عارِفٌ عاشَ في زمنٍ غريب

“ربما اتسعت بلاد لي كما أنا”

“أنت منذ الآن .. أنت”

لطالما كان المجهول يشكّل عاملاً مفزعاً لكثير من الناس، ومستفزاً لتكوُّن جبال من الاحتمالات، التي قد يترجمها البعض إلى [إجابات]، وعلى النقيض فهي مؤهلة لتصبح كابوساً للبعض الآخر .. ربما لأنهم يخافون من خوض التجربة، ومدلول اللفظة -التجربة- ليست بالهينة، فيلسوف الذاتية محمد إقبال قال “الدين في جوهره تجربة”. وربما لفهمهم القاصر للحياة، أو تشوّه معانٍ كالقناعة ومنافعها، وربما هو حجاب وعصابة على بصيرتهم لأنهم ببساطة لا يستحقون كل ما بعد التجربة .. وهذا المجهول الذي يتوسط المعلوم يورث تواتر الاحتمالات، قد يكون طريقة تعبير أو تفكير، وهو ما سأفسره بالمجاز.

والمجاز لفظة متجذرة من الفعل جاز، بمعنى تعداه إلى غيره. ووظيفته في تصور البلاغيين أنه إكسير الجمال المضاف إلى التعبير، ويزيد من المقدرة التأثيرية .. هذا المفهوم قد يؤول أن التوصيف الأليق بالعارف أنه [مجاز متأنسن] .. فهو مصدر الوحدة وراء التعدد، وهو الذي يربط بين كل التفاصيل، فتكتسب به معان ودلالات وتصبح جزءا من كل، وليس مجرد فكرة جديدة .. والترابط بين الحقائق هو عين الحكمة فلا شيء يشذ في هذا الوجود انفصالا إلا وهو متصل -بطريقة ما- بما سواه. فالتفسيرات الأحادية داء منصفي الأشياء.

وهذه النظرة قد تقرب معنى أن يكون الإنسان عارفاً .. “هو الرابط الذي يجمع بين المتفرقات، وتستمد منه الأشياء صلاحها، فهو لا يكدره شيء، ويصفو به كل شيء، يحتملك ويحمل عنك، لأنه متخلق بأخلاق الحق، وهو كالمطر تنتفع به كل جهة أصابها، إذ لا اسم له يختص به، فهو سائح بين أسماء الله يحاول تحقيق جلالها وجمالها .. ولكونه مجدد الروح في الموجودات، فهو عنصر التمكين .. وبهذا الاعتبار لا اسم له يتميز به في الوجود ولا وقت ولا مكان يختص به دون آخر” .. وفراسة العارف تحقيق يوجب حقيقة. وهمته تتعاظم في تصحيح الأحوال. والعارف من تضاء له الأنوار فيبصر بها عجائب الغيب، وهو في الوصف كالشمس تشرق على العالم، وفي الشكل كالأرض تتحمل ثقل جميع الموجودات، وفي اللون كالنار يضيء به العالم. هو من سمع له الخلق فاستجهلوه، وإذا رأوه استجنوه، وإذا أبصروه استدهشوه .. وهو حي ميت وميت حي، ومحجوب مكشوف ، ومكشوف محجوب. ويكون بكليته فانياً بحب جلال عظمته تعالى.

ويقول الشيخ الأكبر ابن عربي: “فإن العارف مَنْ يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء”

وختاما فالعرفانية في ظني القاصر حالة تُطلب واللبيب من عرف الطريق إليها لتتسنى له العودة حين تحين ..

٨/١١/٢٠١٣

Advertisements

فكرة واحدة على ”عارِفٌ عاشَ في زمنٍ غريب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s