سحر المسافة

التحيُّز لأسلوب [تناسلية الأحكام] أي إدمان إطلاق الأحكام على من حولنا، هو شكل من أشكال العيش داخل أُطُر عقلية بحتة، وبه يحصر الإنسان رؤيته للآخرين على وجهة نظره الشخصية فقط وعلى الصورة التي شكَّلها في ذهنه. ومع مرور الوقت، تختل البصيرة تبعاً لاحولال البصر، والخطر الأكبر حينما يسهُل على الإنسان استخدامه مع نفسه، حينئذ يحبس الإنسان نفسه في حدود استحقاره لنفسه أو غيره واللامبالاة المترتبة على الفعل الأول. يقول المعلم الروحاني إيكارت تول في هذا أن اختزال حياة وكينونة إنسان لصالح منظورك الشخصي الفكري، ولصورة ذهنية من صُنعك ، يُعتبر في الأساس نوعاً من أنواع العنف والتعصبية [فكيف إذا مارسته مع نفسك !!] حيث لا تزال تسجُن إنسانك القابل للتغيير ضمن الصورة التي وضعتها عنك !! ولا تكاد تقبل التغيُّر ..

ولا أزال أذكر نفسي هنا بوصية محمود درويش: “احذر أن يكبر الضائع فيك” !!

ومن المعضلات التي يواجهها الإنسان مفرطُ الأحكام ومدمن التحليل، أنه من اللازم عليه -طلبا للرضى- تقمُّص شخصية مزيفة يواجه بها الآخرين، “فتكون قراراته انفعالية وليست فعلية، وكل هذا يسير على حساب ذاته الحقيقية [فتذوب هوية الشخص شيئا فشيئا]، والسبب هو خوفه من النبذ والترك، وهو من أوائل مخاوف الإنسان”. وهذا ما يسلب الإنسان فينا الإحساس بكينونيته، ويُكسبه الخدر الذاتي، الذي يجعل كلِّيَّتَه قابلة للتماهي مع أي شيء. والتماهي يُصوَّر في القاعدة: تماشِياً مع [كما يريدون] و [كما تريد الظروف] لا [كما أريد]، لذلك فالتماهي قمع الذات في نصيب الآخرين، ودائما ما يستبيح من الإنسان [هويته] لأنه اختار نسيان ذاته !!
ولنعود مجددا لننظر في قضية [تناسلية الإحكام] عن قرب، فلابد من وجود شيء يدفع الإنسان ويحفِّزه ليفكر كذلك.
فإحدى الحيل النفسية التقاعسية التي يتذرَّع بها الإنسان لأجل القعود هي ممارسة [تأثيم النفس]، فهي قصتنا التي نقرؤها كل ليلة حتى ننام من غلبة الهم لا الإجهاد والنعاس، فسنيقظ بعدها متحاشين أن نكون في الواجهة والمقدمة -أو حتى أفراداً فاعلين- بدعوة أن هنالك من هو أخير منا.
يحصل أننا نبادل أقراننا نظرات الإعجاب المطلق، والتنزيه المؤلَّه، تاركين لأنفسنا أكواما من الزلات لنحملها !! لأننا -برأينا و اقتناعنا المُذنب- نستحقها دون غيرنا ..
قانون المسافة يصف الكيفية التي يعيش بها الإنسان المهدر للأوكسجين. وله أكثر من هيئة، أحدها العيش بقناع الادِّعاء والملائكيَّة الزائفة، والثانية المُقعَد المنسحب بسبب فقد الأمل و الثقة.
قانون المسافة هو أننا نكره أن نمسك بأيدي الناس لنتجول بهم في فناء صدورنا وساحة أفكارنا، أو حتى السماح لهم بالمشاهدة من خلف أعالي الحاجز .. فنجعلهم على بعد أميال أو حتى خطوات من مجالنا -حدود السور- قاصدين بذلك الظهور بهالة الصلاح التام .. فهذا هو المهم، أي عدم تخطيه. ونبني ذلك الحاجز فقط بمحاذاة الحدود التي نكون فيها متجلين بأبهى صورة ملائكية ممكنة. فيحوطنا الارتياح عندما نلبس زيَّ التقوى والصلاح، حتى نبدو أجمل مما نحن عليه وأجلُّ ..
وبذلك تتبدد طاقاتنا في تزيين ذلك الحاجز فضلا من أن ننشغل بما هو خلفه -وهو الأهم- ليجيء الحين الذي لا نرتاب فيه من المصارحة والمكاشفة .. فليس هنالك ما نخاف البوح به، لأننا نؤمن أننا مثل البقية نصيب ونخطئ، بل ربما غدونا أشجع وأصدق في حقيقة فعلتنا، وسعينا لتطابق مظهرنا مع جوهرنا !! فنخرج من ضيق الشك والتأثيم إلى بحبوحة التصالح مع كل شيء ..
يقول الكاتب عماد سامي سلمان : “إن حياتنا تقاس بمدى حضورنا فيها”، وإحدى صور الحضور في سياقنا الحالي تمنُّع الواحد منا بالوعي المنقذ من سلسلة الخطر المبتدئة بالانبهار الأخرق.

وأستطيع أن ألخِّص هذا كله في [حين تنعدم البصيرة .. يكون المرءُ رَهْن ما يرى] !!

Advertisements

فكرة واحدة على ”سحر المسافة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s