العفة من الفعل الثلاثي عفف، وجاءت في لسان العرب بمعنى: الكفّ والامتناع عما لا يحِلّ ولا يَجْمُل .. إذن فهي قيمة أخلاقية .. ومن الأَوْلى أخذها كإشارة نحو مدى استحسان [الهندسة اللفظية] في الإسلام ..
وقد أشار إلى هذا المصطلح الدكتور منصور القطري في كتابه ذا العنوان الساخر [فضل السكوت ولزوم البيوت] والذي كان يحارب ظاهرة الانجراف مع تيار [القوقعة الفكرية] و [عقلية القطيع] وحاول أيضا قتل [ظاهرة الاستقاليَّة] في الإنسان .. الذي لا يجدر أن يكون السكوت والانسحاب دينه وديدنه.

وتجلَّت عفة اللَّفظ عند الخضر في ختام حديثه مع موسى عليهما السلام في آخر سورة الكهف [آية ٧٩-٨١] .. وهنا إشارات ترتكز على صلب الموضوع:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾
[فأردت أن أعيبها]: هنا أدب سيدنا الخضر الجمّ، فالإفراد في صياغة المتكلم العائد على نبينا الخضر، دلالة تفضيل في أخذ وجه العيب وحده حتى ولو كان لأجل هدف نبيل، من خلال [الإرادة المستقلَّة].
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً [٨١] فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾
[فخشينا]: وهنا استخدام [نا] الاشتراك العائدة على الله سبحانه وتعالى والخضر، وقيل بأن الدليل هنا أن الأمر فيه ثنائيتي القتل والإحياء.

وفي القرون الأخيرة حدث تطور معين في اللغات الغربية -والتي أثرت تبعا في اللغات الأخرى بحسب سيطرتها- يعكس التغيير في التوجه نحو أسلوب التملك، ذلك هو التزايد الملحوظ في استخدام الأسماء مع التناقص في استخدام الأفعال.
فالأسماء هي الرموز المناسبة للأشياء، يمكن القول بأني أملك الأشياء، أملك سيارة مثلا. بينما الأفعال هي الرموز المناسبة للنشاط والفعل. فمثلا، أنا أكون، أنا أحب … الخ، غير أن استخدام صيغ التملك للتعبير عن النشاط يتزايد باضطراد، أي يتزايد استخدام الأسماء عوضا من الأفعال. واستخدام صيغة التملك مع ربطها بالأسماء للتعبير عن نشاط إنساني إنما هو استخدام مغلوط للغة. فالنشاط لا يمتلك ولكنه يمارس. بالإضافة إلى أن الإفراط في استخدام هذه الصيغ تزيد ارتباط الإنسان بشهوة الامتلاك وخلق [الشخصية الاحتيازية] التي أشار لها إريك فروم.
وسبق فروم في هذا النسق دي ماريه، موضحا أن مقصدنا حين نعبر بـ [أنا أملك فكرة] فإن “أملك” هنا تقال على سبيل الاستعارة، حيث المعنى يساوي [أنا أملك فكرة أنا أفكر، أنا أدرك الأمور بهذه الطريقة .. أنا عندي شوق لكذا تعني أنا أريد كذا] .. وهذا مأخذ خطير، ويعود الفضل في هذا لمعلمه نعوم تشومسكي.
وفي الاستخدام المعاصر .. إنَّ شخصا يذهب للطبيب يعرض عليه مشكلته، فيبدأ كلامه قائلا: “يا دكتور أنا عندي مشكلة في كذا وكذا، عندي أرق/اكتئاب، على الرغم من أن عندي منزلا جميلا وأطفالا ناجحين وزوجة معينة وحالة مادية جيدة جدا .. إلا أن عندي هموما كثيرة”. فتكرار استخدام [عندي] هنا خطر، من ناحية وضعها ضمن الإطار النفسي المسمى بـ [التجربة والمعاناة المملوكة] بدلا من أن تكون مجرد [عَرَضٍ] يمرُّ ويرحل. وهنا نعود للنقطة الأساسية التي بدأ منها إريك فروم قضيته الأولى في معضلة الإنسان الحقيقية -في رأيه- وهي التملُّك ضد الكينونة. وفي السياق السابق، الذي رفضه فروم، كانت حجته أن الإنسان بتلك الطريقة يجعل من السلبيات أشياء تُمتلك وتُقتنى، ومن ثم تصبح، على الصعيد النفسي، اختراعاتنا هاته هي مشاكلنا الحقيقية .. فالشيء الذي من صُنْعي أصبح يتملَّكني. وأصبح هذا خللا لفظيا متوارثا، ناجم عن خلل نفسي عميق مناط بالتعلق والتملك.
وفي لفتة أخرى في كتابه [فن المحبة] يوضح فروم أن لفظة “وقعنا في الحب” و “وقعنا في شباك الغرام” ونحوها من أشكال الوقوع في شيء كالحب، فقد رفض ذلك -مع الأخذ في الحسبان أنه تعبير مجازي- بدافع أن الحب شرطه أن يسمو بالطرفين فوق الفوق.

وقدَّمَت مؤلفة كتاب [نعم .. ولكن] ليليا كوني لمحة جميلة تَصُب في مجرى كلامنا عن أهمية اللفظة ومدى تأثيرها فينا. فبيَّنَت أنَّ كلمة [لكن] هي أكثر أنواع الڤيروسات المنتشرة في وقتنا، وقد استقرَّت كلمة [لكن] في تفكيرنا وفي اعتقادنا المؤطر ثقافياً في مجمل تعبيرات حياتنا الفكرية وتطورت إلى [ڤيروس] لوعينا الذي يعتريه الشلل ويصيبه الإقصاء حينما تنشط كلمة [لكن] في فكرنا. وذكر أحد الحكماء في قوله عن كلمة [لكن]: “إن كل ما يَرِد قبل كلمة [لكن] هو مجرد أكذوبة” وأن تلغي كلمة [لكن] من مخزونك اللفظي لا يعني أن يكون لك رأي آخر، بيد أنك حين تتوقف عن وضع هذه الكلمة في مقولاتك أو مقولات غيرك، فإنك ستلاحظ بعد مدة قريبة جداً أنك تتعامل مع نفسك بشكل أكثر انتباهاً، وستتأكد بسرعة أنه ليس من الضروري أن تسْفَه رأي الآخرين كي يكون لرأيك الريادة .. ومن الثابت أن رؤيتين توصلان إلى هدف أسمى وبسرعة أكبر من رؤية أحادية.

وقد تكون قضية الكلام أسهل بكثير من هذا كله .. فإن لم نستطع أن نلحق بهذا الرّكب النيِّر، فالتخيير لا يزال دائما وأبداً العطية الإلهية وقرين الإنسان في حياته .. متمثل ومجموع هنا في النصف المكمل للحديث الشريف [.. أو لِيَصْمُت].

Advertisements

فكرة واحدة على ”فلتَقُل خيراً !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s