على حافة النجاة

image

على العكس مما يظنه الكثير، أن يمسك أحد ما قلما وورقة ليكتب، فذلك ليس بالأمر الصعب ..
وعلى العكس مما يظنه الكثير، أن يجد أحد ما فكرة ينتصر لها، فذلك ليس بالأمر الصعب جدا ..
ولكن الخوف من الوقوع في ما كتبه فرانتس كافكا ذات مرة في يومياته: “الكتاب يتفوهون بأشياء كريهة الرائحة” ..
إنه لمن السهل جدا أن يخدع أحدنا نفسه بأهمية ما يفعل .. أو بمدى جدّية ما قد يفعل ..
وإنه من السهل جدا أن يخدع ذلك الكاتب اللامع من حوله ..
الأمر بسيط جداً .. كل ما تحتاجه هو: لسان سليط ولغة محبوكة. عدة كلمات غريبة تستخرجها من إحدى المعاجم العريقة، لتطعم بها النَّص الطُّعم. أسلوب معقد في الكتابة. طقوس دقيقة التفاصيل والخصوصية، تكفي ليتجرّعها الإيچو، فيشتد صلبه. وتسلسل يخدم ترابط أفكار هشّة، لا تقعد واقفا، ولا تهدئ حاقداً. ربما لو اخترت مواضيع مثيرة للجدل، سينفعك أكثر. وحبذا لو ابتعدت قليلا عن المناطق الرمادية، فالناس حتما سيتقبلون أي رأي يصب هناك. توجّه نحو الأصنام، نحو الحتميات، واكسرها .. وإن لم تستطع، فلا تحزن، فمجرّد مسّها سوف يفي بالغرض، ستغرق الآخرين في بحر الانبهار بمدى جدوى حديثك، وصدق إرهاصاتك. ولا بأس أن تتسلّق، ما بين الفينة والأخرى، كتف أحد الكتاب الكبار، لتتخذ لنفسك عرشا على القمة، وتبدأ بتحطيم كل ما هو أسفل قدميك، هكذا تتعاظم هيبتك واحترامك.

كثير ممن يمارسون ما يقال له؛ كتابة، يقترفونها ليبتعدوا عن أنفسهم لا ليقتربوا. وأعني بهذا، أنهم بدلا من أن يهدموا تلك الأكاذيب ويبعدونها عن ناظريهم، يفعلون العكس، يزيدون من تلك المسافات باختلاقهم مزيدا من الحواجز والجدران. لا مكان لأدب الاعتراف هنا. كل ما نقدمه هو ادعاء وتجرُّؤ على الحقيقة، بابتسامة صفراء ملء الوجه. وما ندعوه بالبوح، هو كومة هراء، أبعد ما تكون عن خلجات القلب، أو فلتات الشعور.

لا تنسَ أن اليأس بوسعه فعل الكثير، حيث “إن اليأس يتجاوز أهدافه دائما” كما قال كافكا. فطاقة اليأس تكافئ طاقة الأمل. الأسباب خلف كل ذلك كثيرة وليست تعنيني.

وأتساءل وإياي الآن، هل يحدث كل ذلك معي دائما !؟ .. ربما كان ينبغي أن لا أفكر في هذه الفكرة. ولكن كيف بإمكاني أتجاهل سهم أراه منطلقا نحوي ؟ ..

كل ما يمكنني تفهّمه هنا .. هو إنسان يستحيل تحققا !

*******

لا شيء يضاهي تلك اللحظة التي نشعر فيها بهشاشة موقفنا من اعتقاد ما أو عادة ما .. الأمر يشبه تزلزل الأرض التي نقف عليها .. وصوت داخلي يئن: أن انجدني، أنا أنتحر .. ألا تسمعني !؟
هو شعور واضح جليٌّ، جلاء الأبيض في صدر السَّواد ..
لا مسافة بين انبثاقه واستقباله .. فأنت الكاتب والراوي .. والقارئ ..
تحاول سرد أسباب كثيرة .. هل هناك احتمال لسوء الفهم !؟ ..
لكن لا سبيل لترجمته .. وكأن اللغة أمست سراباً لا يُمسّ ولا يُحسّ ..
فلا أنت تدركها .. ولا أنت تمسكها ..
ولا أنت قادر على تجاهل الفكرة وتمريرها ..
تضحك مستأنسا .. تخيب حيناً .. وتنتصر حيناً ..

هو شعور لاأدريائي تماما ..
مليء بالاستفهامات والدهشة .. تماما كرعشة أوَّل الحب !!
فلا تعلم ماذا يحدث بعد اللحظة ..
ومرة أخرى، تتذكر أنك قد نسيت .. أنت تعيش في عالم؛ الخير فيه يمسي صدى ..

هنا فقط .. عندما تشعر باكتمال حضورك، وأنك قد غمرت اللحظة بوعيك ..
احرص على أن تغيب !
ولا تقل ما قال الشاعر: عندما اكتمل الغياب .. حضرت
ولكن قل: كلما اكتمل الحضور ودُجّن المجهول؛ غِبْت !
فالحضور .. في هكذا أحيان .. غصَّةٌ
وقليل من المُكث في هذا القبر يكفي لقضاء بقية اليوم .. بخير ..

في كل مرة نهرب من أنفسنا، نعود إليها ..
بعد أن شهدناها صغيرة من على ارتفاع سطح الجبل ..
أو قبضنا عليها وهي تتنزل من على سحابة ..
هذه الرحلة تُجبرنا عليها الحياة .. كرها بعد كره ..
لكي نطهّر أنفسنا عن كل ما ليس منا ..
وكي نستردّ ما تبعثر منا من أثر السقوط ..
هذه هي الجنة .. هكذا هي الجنة ..
إِنْ أردتها .. استدعتْك من جميع أبوابها ..
وإِنْ ظننت أنك مستحقها .. خذلتْك ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s