جرّب أو خرّب

Thomas Leuthard

Photography by: Thomas Leuthard

 

 

– بداية أود التنويه على أمر مهم؛ ألا وهو: ليس كل ما تراه حقيقة .. وليس كل ما لا تراه غائب !

– وأود التنويه على أمر آخر لا يقل أهمية: لا تظن، ولو لطرفة عين، أن هذه الكلمات ستحل معضلة العالم، أو أنها ستفكُّ أحجيات الحياة. ولكنني شخص يؤمن بأن الحياة تجربة، وهذه الكلمات هي جزء من تجربتي التي لن أتنازل عن المضي فيها.

– فماذا سينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه !؟

– وأود التنويه على شيء أيضا: بما أني أؤمن بالتجربة، فأنا راضٍ، على الحد الأدنى، بما فعلت .. وعلى الحد الأعلى، بما لم أفعل ! … والأخيرة هي مناط التحدي في الواقع. 

– إنَّ وقود الحياة؛ التجربة

– يكفيني إِنْ حرَّكت إحدى سمفونياتي شعورا ما، وأملي أنْ تُحدِثَ إحداها رعشة لدى أحدهم، وقد نجحتُ إذا بعثتْ الحياة في قلب إنسان !

– خسارة فادحة .. من عاش كامل عمره دون أن يُحدث اضطرابا في قلب إنسان.

– البشر أربعة فِرَق، في حين اتخاذهم لقرار ما. الفريق الأول: هم من يبحثون عن الغائية، سؤال [لماذا]، قبل مضيّهم في الطريق. والفريق الثاني: هم من يبحثون عن الماهية، سؤال [ماذا]، وكثير من المفكرين يقللون من شأن هذا الفريق عن السابق، بسبب كونهم موسميّين وتحكُمهم الظروف والمزاج. والثالث: هم لا يبحثون ولا يتساءلون، بل همُّهم الرِّفقة، وحبهم مسكون في المشاركة والدعم. وأما الفريق الأخير: فهم إما لا يفعلون شيئا -ويظل هذا القرار قراراً قائما بذاته، في حال قصده، أي الامتناع واختيار الإحجام، ويختلف كثيرا عن التكاسل والتقاعس. وإما أنْ يبقوا متذبذبين مترددين .. وفي رأيي، فكلها قرارات أحترمها، عدا الأخير، مع أني كثيرا ما أفعله غافلا !

 


 

– بمناسبة هذا اليوم السعيد، 16 ذو الحجة، وهو يوم ميلادي، سأقوم بكتابة مجتزئ من حكايتي مع الكتابة .. والدافع الذي أجده في مرات كثيرة: مضحكا ..

– بدأت أنقبُ طريقي نحو الكتابة منذ سنوات قليلة، قرابة الخمس سنوات. وكان الدافع المحرِّض أمر واحد وحيد، وهو خطبة الجمعة !

– في كل يوم جمعة، وفور دخولي المسجد، كنت أجلس أرمق رجلا يسمونه خطيبا، وهو يمارس هواية المطالعة، ولكن في مكان غريب عليّ، في مكان لم أجد له تبريرا على ذلك الفعل لسنوات طوال، على منبر المسجد .. نعم لم تكن تعجبني !

– الإخلاص، الأمانة، الأخلاق، برّ الوالدين، الصلاة، الحج وأركان الإسلام، الصبر، المدرسة، الاختبارات وعلاقتها بصفوف المصلين في المسجد .. كانت، وما زالت هذه عنجهية خطب الجمعة. 

– لمجرد التوضيح، إشكاليتي الحقيقية مع مواضيع خطبة الجمعة، وليست الخطبة أو صلاة الجمعة ذاتها. 

– بمجرد شروع الخطيب في خطبته وحتى انتهائه، كنت أدعو بأن يكون هذا السطر هو السطر الأخير في ورقته. وأستيقظ بسبب رعشة الفرح، حين ينطق بالجملة الشهيرة: “فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون” .. وأقول في نفسي: آه، وأخيرا، لقد عدت للحياة مجددا.

– وأثناء تلك الدقائق الجحيم، يُسافر عقلي باحثا عن أمر ما، يتساءل عنه وعن حقيقته وحيثياته ومسبباته والدوافع إليه والحلول .. وما إلا ذلك. وأعود بعدها إلى البيت، ممتلئا بالهراء، هوائي مترعٌ بالسخافة، مطرقا برأسي للأسفل أُتمْتِمُ: ربُّ، مالذي يحدث في بيوتك .. أو ربما، مالذي يحدث لي !

– من عادتنا العائلية في يوم الجمعة، أننا نذهب لتناول الغداء في بيت جدتي لأمي [ليلى] رحمها الله رحمة واسعة – ولي وقفة أخرى مع هذه السيدة العظيمة – أو أننا ذهبنا لمطعم ما قبل ذهابنا إلى بيتها. وبعد وصولنا إلى هناك، تعودت بأن أتبوّء مكاني القريب البعيد من العائلة، وأكتب خاطرة الجمعة، انتقاما مما فعله الخطيب يومها .. وكلما ازدادت الخطبة بلادة، كلما كانت الخاطرة أكثر دمويةً !!

– ومنذ ذلك الحين، اعتدت أن أخصص في يوم الجمعة ساعة لأبحث عما يجول في خاطري، وأكتب .. 

– لذا، أستطيع الجزم بأن السبب الذي دفعني للكتابة هو هجوم على صفوف الكتابة الهزيلة في تلك الأوراق الكثيرة التي قُرئت على مرّ السنين. أو أنه دفاع عن الكتابة المهزومة، والتي أتمناها وأرجوها. أو أنني اتخذت من العالم الأزرق [Facebook] منبراً لي، وهكذا أكون قد أخذت حقي في الكلام .. المهم في الأمر، أنني نويتها أن تكون حقا: كتابة ضد الكتابة.

– قبل قرابة عامين من الآن، كنا قد اتفقت وصديقي الأديب معاذ بحري في بداية هذه المدونة، وقررنا أن نسميها [الكتابة ضد الكتابة]. على أن تكون هذه المدونة تدريبا أسبوعيا لقلمينا. وكي يرتقي قلم كل منا ليصبح [إزميلا] كما يسمي صديقنا الطبيب محمد طيب قلمه. ويكون لقلمينا قدرة فيحررنا، قبل أن يحرّر غيرنا.

– وَمِمَّا هزني حينذاك، قراءتي لمقدمة أحد الكتب، فقد هاجمتني رعشة موقظة لا أنساها، وهي المقدمة التي كتبها الأديب والشاعر نزار قباني لكتابه [الكتابة عمل انقلابي]: “الشرط الأساسي في كل كتابة جديدة هو الشرط الانقلابي. وهو شرط لا يمكن التساهل فيه، أو المساومة عليه … نحن لا نكتب، وإنما نمارس مجموعة من العادات الكتابية .. إن النسيان عامل هام جدا في عملية الإبداع. والقصيدة التي لا تستطيع نسيان طفولتها، لا تملك القدرة على تصور مستقبلها .. لأن الذاكرة في نهاية الأمر، هي تعليب الأشياء بحالتها الأولى، وتجليدها في حرارات واطئة جدا كما تُجلّد اللحوم والأسماك …. الكتابة الجديدة هي التي تتخذ من البحر نموذجا لها. فالبحر هو النموذج الانقلابي الأمثل، حيث يثور الماء على وضعه في كل لحظة، ويناقض نفسه في كل لحظة، ويفقد ذاكرته في كل لحظة”.

– وللكاتب الدكتور عبدالله الغذامي كتاب قديم بعنوان [الكتابة ضد الكتابة] كتب في مقدمته: “الكتابة عمل تحريضي، يحرض الذات ضد الآخر، وهي في الوقت ذاته تحريض للآخر ضد الذات … وليست الذات ولا الآخر إلا نصالا تتكسر على نصال، والمنتصر الوحيد هنا هو الكتابة … إن الذات وهي تكتب إنما تفعل ذلك لكي تدل على كل ما هو مفقود منها، وبذا فهي لا تدل إلا على ما هو سواها وما هو غيرها”

– وأكثر من ذلك كله، هو الفرصة التي أتاحها لي الصديق الشيخ د. علي أبو الحسن في مشاركته في كتاب [إنسانك مسروق]، الَّذِي صدر منذ ستة أشهر. فتلك التجربة كانت السّبب والداعم الأكبر في استمراري .. حتى وقتي هذا.

– هذي المدونة هي إحدى التجارب التي حظيت بها في الحياة .. ومحاولة أكسبتني مطرقة أحطم بها الأصنام الفكرية والشعورية. اللتان غالبا ما نُهزم بسببهما، ونصبح عبيدا لها. ومحاولة لتقريب معنى ما هو [إنسان] حقا، وتحريره من تِلْك القيود التي وُلِد محاصراً بها. وكذلك هي محاولة للاقتدار سعيا نحو الجدارة.

– لم أستطع الانتظار حتى شهر نوڤمبر لأهنئ مدونتي على بدئنا عامنا الثالث سوية. لذلك كتبت ما كتبت .. فكل لحظة في هذا المساء فرح، وكل حزن في هذا المساء مُنْجَلٍ.

– وختاما أقول ما قاله الشاعر محمود درويش في قصيدته [جداريّة]: “لا الرحلة ابتدأت .. ولا الدرب انتهى” ..

Advertisements

فكرة واحدة على ”جرّب أو خرّب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s