جاري المضغ/اجترار الهراء

من المعلوم وبعد تطور العلوم وتفرعها لتخصصات أدق وأدق، أصبح البشر يكترثون لما يمسهم من قشور العلم فقط، وكل ما لا يحتاجونه في مجال عملهم اليومي هو بالنسبة إليهم مجرد [إكسسوار] التحلِّي به يعتبرونه ضياع وقت لا أكثر .. ونمط الحياة السريع الذي نعيشه يعزز فكرة القصور أو [التقلص المعرفي]، ولو أنني أفضل الأولى على الثانية، فالتقلّص قد يحمل مرات معنى المشمِّر والمتأهِّب، عكس لفظة القاصر فهي أقرب للعجز والإهمال وارتخاء العزائم. وقد أشبه حالتنا فائقة التخصصية -وليتنا نُحسِن بحق- فقيرة الشمولية بكمَّامة أو غَمَامة الحصان، التي توضع على جانبي عينيه لكيلا يرى إلا أمامه. وفي حالتنا نحن الآدميون، فقد يصح القول، حين انعدام البصيرة يبقى المرء رهين ما يُبصر !!

قرأت كتاباً في الفترة الماضية وقد كان بمثابة ريح اقتلعت غمامة العين تلك عني، فقد طرح الأستاذ الدكتور الكبير عبدالله الغذامي في كتاب [اللسان واليد] تفسيراً مختلفاً مُجدِّداً لما نتصوره حين نلفظ بكلمة [القراءة]، وأكثر ما اتسم به كان حيادية الحجاج في طرحه. وقد ذكر أن القراءة هي اسم وسيلة إرسال واستقبال، “والوسيلة لا تكون غاية في ذاتها”، فهي ببساطة القدرة على التعبير قولا أو كتابةً من ناحية، ومن الناحية الأخرى استطاعة فك الرمز المكتوب أو اللغة المسموعة. واستند في ذلك على أنه لا يمكن لأحد أن يشكك في طه حسين وأبي العلاء المعري وامرؤ القيس .. مع أن ثلاثتهم كانوا فاقدي البصر لا البصيرة !! ولذا نستطيع أن نزعم أن الأذن تقرأ والحجة علينا هم أولئك الرجال ..
إذن “فالقراءة صيغة من صيغ التفاعل وليست سر التفاعل” !!
وتحدث الغذامي عن المصطلحات الثقافية الثلاث [يسمع/يقرأ/يبصر] .. حيث (يسمع) تعبّر عن الثقافة السمعية والشفاهية، في حين (يقرأ) تمثل الكتابة، والأخيرة (يبصر) ممثلة لمرحلة الثقافة البصرية والمرئية وهو زماننا الحالي الذي نعيش فيه. وقد يكون الميل اليوم باتجاه [ثقافة الصورة] تفسره طبيعة اليوم الذي نعيشه بين السرعة والمشغولية وتعدد المهام في ذات الوقت (Multitasking) .. فالمحاولات لا تزال قائمة لتصوير الكلمات على هيئة صوت [كتب مسموعة] أو [أغنية] أو حتى تحويل الروايات لأفلام ومسلسلات ومسرحيات .. ومنذ فترة انتشرت ظاهرة الأفلام القصيرة في كل مكان. ويقول الغذامي أيضا أن عوامل أخرى تدعم الكاتب وتقوِّي طرحه مثل المتعة والإثارة والمباشرة .. وضرب مثالاً لا يزال قريباً وهو شاعر القضية الفلسطينية محمود درويش. فنجد الاختلاف الشاسع بين واحد يستمتع وهو يقرأ مقطعاً من قصيدة لدرويش وبين آخر اقشعرَّ من أول نَفَس لآخر حرف لذات المقطع، إلا أنه سمعه بدلا من أن يقرأه !

ولا زال يغلب الظن اليوم بأن الشعوب التي تعج بالأمية هي -دائما- في المؤخرة، وأقول أن [أمية القراءة والكتابة] كانت أخف وأهون علينا بكثير من الأمية الجديدة [الأمية القيماتية والقدراتية] . لأن الأميين الأُوَل كان سلوكهم يتسم بالإنسانية، ويتجمَّلون بالبساطة والاحتمالية، بينما يرتبط بالصنف الجديد من الأميون -وبمساعدة من المنظومة التعليمية اليوم- الادعاء والفوقية والقطعيَّة، فخلَّف أناسا هشة وباهتة معادنهم ..

فالعلة واضحة، لأن الأمية الأولى لم تكن عائقا لكثير من البشر وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل العلة في الفشل الذريع من تحقيق التمكن التخصصي، وفتور الأخلاق، وضعف الرابط الإلهي، وإن شاء أحد فليطلق عليها [ثلاثية سفاهة العيش]. ويقول الدكتور عبدالله الغذامي في نفس الكتاب “إن الأمية ليست رديف الجهل ولا نقيض الثقافة، لكن البلوى في ما يسميه الأستاذ إبراهيم البليهي بـ [علم الجهل وبُنْية التخلف]، وهم عندي أنصاف المتعلمين الذين حرموا أنفسهم من طيبة الأمية وتواضعها وفي ذات الوقت لم يدركوا الوعي المعرفي وأخلاقيات الابتكار”

ولهؤلاء الذين لم يكتفوا بعد .. أنصحهم بمشاهدة حلقة [اقرأ] ضمن حلقات برنامج رمضان المنصرم [ومحياي] للدكتور وليد فتيحي.

تحية طيبة

Advertisements

فكرة واحدة على ”جاري المضغ/اجترار الهراء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s