مجتزأ من: رسالة إلى مسخ، كنت أحسبه صديقاً 

 



من على أبعد نقطة يابس في لوس أنجيلوس، على شاطئ مدينة سانتا مونيكا الساحر ..

لأول مرة نتواجه أنا والمحيط الهادي وجها لوجه. يطلبني سراً ليدفنه تحت عمق الأعماق. فأنظر إليه نظرة باردة، وأقول: كان لدي سر أريد محوه من شريط حياتي، وقد فعلت. ولكنني جئتك هذه الليلة متجرّداً من كل خطيئة وندم، جئتك نقيّاً، أبيض الصحائف. جئت الليلة كي نتبادل حديث العيون. فإننا، منذ هذه اللحظة، نِدَّين!

يا بحر، إني درّبت نفسي، لفترة طويلة، على الاستماع أكثر من الحديث. وقد خُيّل إلي أن المكوث في محرابك عبادة واستمتاع .. والآن أُقسم بأن جمالك فاق جمال كل الشواطئ التي رأيتها في حياتي. يا بحر، قل لي، كيف أمسينا أحبة، وقد كنا قبل سويعات أغرابا؟! يا بحر، قل لي، من أين لك هذه الجاذبية والحنان؟ يا بحر، قل لي، إنْ لم نكتفِ بجلستنا الليلة .. فهل نلتقي غداً؟!

فجأة سخرت من نفسي، وقلت: يا تُرى ما الحد الفاصل بين التغزّل والدراما؟

إن الدراما في حياة الإنسان ضرورية كالهواء الذي يتنفسه. أعني أننا بالدراما نتوسل الناس تعاطفهم معنا. قد يكون ذلك بسبب جفاء نحسّه، أو بسبب مزاج سيء في يوم رتيب ..

وأنا أدرك جيداً أنه ليس هنالك ما هو أحقر من أن نتعجرف على من يحبنا .. أتحدث عن تلك اللحظة التي نحس بها أننا غريبون عن العالم، غريبون عن أنفسنا. إن هذا الشعور يمثّل الغربة في غير غربة، وإن الغربة تُشعرك بأنك تسلك طريقك شمالا .. وجميع الناس يقصدون الجنوب …

آه .. كم هو مستحيل أن تُحبَّ يا قلب بكل ما أوتيت من حب!

كم يصعب أن نحب بكل ما أوتينا من قلب!!

هكذا هو الأمر إذاً، أقول في نفسي ..

إن البشر هم غالبا سبب معاناة البشر!

يا صديقي، إن تعلّقك بفكرة الغربة، مؤخراً، دفع بك إلى عدم الاكتراث لمشاعر الآخرين. لقد قلّ اهتمامك بما يحسونه تجاه كلماتك وتصرفاتك. وأصبحت تختار أفعالك بحسب هواك، وما تشتهي نفسك، ويعلل عنك .. فوق كل شيء وقبل كل شيء.

حريّ بك أن تَعِي جيداً أن هذا الأمر غير أخلاقي البتة، وحتى في منتصف دوامة الجدل أو الخلاف، ترى الخيارات تُعرض أمامك، وتعلم أيها يناسب الحال الآني، وأيها أقل ضرراً .. ولكنك تُبدّي نفسك .. لا تصالح ولا تنحني.

يؤسفني أن دافع الإحجام عندك أخذ بالتلاشي، والآن أظنه قد اختفى تماماً.

كل هذا خلّف وراءه شخصية أنانية مهيمنة. إن هذه الأنانية التي تجتاحك في هذه الفترة مقرفة للغاية. خاصة وأنك لم تعتد على تبدية نفسك على الآخرين قط.

كل ما يجعلك تضحك أو تتبسم ويريحك، تفعله دون تفكير أو تردد. حتى وإن كان ذلك ضد مصلحة أقرب قريب وأصدق صديق. إن الأنانية تشبه أن ترمي كل من كان على متن السفينة في منتصف المحيط، فقط لأنك شعرت بقليل من الصداع. إن الأنانية جعلت منك شخصاً أعمى!

لا تغترّ بمراقبتك وفهمك لكل ما يجري حولك، فما هذا سوى ادعاء ووهم. أنت لا زلت تنظر، ولكنك لا ترى!

يا صديقي، خذ بما تعهّده كونفوشيوس على نفسه، وراجع كتيّبك في كل مساء. ولا تذر الزلات وراءك، فتكثر وتتعاظم حتى تصبح حجاباً عنك، فتقعد ملوماً محسوراً. يقول كونفوشيوس الحكيم: “لا يقلقني في حياتي إلا الأمور الآتية: أن أنسى تقويم سلوكي وأخلاقي، وأن أهمل دراستي، وأن أخفق في اتباع الطريق السليم الذي عرفته ورأيته، وأن أعجز عن تصويب أخطائي. إن الذي لا يصلح خطأه وقد عرفه، إنما يرتكب خطأ جديداً”.

بالله عليك قل لي، ما حاجتك لغيرك، طالما أنك لا تشعر سوى بنفسك!؟

يا صديقي المسخ، هوّن عليك .. وأبطئ الخُطى .. فإني ما عُدْتُ أعرفك! وحذاري من أن تقع في الفخ الذي حذّر منه فرناندو بيسوا: “لن يفتقدني أحد إن مت، لن يُقال: منذ الأمس تغيّرت المدينة”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s