مجتزأ من: رسالة إلى صديقي القلوق

  


عندما يعتاد المرء الحديث عن النواقص والعيوب، مرة وثانية وثالثة، سيكون محالاً إلا أن تتجذّر فيه هذه الخصلة المنفّرة والسوداء. سيبحث عن كل قبح موجود، وقبح محتمل الحدوث، وإنْ استعصى عليه الأمر، فلن يُجهده تخيّل وجه فانتين -بنت ڤيكتور هيوجو في البؤساء- قبيحاً. عبق الياسمين، تمايل عازف الناي، تجاعيد يد متسولة، رضيعٌ يتبسّم وهو ينظر إلى السماء .. كل هذه الأمور تبقى لغزاً لا يحيّره ولا يجذبه. لقد خلق من نفسه نسخة محدّثة عن [سوبرمان] نيتشه الأجوف.


ومما يوسّع الفجوة بين هذا النوع من الناس وبينك، هو قدرتك الفائقة على بقائك متصلاً بذاتك. وكأن ملاحظتك لنفسك هي ما تُبقيك على قيد الحياة. لقد أفهمتني ما عناه الشاعر رينيه رلكه حين قال: “إنه لا بد من قدرة كبيرة، وقوة عظمى، لكي يستطيع المرء أن يقبع في ذاته، ولا يلتقي بأي مخلوق آخر ما عدا نفسه ساعات طوال”. 

وهناك في محرابك الذي تعيش فيه، أو سأسمّيه كما أحببتَ دوماً تسميته “كهفك”، تقوم بِنَحت وتَبْرِيَة ذاتك، كما قيل في نظرية البيلدونغ، بكل ما تعنيه من معنى. فأنت تصقل وتُشكّل ذاتك فتزيدها بهاءً وجمالاً، كما فعل مايكيل أنجلو حين نحت “بيتتا”. وتبري ذاتك كلما عرضتها أمام موضوع يقابلها، فتغذّيها وترويها من طهور الأخلاق والروح.

وتعود من بعد كل هذا الانهمام بذاتك، لتنسلخ عنها، دون أدنى جهد، ساخراً بوجه الحياة، ومنتصراً لحق ذاتك، لتولد إنساناً جديداً. أليس هذا فعلاً جنونياً؟ أن تميت نفسك بنفسك، وتبتسم لجثمانك القديم! .. أفهم جيداً “أننا نريد أن نحيا، ولكننا ننسى أنه لا بد لنا أيضاً من أن نموت لكي نحيا! وليس الموت هنا سوى ذلك الحد الذي يضع للحياة خاتمة حتى تكتمل. إنه اللمسة الأخيرة التي يصبح بعدها العمل الفني موضوعاً جمالياً متحقّقاً! ولو كانت حياتنا مستمرة لا تُعرف لها نهاية، لكانت جهداً عابثاً لا معنى له ولا غاية! فنحن نموت لأنه لا بد لنا من أن نحيا. والحياة نفسها هي هذا السير الوئيد نحو التحقق والاكتمال!”.


لن أراوغ في وصف مشاعري تجاهك، فأنت حقاً تذهلني في كل مرة تنسلخ فيها عن ذاتك، لتولد مرة أخرى إنساناً نشيطاً ناضجاً مليئاً بالحياة .. وكثيف المعنى. وأقول فيك ما قاله هرمان هسه في نفسه “أنت رجل يبحث لا رجل يدّخر”. 

  

يا صديقي القلوق .. كتبت لك هذه الرسالة لكي أشكرك، وأذكرك بأنك حياة تسير على ظهر هذه الأرض. فحافظ على قلقك النبيل هذا، فهو زادك الذي لا ينتهي، ومعينك الذي لن ينضب، وطريقك إلى نفسك. ولا يطلب منك سوى أن تُنْصِت ..

أنت جميل بهذا القلق الذي يسبح في صدرك وحول فؤادك ..

القلق الذي يغمسك في بحيرة الطهارة ..


هو القلق .. الشعور الصديق الخائن .. يأتينا من باب الكَرْه، وهو خير لنا!

ولكن من الذي يعي هذا ويؤمن به منذ لحظة الصدمة الأولى ..

كلنا نجيد البكاء والعويل بسببه .. ولكنه يغنم من أجاد الإصغاء لحكمة القلق .. وهو يهمس في وسط الزحام!

القلق .. بصيص النور في زنزانة العذاب ..

وديدن الناسك في محراب الغفران ..

ليس ثمة شعور يجاريه في دهائه والكرم …

هو ذلك الشعور .. المختلط الملتبس.


وصدق من قال بأن “الإنسان صاحب قرار ومسؤولية، يشكّلان جوهر وجوده الفاعل ذي المعنى والفرادة المستقلة. وإحدى الخصائص المميزة له قدرته على [التسامي] فوق الموقف، والظروف، وبنفس المساق يسمو بذاته ويتجاوزها .. هذا التسامي يجعل من الصعب علينا التنبؤ بسلوك الإنسان المستقبلي”. هذا يجعلني أشعر وكأنك يا صديقي مجموعة أصدقاء كثر في جسد واحد .. 


هكذا أنت يا صديقي، في كل مرة أراك فيها، تغمرني في دهشة لا أول لها ولا آخر، ولا يسعني إلا أن أقول: أيُّ عبقرية تلك التي نُفخت فيك!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s