خاطرة في حضن الوداع

/home/wpcom/public_html/wp-content/blogs.dir/71f/43427515/files/2014/12/img_6171-0.jpg


واحدة من تحديات الإنسان في الحياة هي تغلبه على الاعتياد على الأشياء. فالعادة عند أصحاب الوَجْد موت مُعجّل. والمضحك أن الإنسان نادرا ما يَعْقِل الحكمة في الأمور إلا بعد فواتها ورحيلها .. فكّر مع نفسك قليلا وراجعها، وستجد كم هو حقيقي ما أقول.
وما أخاف أن اعتاد عليه هو: الاعتياد على خروج الرمق الأخير من روح البشر على طاولة العلميات، الاعتياد على العبوس في وجه سائل، الاعتياد على النظر في وجه طفل دون تبسّم، الاعتياد على المرور بجانب زهرة دون أن أشم عبيرها، الاعتياد على الحياة خنقا، الاعتياد على المعتاد ليصبح هو الطبيعي ! .. أريد قدرة السباحة في شطآن السراب، أريد قدرة القفز هربا من أسوار البلادة، أريد قدرة الكتابة بقلم الشهود، أريد قدرة الابتسامة الهادية، أريد قدرة النطق بالكلمة الشافية، أريد قدرة الحياة، أريد قدرة البحث عن الدهشة … وكما قيل في الجدارية: “ربما ما زلت حيّا في مكان ما .. وأعرف ما أريد .. سأصير يوما ما أريد”.

لا أميل كثيرا إلى مشاركة الناس الخواطر، لأنني كنت أظنه أمرا دون فائدة، وضرب من ضروب الاستعراض، وأمر فيه من الخصوصية. ولكنني حين تأملت قبل أن أنْشر هذه الخاطرة، وجدت أنها أقرب لذواتنا [الذات] من أنواتنا [الأنا]. نريد أن نتحرر أكثر من الأشياء التي تقيّدنا، من الأشياء التي ليست منا .. ولكننا أصبحنا جزءا منها.

وهذا الوداع يخاطبني … ووثّقت ما دار بيننا يومها:

وعظني الوداع فحدثني: لا تثق بأحد ثقة عمياء .. ولا تنتظر -لطرفة عين- حرفا أو كلمة، فتندم مرتين !

وعظني الوداع فحدثني: ليس الحب وسيلة للعيش ولا هو آخر الأماني .. فتسول الحب بؤس وخطيئة، كما هو الحال في تسول اللقمة. ومن حرم نفسه من فرصة الفناء ما قارَبَ طعم الوَجْد !

وعظني الوداع فحدثني: ما الحياة إلا لحظة .. فاسعَ لتصميمها بنفسك ولا تقف منتظرا ولا مترددا، فيعمّها الهراء ويشوبها القبح. فتخسر فرصة العيش، وتُذَلّ بصنيعة غيرك !

وعظني الوداع فحدثني: في هذه الحياة لا شيء يُعطى دون مقابل .. عدا اليأس والإحباط !

وعظني الوداع فحدثني: لا تؤتى الحكم إلا بانشغالك بالعِلْم وتحمل الألم ..

وعظني الوداع فحدثني: الرضا مقدم على الواجب ..

وعظني الوداع فقال لي: بائس ذاك من حك القشور عن ندب الذكريات ليعيش في جحيمها .. والحكيم من استدرك نفسه وابتسم فور نزفها ..

وعظني الوداع فحدثني: يا هذا ! .. أمْسِك عنك فلتات السخط، تؤت أسباب التوفيق ..

وعظني الوداع فحدثني: لا تنشغل بوسوسات الطريق .. فتحرم حلاوة صحبة الرفيق.

وعظني الوداع فحدثني: الهلاك كله كامن في [إما] و [أو] .. والجنة أصلها في بحبوحة [و].

وعظني الوداع فحدثني: المعاناة لزيمة الحياة .. والمعنى موروثها المفقود.

وعظني الوداع فحدثني: الطريق إلى الذات محفوف بالهناء .. والطريق في رفقة الأنا محفوف بالشقاء.

وعظني الوداع فحدثني: لا شيء أقسى على الإنسان من أن يموت مرتين .. فمرة يموت في الحياة .. ومرة يموت عند الموت !

وعظني الوداع فهمس لي: لا تجزع للحزن أو اليأس، وتذكر نزار قباني حين أنشد: “إن الدمع هو الإنسان، إن الإنسان بلا حزنٍ .. ذكرى إنسانْ !”

2014/7/19
جدة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s