سخرية

 

Tommy Ingberg

Tommy Ingberg



– حينما نواجه هذه المفردة، أي السخرية، يرتسم في أذهاننا وعلى الفور، أصوات ضحك وقهقهة تهشم الجدران وتدوي بالأرض. وهذا صحيح إلى حد ما، خاصة إذا ذهبنا مع القول بأن “الضحك هو إحدى تجلّيات السخرية، ولكنها حتما لا تُختزل فيه” !

– “حيث توجد حياة، يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض، يكون المضحك موجودا” كيركجارد. وهذا ما أقرّه الراحل الكبير علي عزت بيچوڤيتش رحمة الله عليه رحمة واسعة باقية، في كتابه المُيقِظ [الإسلام بين الشرق والغرب]: “الازدواجية هي ألصق المشاعر بالإنسان”.

– وعندما نعود للبحث في المعاجم نجد أن السخرية في اللغة عادة ما تقابل الاستهزاء (والهزء في اللغة يجيء بمعنى الكسر) والاستنقاص والقهر، وإنزال شيء ما منزلة غير التي يستحقها .. وقد نقول بعبارة أخرى، السخرية هي نتاج الفرق بين أمرين.

– كما رأينا، دلالة مصطلح السخرية فيه من الخلط والتشعب الكثير. لذا أقتبس من أطروحة للناقدة سميرة الكنوسي بعنوان [بلاغة السخرية في المثل الشعبي المغربي]: “قد سجل د.س ميوك أنه “لأسباب مختلفة، بقي مفهوم السخرية مفهوما غير مستقر، مطاطا وغامضا. فهو لا يعني اليوم ما كان يعنيه في القرون السابقة، ولا يعني نفس الشيء من بلد إلى آخر، وهو في الشارع غيره في المكتبة، وغيره عند المؤرخ والناقد الأدبي. فيمكن أن يتفق ناقدان أدبيان اتفاقا كاملا في تقديرهما للعمل الأدبي، غير أن أحدهما قد يدعوه عملا ساخرا، في حين يدعوه الثاني عملا هجائيا أو هزليا أو فكاهيا أو مفارقا أو غامضا”.

– واستنفعت من مقالة للكاتب طارق عثمان بعنوان [في السخرية] يقول فيها: “يرى الناقد الكبير بول دي مان أن جملة “مفهوم السخرية” وهي عنوان الكتاب الفلسفي الأهم الذي بحث فيه كيركيجارد موضوع السخرية، هي جملة ساخرة أصلًا، ولا ينبغي أن نحملها على محمل الجد. والمقصود أنه ليس بوسعنا “مفهمة” السخرية، فالسخرية لا تكون سخرية إذا هي ارتدت حلة المفهوم”. هذه الإشارة الأخيرة، بأن حضور السخرية يُغيّب المفهوم، أو أقول الموضوعية، تعني أمرا واحدا، ألا وهو أن السخرية “حمّالة أوجه”، وبكلمة أكثر دقة: السخرية فعل عبثيّ بامتياز !!

– لا تختلف السخرية عن كثير من المشاعر التي ألبسناها أردية (=مسميات) ولم نعد نعرف لها طريقا للوصول، وأبقيناها في بيوت بلا أبواب ولا نوافذ، ضبابية الطبع، سرابية الأثر، متلوّنة كالحرباء .. وهذا بالضبط ما يجعل منها أمراً إشكاليا. يقول كيركجارد: “إن جدية السخرية ليست جادة، إن ما يقوله الساخر قد يكون جاداً بحيث يبدو كلامه صادقا للمستمع، لكن هذا المستمع عندما يكون عارفا بما يقصده الساخر، فإنه يشاركه ذلك السر الدفين الذي يكمن خلف هذا الكذب، ومن ثم يتم إلغاء السخرية أو نفيها مرة بعد مرة”.

– تقول الناقدة سميرة الكنوسي: “إن كل ما يمزق الإنسان، وكل تناقضاته ووعوده الصادقة غير الموفاة، ومثاليته المتضاربة مع سلوكه، تكون مصدرا للسخرية. إن السخرية توجد في المجتمع حين تسود عدالة الإنسان المقلوبة، وتكون في الذات الإنسانية حين تخون الإنسان ملكاته”. وهذا السبب الأخير بالذات، هو ما يبقي لنا خيارا وحيدا (=السخرية)، عندما يدرك شخص ما الفجوة ما بين الصورة التي استبطنها عن ذاته، وبين ما انكشف له في الواقع ! سواء كانت النتيجة فوق أو دون التوقع الأول .. هذه ميزة السخرية، إن صح تعبيرنا بأنها ميزة، معدية، متجاوزة، هادمة، فاضحة .. هي الريح التي تُعرّي الأشياء من ورقة التوت التي سترتها، كما يُعبّر الأستاذ أحمد السنوسي.

– وفي أهم مكونات السخرية، أن مكوّنها الدلالي يستند إلى ثنائية المعنى داخل نفس المتوالية الكلامية؛ ذلك أن العلاقة بين المعنى الحرفي الظاهر، والمعنى المشتق المضمر علاقة تضاد وتعارض، كما تذهب سميرة الكنوسي .. كما ذكرنا سابقا.

– يأتي الآن التساؤل حول استهجان الكثير من الفلاسفة والمفكرين السخرية! .. يمكننا القول بأن للسخرية وجه عقيم غالبا ما تظهر به؛ الهدم العبثي المستمر. فالسخرية كما قال البعض هي غياب العمل قبل كل شيء. يضرب الساخر ما حوله بمخلب من دهاء، فيسيل الدم ويبقى الجسد باردا مزرقّا ينتظر صعود الروح، أو وصول المنقذ. هذا ما تذره السخرية خلفها، “إظهار هشاشة البنى” و “نسف الثقة” و “اقتحام النصوص”.

– خاصية السخرية ووقودها الأوحد هو استثارة للأنا بامتياز ! .. ومؤشر ذلك هو “حلم الساخر بأن يضحك من كل شيء إلا من حرية فكره الخاص”. والديناميكية التي تعمل بها تتخلى السخرية عن النص لصالح الجملة أو الشذرة لأن هاتين لا تدّعيان ملاقاة العالم بقدر ما تظهران لاواقعيته. إلا أن الساخر ينحو مع ذلك باتجاه استثناء نفسه من ذلك الشك المعمم في اللغة … في غياب العمل، يرى الفيلسوف وسيلة للتملص من المؤسسات بتأكيده دون عناء يُذكر حرية الأنا، بالنسبة إلى المجتمع. حين أحاكي القاعدة ساخراً، فأنا أعرفها وأعترف بها، ولكن مع افتراض أنني “أبعد منها” وأنه “ليس الشيء ما هو في المرتبة الأولى بل أنا”. يرى الساخر كل ما هو وضعي من علٍ: القوانين والآراء والعادات والمعتقدات. طريقته في تأكيد حريته هي إنكار جدّية ما يقدّره الآخرون. عليه فحرية السخرية هي حرية سلبية بالمطلق لأنها في الواقع تغطي احتقاراً لموضوعية القيم”. 

– هناك ارتباط وطيد بين السخرية والعدمية بلا شك .. علّني أتمكّن من تدوينها في تدوينة أخرى بإذنه تعالى.

– إن كان هنالك من كلمة حق تُقال بحق السخرية؛ فنقول هي فعل انعتاقي يهدف إلى التحرر من أسْر الأحكام والأيدولوجيا. وهنا تصبح ممارسة السخرية أمرا خيّرا، بُغية إطلاق سراح [الاسم] الأصيل من شَرَك [المسميات] المهترئة، كما يقول الأستاذ فهد نويلاتي. وأن “الحاضر لا يوافق المثال”. وهذا ما عناه كارلوس ليسكانو في [الكاتب والآخر] حين قال: “وحدها السخرية تنقذ من الجنون، والغرور الفاحش !”.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s