مجتزأ من: رسالة إلى صديقي العجول

  

إنْ تريّثت قليلاً وتأملْتَ في الأمر، لوجدتَ أنك قد مررت كثيراً بتلك الحالة، فهي أمر غير مستغرب ولا مستبعد .. ولست أنا من جزم بأن العجلة مركب إنساني بامتياز !

صدقني يا صديقي إن عجلتك هذه نادراً ما تأتيك بخير .. فانظر إلى حالك في استصغارك للفرحة، وفي تعميمك للتعاسة. حتى وإنْ كنت محاطاً ببستان ممتلئ بالنعم والخيرات، فبمساعدة من جزعك، وبأقل مجهود منه، يستطيع أن يحرق ذلك البستان، لتستحيل خضرته رماداً. ويكأن جزع الإنسان إعصار جبّار جارف، قادر على اقتلاع أعمق جذور الأمل !!


مهموم أنت يا صديقي بحال الناس، تنكسر لكسرهم، وتُجرح لجرحهم، ، ولكن جرحك يعود ليُزهر ويزهو لفرحهم وسلواهم .. هذا أعذب وأعجبُ ما فيك !


ولكنك تستعجل كل شيء، حتى أنك تستعجل مستقبلك. يوماً قلت لي أنك ترى في نفسك أنك ستدرس في تلك الجامعة المخملية بأمريكا، وستتزوج من امرأة هي أجمل من جميع عارضات دور الأزياء، وستنتقم من زملائك الذين جعلوا منك أضحوكة في مقاعد الدراسة، وستثبت لوالديك وللناس أجمعين أنك فوق ظنونهم، بل فوق طموحاتهم الذاتية .. تخدّدت راحة يدي وقلت لك أنني أتخيّل نفسي أغنيةً … نصمت لدقيقة .. وأعود فأقول: ولكنني تراجعت بعدما قرأت فرناندو بيسوا يقول: “روحي أوركسترا سريّة، أجهل أي آلات سأنقر وأي منها ستصرّ داخلي. لا أعرف نفسي إلا بصفتي سمفونية” … وضحكتَ ليلتها مما قلتُه حتى بكيتَ. 


يا صديقي العجول، إنما الأمر كما قال الحكماء: إنما الحِلم بالتحلّم، والعلم بالتعلّم، والصبر بالتصبّر .. فروّض عجلتك حتى لا تغدو مركبة لها !


سأتلو عليك قصة تركتها في يومياتي، وزيّنت تلك الصفحة بألوان الصبر والشجاعة.

في إحدى ليالي المناوبات في المشفى، قابلت الممرضة “شيجي” من الهند، تبدو وكأنها في أواخر الأربعينات من عمرها، كنا نعمل معا من أجل إصلاح عطل في جهاز يمرر مسكّن الألم “مورفين” إلى السيدة تهاني، بعد عملية مرعبة دامت ست ساعات. 

 “سأصبر ولن أجزع، سأظلّ أعمل هنا في هذا المشفى تحديداً، حتى أتمكن فقط من تغيير ما يحدث من ظلم وتشوّيه” هكذا قالت لي الممرضة “شيجي”، وأخبرتني بأنها لا تريد لأجيال التمريض القادمة أن تُعامل بهذا الأسلوب المهين اللاإنساني الذي نعاني بسببه. إنهم يُقايضون كرامتنا بمرتبنا الشهري المتدنّي، الذي بالكاد يصل إلى نصف ما تتقاضاه، وأنت ما زلت في أول سنة لك كطبيب مقيم.

أنا أعرف حق المعرفة، بأن صديقاتي في أماكن أخرى يعيشون حياة سعيدة ورغدة. وأنا هنا أشبه بِعَبْدةٍ أحياناً، أو شاة في أحيان أخرى، يُسيّرونها كيفما شاؤوا .. ولكنني لست من النساء الضعيفات، اللواتي يهزمْنَ بكلمة، فلن أنسحب ولن أجْبُن أمام بؤرة الفساد الواهنة هذه. سأفعل ما بوسعي، من عمل، وقول، ودعاء ..

لنا رب واحدٌ، جميعنا يؤمن بوجوده، وليس لأني لست مسلمة مثلكم لن يسمعني، هو يسمع دعائنا كلنا، فكيف بدعاء مكروب يكدح ليفرّج عن مرضى أبرياء لا يعرفون مصيرهم. أنا حقا مشوشة، ولا أدري كيف يذهب هؤلاء الخونة إلى مرقدهم مرتاحين البال، وقريري الأعين!؟ أي صلاة تلك، وأي إيمان يتحدثون عنه، وأي دين يعتنقون !! .. ولكنني متيقّنة بأن ثمة شيء يمكنني تغييره. ربما تسرّعت في اتخاذ قرار المجيء إلى هذه البلدة، ولكنني لن أغادر سريعا ..

أذكر أني لم أتفوه بكلمة إلى طلوع شمس اليوم التالي. ما فعلته الممرضة ليلتها ذكّرني بتقاليد الهنود الحمر قديما. كانوا بعد أي هزيمة أمام معتد، يلقي زعيم الهنود الحمر خطاباً أبيّاً أمام شعبه والأغراب المعتدين. لا أظنني سأنسى خطاب “شيجي” ذاك، لقد كان خطابا انتصاريا عقب هزيمة نكراء … 

وقبل أن أغادر الجناح الجراحي، ملأت عيني بهذه المرأة الحكيمة .. وقلت لنفسي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن التضحية والحكمة والجلْد !

وها أنا الآن أقول لك يا صديقي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن الصبر، وما زلت ليّنا أمام العجلة !

قد تتساءل الآن: ما علاقة هذه القصة بك؟ لا توجد علاقة مباشرة، ولكنني أعاقبك على عجلتك التي جعلتك لا تستمع لشيء مما أقول أو أشعر .. نعم إنّ هذا تصرفٌ أنانيّ مني.


كي تعيش ..

يتوجّب عليك فعل أشياء عادية، تماما كالأشياء التي يفعلها معظم الناس، يستطيع أي أحد أن يسديك إياها كخدمة ..

ولكن .. ليَثْبُتَ لك أنك قد عشت حقاً !! فينبغي عليك ألا تحس اليوم مثلما أحسست بالأمس.

عجلتك هذه ستسرقك إحساسك باللحظة التي انشغلت فيها بطلب أخرى .. ويا حسرتك إن لم تجدها، فتكون قد سلبت عمرك لحظتين !


لاحظتُ عليك، في أيامك الأخيرة، أنك بدأت تفقد لياقة العيش في هذا العالم .. فانسحابك قد كثُر، وعبوسك فاض وانتشر، وألوانك تكدّرَت بالشؤم. وبهذه المناسبة، كتبتُ لك هذه الترنيمة، فخذها، وانطلق بها صوب البحر، واهمس: يا روح أيوب .. خذي بيديّ إلى آخر شوكة في هذا المنعطف، والقِ بي عند التقاء الطريقين .. فإني ضقت بي منذ أن اتسعت العجلة !

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s