مجتزأ من: رسالة إلى صديقي البعيد الوحيد

 

لكل صديقين مقربين طقسٌ خاص يجمعهما، يختلف تماماً عن الطقوس والعادات التي تجمع الواحد منهما مع صديق آخر. وعندما أتحدث عن طقسي أنا وصديقي البعيد الوحيد هذا، فأنا أقصد مراسلات الصباح. وقد مضى وقت طويل على آخر مرة اجتمعنا فيها، ولا أبالغ إن قلتُ أنني لا أتذكر آخر مرة تلك !

استيقظت ذات صباح وتناولت هاتفي وأرسلت له: 

عندما يصبح كل شيء مألوفاً ..

عندما تتساوى أخبار الفرح والترح ..

أعلم أني قد غرقت في بحر الوحدة !

كل شيء يغدو فاقداً معناه حين تغيب ..

كل مشهد حياة يستحيل عدماً حين تغيب .. 

لا شيء هنا سوى شوق مؤلم …

نعم، إن البعد شتاؤه قارس !

نعم، إن شتاء البعد قارس !


عند الحديث عن المراسلات، هنالك أمر واحد يزعجني، وهي لحظات الترقُّب والانتظار، فأصبح مثل محمود درويش حينما قال: “في الانتظار، يصيبني هَوَسٌ برصد الاحتمالات”. كلنا يجيدُ السباحة في الخيال أثناء الانتظار …


فأرسل لي صباح اليوم التالي، يقول:

منذ صبيحة يوم العيد يا صديقي، وأنا لم أبرح مكاني إلا قليلاً، بسبب المرض. مضى يومان دون أن أحتفل بالعيد، أو أبارك لأحد. لم أهنأ بوجبة فارهة تليق بهذه الأوقات من السنة، كل ما أستطيع تناوله هو نصف رغيف مع كوب دافئ من الشاي.

يمضي اليوم بتثاقل شديد، تمر الساعات ببطئ ممل. أتذكّر أنني لم أتحدث إلى أحد خلال يومين! فأتساءل: هل جُننت أم ليس بعد!؟ ثم أضحك من جرأتي على سؤال كهذا!! … عندما تكون وحيداً، لا سبيل سوى أن تكون حنوناً مع نفسك ..

وتراودني فكرة، تُرى هل هذه بوادر الإقبال على عامٍ جديد!؟


فبعثت له برسالة قلت فيها:

لقد مضى وقت طويل يا صديقي على عزلتك. وقد يكون سبب حالك هو إصرارك على أن تبقى بعيداً وحيداً ..

جرّبت الوحدة لأسبوع ثم كفرت بها، ففي الوحدة كل شيء يصبح بارداً. مشاعري باردة. نبرة صوتي، نظراتي، ردود أفعالي. الأمر لا يشبه سكون العزلة في شيء. ففي حضرة السكون تصبح الأفكار متّسقة وأكثر انتظاماً، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر. إن تردّد إحساسي بهذا البرود، صقل فيّ براعة التنبؤ بقدومه. أشعر بنبضات قلبي وهي تصارعه، ألم أقلّ لك سابقاً إن النّبض أُمِّيٌّ في تزوير المشاعر!؟ .. إن جمود المشاعر حربٌ يقيمها القلب علينا لكي نستيقظ، لكي نتحرّر من حالة الموات التي أحقمنا أنفسنا فيها.

أنا الآن في المقهى، للتو فرغت من كتابة مقالتي الأسبوعية. أنظر من حولي، فأرى مجموعات عديدة. هنالك ستة شبان يتحدثون عن مشروع يدرّ المال عليهم. وعن يميني، ثلاثة كهول، عبثت الحياة بملامحهم أيما عبث، فقرّروا عقد هدنة مع مسؤولياتهم، ويمضون وقتهم بلعب الورق … ما زال شعور البرد يحاصرني. صوت عن شمالي يوسوس لي: ذلك هو برود الوحدة يا عبدالرحمن! .. فأضحك هازئا منه، وأقول: أظن أنه كلما غرقت في الوحدة أصبحت أقل عنفا .. وأكثر صبراً.

ولكن يا صديقي، متعةٌ هُمُ الناس .. يعرف هذا جيداً من سُلبت منه الفرصة، رغماً عنه، لا باختياره. وأذكر الكاتب المصري مصطفى أمين أنه قد صدّر كتابه [مسائل شخصية] بمقدمة رائعة تناول فيها مختلف المعاني التي وجدها من الناس الذين خالطهم طيل حياته، فهنالك من هم كقطع الشطرنج يُحرّكون ولا يتحرّكون، وهنالك من تمر الرياح وألوان قوس قزح من خلالهم من شدة شفافيتهم .. أقتبس منه: “أجمل ما في الدنيا هم الناس، متعتي الكبرى في هذه الحياة أن أعرف الناس، أن أعرفهم من الخارج والداخل، أن أدرسهم وأحبهم، أحببت الكثيرين ولم أكره أحداً، كنت أعامل الذين يكرهونني كأنهم مرضى، وأدعو لهم بالشفاء، وكنت أعطي عذراً للطبيعة البشرية، وأعذر الفاشل الذي يحقد على الناجح، وأعذر الضعيف الذي يكره القوي، وأجد مبرراً للفئران عندما تمقت السباع! 

عرفت أقزاماً كالعمالقة، وعمالقة كالأقزام. عرفت أقواماً طوالاً عراضا من خارجهم، وصغاراً متضائلين من داخلهم، عاشرت الملوك والصعاليك، وعرفت صعاليك لهم طباع الملوك، وملوكاً لهم أخلاق الصعاليك، عشت مع النجوم في سمائها، ورأيت حولها الشياطين أكثر من الملائكة، وعاشرت الفاشلين… ورأيت مواكب النصر تحف بها الطبول والزمور والهتافات والزغاريد، وشهدت مآثم الهزيمة تنهمر منها الدموع وأصوات البكاء والعويل”.


فتركني صديقي قرابة أسبوع دون أن ينطق بحرف واحد. ثم عاد وبعث لي برسالة في آخر الليل، على غير عادتنا، قال فيها: 


أبحث عن حروف .. أبحث عن كلمات أنثرها على صفحة رسالتي البيضاء، ولكن الفوضى تعبث برأسي. لا شيء سوى الفراغ. الأمر يكاد يزج بي في سجن الجنون.

قلبي يرفرف لا أعلم ما شأنه. عقلي فارغ يلهث من شدة الجوع. يداي الهزيلتان تحاول التقاط الأفكار من الهواء بلا فائدة.

في الليل لا أجيد سوى النواح، وأحاديث النفس. أفكر فيما سأفعله في الغد؛ لا شيء جادّ بانتظاري. أنظر مليّا داخلي .. فأتيقّن مجدداً أن انشغالي قد استنزف مني الكثير. كنتَ محقا يا صديقي، لقد أتلفتُ عديداً من اللحظات الفاخرة بسبب إفراطي في التفكير والوحدة.


ولكن حقٌّ هو ما أنشده محمود درويش حين قال: “يكفي أن تكون وحدك لتصبح قبيلة”، فالجنة حينما تكون بقربك وبصحبتك فرحا، لا شيء يعكر صفو مزاجك، على الرغم من كل ما يحدث في محيطك وفي أرجاء البسيطة.

يا صديقي .. “في داخلي شُرْفَةٌ لا يَمُرُّ بها أَحَدٌ للتَّحيَّة” ..

وقد قررت أن أحيا في تلك الشُّرفة، دون أن أتزحزح عنها شبرا ..

فالوحدة دواء المكتظ بالعبث .. ونداؤها؛ إذعان لترتيب داخلي !

وفي الوحدة كل شيء يبدو جميلا .. عدا الوحدة ذاتها ..

لقد حملتُ نفسي على الوحدة بعدما أيقنت بأن لدي لسان لاذع! .. لقد غرسَت الحياة في لساني الشوك.


ولا تثقل عليّ يا صديقي بالمواعظ، فأنا أوبّخ قلبي كل ليلة على هذه القسوة التي حملني عليها. وسألت نفسي: ما أعظم ما أخشاه!؟ فأجبت دونما أي تردد: الوحدة .. أقصد بها؛ أن يأتي يوم أحتاج فيه إلى صديق أصيل، يحتاج فيه قلبي إلى جاره القديم. تلك لحظة الوحدة الحقيقة!


من اكتفى برفقة الوحدة .. لن يجد مستقبلا سوى الشيطان !

Advertisements

مجتزأ من: رسالة إلى صديقي العجول

  

إنْ تريّثت قليلاً وتأملْتَ في الأمر، لوجدتَ أنك قد مررت كثيراً بتلك الحالة، فهي أمر غير مستغرب ولا مستبعد .. ولست أنا من جزم بأن العجلة مركب إنساني بامتياز !

صدقني يا صديقي إن عجلتك هذه نادراً ما تأتيك بخير .. فانظر إلى حالك في استصغارك للفرحة، وفي تعميمك للتعاسة. حتى وإنْ كنت محاطاً ببستان ممتلئ بالنعم والخيرات، فبمساعدة من جزعك، وبأقل مجهود منه، يستطيع أن يحرق ذلك البستان، لتستحيل خضرته رماداً. ويكأن جزع الإنسان إعصار جبّار جارف، قادر على اقتلاع أعمق جذور الأمل !!


مهموم أنت يا صديقي بحال الناس، تنكسر لكسرهم، وتُجرح لجرحهم، ، ولكن جرحك يعود ليُزهر ويزهو لفرحهم وسلواهم .. هذا أعذب وأعجبُ ما فيك !


ولكنك تستعجل كل شيء، حتى أنك تستعجل مستقبلك. يوماً قلت لي أنك ترى في نفسك أنك ستدرس في تلك الجامعة المخملية بأمريكا، وستتزوج من امرأة هي أجمل من جميع عارضات دور الأزياء، وستنتقم من زملائك الذين جعلوا منك أضحوكة في مقاعد الدراسة، وستثبت لوالديك وللناس أجمعين أنك فوق ظنونهم، بل فوق طموحاتهم الذاتية .. تخدّدت راحة يدي وقلت لك أنني أتخيّل نفسي أغنيةً … نصمت لدقيقة .. وأعود فأقول: ولكنني تراجعت بعدما قرأت فرناندو بيسوا يقول: “روحي أوركسترا سريّة، أجهل أي آلات سأنقر وأي منها ستصرّ داخلي. لا أعرف نفسي إلا بصفتي سمفونية” … وضحكتَ ليلتها مما قلتُه حتى بكيتَ. 


يا صديقي العجول، إنما الأمر كما قال الحكماء: إنما الحِلم بالتحلّم، والعلم بالتعلّم، والصبر بالتصبّر .. فروّض عجلتك حتى لا تغدو مركبة لها !


سأتلو عليك قصة تركتها في يومياتي، وزيّنت تلك الصفحة بألوان الصبر والشجاعة.

في إحدى ليالي المناوبات في المشفى، قابلت الممرضة “شيجي” من الهند، تبدو وكأنها في أواخر الأربعينات من عمرها، كنا نعمل معا من أجل إصلاح عطل في جهاز يمرر مسكّن الألم “مورفين” إلى السيدة تهاني، بعد عملية مرعبة دامت ست ساعات. 

 “سأصبر ولن أجزع، سأظلّ أعمل هنا في هذا المشفى تحديداً، حتى أتمكن فقط من تغيير ما يحدث من ظلم وتشوّيه” هكذا قالت لي الممرضة “شيجي”، وأخبرتني بأنها لا تريد لأجيال التمريض القادمة أن تُعامل بهذا الأسلوب المهين اللاإنساني الذي نعاني بسببه. إنهم يُقايضون كرامتنا بمرتبنا الشهري المتدنّي، الذي بالكاد يصل إلى نصف ما تتقاضاه، وأنت ما زلت في أول سنة لك كطبيب مقيم.

أنا أعرف حق المعرفة، بأن صديقاتي في أماكن أخرى يعيشون حياة سعيدة ورغدة. وأنا هنا أشبه بِعَبْدةٍ أحياناً، أو شاة في أحيان أخرى، يُسيّرونها كيفما شاؤوا .. ولكنني لست من النساء الضعيفات، اللواتي يهزمْنَ بكلمة، فلن أنسحب ولن أجْبُن أمام بؤرة الفساد الواهنة هذه. سأفعل ما بوسعي، من عمل، وقول، ودعاء ..

لنا رب واحدٌ، جميعنا يؤمن بوجوده، وليس لأني لست مسلمة مثلكم لن يسمعني، هو يسمع دعائنا كلنا، فكيف بدعاء مكروب يكدح ليفرّج عن مرضى أبرياء لا يعرفون مصيرهم. أنا حقا مشوشة، ولا أدري كيف يذهب هؤلاء الخونة إلى مرقدهم مرتاحين البال، وقريري الأعين!؟ أي صلاة تلك، وأي إيمان يتحدثون عنه، وأي دين يعتنقون !! .. ولكنني متيقّنة بأن ثمة شيء يمكنني تغييره. ربما تسرّعت في اتخاذ قرار المجيء إلى هذه البلدة، ولكنني لن أغادر سريعا ..

أذكر أني لم أتفوه بكلمة إلى طلوع شمس اليوم التالي. ما فعلته الممرضة ليلتها ذكّرني بتقاليد الهنود الحمر قديما. كانوا بعد أي هزيمة أمام معتد، يلقي زعيم الهنود الحمر خطاباً أبيّاً أمام شعبه والأغراب المعتدين. لا أظنني سأنسى خطاب “شيجي” ذاك، لقد كان خطابا انتصاريا عقب هزيمة نكراء … 

وقبل أن أغادر الجناح الجراحي، ملأت عيني بهذه المرأة الحكيمة .. وقلت لنفسي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن التضحية والحكمة والجلْد !

وها أنا الآن أقول لك يا صديقي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن الصبر، وما زلت ليّنا أمام العجلة !

قد تتساءل الآن: ما علاقة هذه القصة بك؟ لا توجد علاقة مباشرة، ولكنني أعاقبك على عجلتك التي جعلتك لا تستمع لشيء مما أقول أو أشعر .. نعم إنّ هذا تصرفٌ أنانيّ مني.


كي تعيش ..

يتوجّب عليك فعل أشياء عادية، تماما كالأشياء التي يفعلها معظم الناس، يستطيع أي أحد أن يسديك إياها كخدمة ..

ولكن .. ليَثْبُتَ لك أنك قد عشت حقاً !! فينبغي عليك ألا تحس اليوم مثلما أحسست بالأمس.

عجلتك هذه ستسرقك إحساسك باللحظة التي انشغلت فيها بطلب أخرى .. ويا حسرتك إن لم تجدها، فتكون قد سلبت عمرك لحظتين !


لاحظتُ عليك، في أيامك الأخيرة، أنك بدأت تفقد لياقة العيش في هذا العالم .. فانسحابك قد كثُر، وعبوسك فاض وانتشر، وألوانك تكدّرَت بالشؤم. وبهذه المناسبة، كتبتُ لك هذه الترنيمة، فخذها، وانطلق بها صوب البحر، واهمس: يا روح أيوب .. خذي بيديّ إلى آخر شوكة في هذا المنعطف، والقِ بي عند التقاء الطريقين .. فإني ضقت بي منذ أن اتسعت العجلة !

نشيد الكُتّاب اليومي

 


– ما من شيء جديدٍ في المكان الذي أعيش فيه، كل شيء كما هو، لم يتغيّر منذ أن خُلقت. ولكن الغياب، هو ما يضع نظارات أمام عينيّ. فأرى بها الواقع بشكل مختلف، أرى صورة أكثر وضوحاً .. كذلك الأمر مع الكتابة، فهي تُعلّمك مشاهدة الأشياء بطريقة أخرى، طريقة جديدة .. الكتابة تُعلّمك التجريد.


– لقد فقدتُ السيطرة على ما أكتب، وأعني بذلك تحديداً، هذه السلسلة من المقالات، ما أسميتها [مقالات الامتياز]. وأنا لا أُزكِّيها على غيرها، ولا أزعم بأنها تمثّلٌ للحقيقة .. فالحقيقة، شئنا أم أبينا، خارج نطاق قدرتنا أو إمكانياتنا. سأكون كاذباً من العيار الرخيص، إنْ قلتُ يوماً أنني -بهذه المقالات- أحلّ مشاكل العالم. وسأكون أكذب إنْ زعمْتُ أنها موجّهة لأحدٍ سواي. إن الكاتب الأصيل لا يبحث عن المشاكل ليحلّها، بل يبتكرُ سبلاً جديدة للعيش، ويخلق حيوات أخرى يحيا فيها وبها، وله -دون غيره- رئة ثالثة ورابعة ومائة … وبعد كل ذلك يتساءل “إنْ كان ما يفعله يستحق العناء”!


– أكتب كلاما كثيرا، ولا أعبأُ بالتفكير إنْ كان ذاك الكلام لم يعثُر على الكلمة، “تلك الكلمة التي تقول كل شيء، وتبرّر كلّ شيء”، كما قال الأديب كارلوس ليسكانو. 


– هامش: إنني أتضايق كثيراً في كل مرة تقترف يداي ذنْب كلمة [كُل]. إنّ قداسة هذه الكلمة أكبر مما ظننت أبداً. إنّ [كُل] لا تليق بالبشر، فهم هزيلون ونسبيون أمامها!


– عندما تصبح طموحاتي ككاتب أكثر تواضعا، تتحول المهمة إلى موضوع يسير. فالكتابة بشكل أو بآخر، تعرف على الذات. والتعرف على الذات لا يحتاج إلى احتفالات ومهرجانات …


– إن من يدعو نفسه كاتباً، من خلال إثارة الأخبار، وزفّ الجعجعة إلى أسماع الناس، قد ابتعد عن السبب الذي بدأت من أجله الكتابة .. إنه بفعلته تلك قد صنع من نفسه رمزاً ليّناً، يتلقفه فم عابر طريق، فيلوكه حتى يكلّ أو يملّ، ثم يبصقه علناً دون أدنى اكتراث. كم أنت تستحق الشفقة أيها الكاتب المأجور بهتاف الجمهور، فقد أهنت نفسك. أما الكتابة، فلا خوفٌ عليها، فهي تَمْكر وتَكِيد لنفسها.


– يحتاج المرء لأن يتجرّأ ويتفوّه بحماقات قد تؤخذ عليه مستقبلا! ولكن ما يتبقّى له من عزاء، أن يقول لنفسه: ما زلتُ أشقُّ طريقي نحو النضج ..


– لطالما كنت أمقُت الكتاب الذين يستخدمون أسماء مستعارة ليكتبوا من خلالها. ألست تملك شجاعة كافية لتظهر باسمك الحقيقي؟ هل تخشى أن يرى الناس تاريخ كتاباتك المهترئة؟ ألستَ تراهن على النهاية؟ … ولكنني مؤخراً اكتشفت أن الأمر يتجاوز ذلك. أن تكون قادرا على خلق آخركَ الكاتب، هو أعظم تحدٍّ قد يواجهه أيّ كاتب !! وكما قال كارلوس ليسكانو في [الكاتب والآخر]: “الكاتب هو العمل الأعظم للكاتب. الكاتب هو اختلاق. لأنه يبني صورته، ويعيد بناءها بلا توقف. لأنه هو ذاته عمله الأساسي”، فكيف بمن يقوم بخلق أكثر من شخصية كاتب داخله!؟


– لقد فقدت توازني عندما قرأت هذا النص لليسكانو وهو يصف الكاتب وعلاقته بآخره: “أن تكون كاتبا يعني أن تتوقف عن أن تكون ذلك الذي كنته دوما من أجل أن تصبح شخصيّة. أما الآخر، الغريب عن ذاته إلى الأبد، فسيمضي فاقداً ملامحه، وحضوره، وصوته. لن يتكلّم بعد الآن أبداً باسمه إلا أحيانا، حين تكون الشخصية ضعيفة، حين تسهو. وعندها، للحظة، يُحدِّث الآخر نفسه، وحيداً، ينظر إلى نفسه، يرى ذاته كما هي، لأنه يعرف في أعناق روحه أنه كائن. يشعر الآخر أن أحداً احتل حياته، لكنه لا يملك أن يُغرق الشخصية في الصمت، إلا إذا غير حياته، واسمه، ومكانه. وحتى هذا قد لا يجدي نفعاً. ففي كل لحظة تعود الشخصية لتمسك مرة أخرى بزمام الأمور. لأن الآخر يحتاج له. لأنه يحتاج إلى طريقته في رؤية الأشياء، وفي الوجود في العالم. لأن الخادم (=الكاتب) لا يعيش لابتكاره فقط بل بفضله أيضاً. لأن المُبْتَكَر هو الذي يمنح الأشياء معناها”. 


– يمكن تعريف أي كاتب بريبورتاج قصير من جزئين. فأما الأول، فمشهد الكاتب وهو يتحدث عن رغبته في “ترك شهادة على الحياة، من أجل الإمساك باللحظة، من أجل الصراع ضد انسياب الزمن، كي لا يشعر بأن لا شكل له”. وأما الثاني، فمشهد يصوّر امتنان الكاتب للمعاناة التي يمرّ بها.


– كارلوس ليسكانو: “الكاتب محكوم بالتأرجح بين الاندفاع الطفولي والإحباط المدمّر”.


– إذا أردْت أن تكسب قلب كاتب بجملة واحدة، فكل ما عليك فعله الآتي: “إن أعظم مديح يمكن أن يوجّهه كاتب لآخر: كنتُ أودّ أنْ أكتب ذلك”.


– تذكرت الآن، كنت أريد كتابة مقال عن مدى سادية الناس في هذه الأيام، وأنّ العنف بات هو المسيطر على طبيعة العلاقات. ولكن الكتابة، والكتابة عن الكتابة قطعت طريقي. فلتذهب الساديّة إلى جمعة ثانية، أو إلى الجحيم …

مُجتزأ من: رسالة إلى صديقي المَلُول

  


قد يكون كلامي هذا غريباً عليك، إنها المرة الأولى التي أصارحك في أمر يخصك إلى هذا الحد. وينطبق علينا ما ينطبق على سائر البشر، نحن نعرف أشياء كثيرة عن الناس الذين نحبهم، ولكننا لا نؤمن بها ! .. لذلك عادة لا نراها !!


سأخبرك بما تراءى لي وأنا أنظر إليك خلسة، وأنت تتمَلْمَل وسط جُلّاسك، الذين هم عادة ما يؤدّون دور المرآة .. أقصد أنهم يعكسون إحساسك.

فمرَّةً، تحتسي قهوة مُرّة، تماما كتلك التي ينشدها الشعراء، ومرة تختار الشاي. كلاهما منبّه، لكن المنتبه غير مرحّب به هنا! ..

تتجاذب معهم أطراف حديث يُخال لك أنه قد تَكرّر من قبل. كلٌّ يحاول الظهور وإثبات وجوده، وتحقيق ذاته، وإرضاء أناه، عن طريق اختيار الشخصية الأقرب إليه، ثم يبدأ بالدفاع عنها. أنت تعرف مدى ضرورية الحوار، وكنت تؤيد رأي مارتن بوبر؛ في أن الحوار شكل من أشكال الوجود الإنساني. ولكني لا أبالغ إنْ قُلتُ أنك تجهل كلّ ما سوى ذلك …

في وهلة، ينقلب ذلك الحوار إلى مراء، ثم إلى سفسطة، وأخير إلى شجار أبله. هناك جملة عليك أن تتنبّه لها في حال ان قيلت في منتصف أي نقاش جاد، إذا سمعت طرفا وهو ممتعض كلام آخر يقول “حرية رأي/تعبير”. عندها يجب عليك أن تنسحب حالاً من ذلك الحوار، وإنْ كنت تهتم لشأن صحتك، فالأولى أن تترك المكان، وتعيد ترتيب مسائك، بدِّد وقتك كما تشاء، ولكن دون تتحسّر عليه لاحقاً.

يا صديقيَ القريب إلى قلبي .. لقد نبّهتك غير مرّة على سلوكك المُنفّر. ما زال الوقت مبكراً على محاصرة طريقك بالصبار. أنصاف الأصدقاء هم تماماً كذلك، أو ربما دون الصبار، في كثير من الأحيان. ولطالما قلت لك: ما زالت خطواتك خفيفة، رضيعة في المهد، فلا تتعجّل ولا تتجبّر!


فجأة أنتبه لنفسي .. وأصيح ويلك! لقد أصبحتُ فماً لا أكثر، وأطلْت الحديث والوعظ ..

أنا أعلم جيداً بأن هنالك لحظات عسيرة لا يريد الإنسان فيها إلا جزءاً من أُذُنَي بوذا، يريد شخصا يجيد الاستماع له.

فإنْ كان وحصل ما أمِلْتَ، يا صديقي التعِب، فتعلّق به بشدة، كما يتعلّق السجين بلحظةٍ تحت الشمس.


الملل، يا صديقي، شعور صادق لا خيانة فيه ..

لا يعرف الكذب والمراوغة .. ولا التخفّي والمناورة ..

إنه أصيل وصادم ..

ولكنه غثّ!

لن يسمح لك بدقيقة راحة، لن يتلعثم ويغادر إنْ فاضَ بك الأمر، حتى ولو فتحت له الباب وأشرتَ له بالمغادرة ..

لم يكن الملل ضيفاً مرغوباً به قطاً، إنه الشعور اللئيم بامتياز ..

لا يقبل المناصفة ولا يجيد التفاوض ..

هو المتسلّط الفاحش ..

في حضرة الملل، ستؤثر على نفسك كل شيء ..

في حضرة الملل، كأنك درويش بلا حبيب ..

كأنك زاهد بلا نية ..

تعاني في مخاض بلا ولادة ..

وإنْ حاولْتَ أن تسلك مسلكا جديداً، تجده قد أظلَم عليك الطريق وصرفك عنه .. لتعود سيرتك الأولى .. ملولاً ..


حينها يهتف لك: أهلا بك في جحيم الملل !


إنه الطوفان الذي لا يطاوع أحداً ..

إنه الطوفان الذي سيُبقيك في حالة بين البين ..

فلا أنت لاحقٌ بالسفينة .. ولا كنت مع الغارقين ..

لن يعرفك سوى أحفادك، وإنْ حالفك الحظ، فستنتهي سيرتك عند أحفاد أحفادك. وسيولد مِن بعدهم، مَن يكذبُ أسطورتك ..

احذر يا صديقي الملول .. “إن طوفان نوح لم يصبح مأساة إلا لأن نوح قد وُجِد!” ..

أخبرني يا صديقي، ما فائدة المعاناة إنْ ظللتَ حبيسها !؟


وبعد ترانيم النوم، تتعاهد وإياك بالبقاء في المنزل لعدة أيام. بداعي حاجتك للاسترخاء أكثر من أي وقت مضى .. تعود في الليلة التي تليها لِتُنكر العهد الذي بَرمْته في اليوم السابق. تقول: لا فائدة من أن يُهادن الإنسان نفسه .. كم هو سخيّ العقل في التدجيل !!


يا صديقي الملول، سأدلّك على حل بسيط لحالة الملل هذه ..

فليس على وجه البسيطة هذه ناجٍ منه. اذهب لمكتبتك السرابية، وخذ الكتاب القرمزي، عنوانه [وداعا أيها الملل] لأنيس منصور. ستجد فيه طريقة تزيح بها بعض الغيوم من فوقك ..

وخالط الأصدقاء المليئين بالحياة، فثمة الأمل.


الملل، يا صديقي، هو قناع اللامبالاة المفضّل ..

ففتّش عن بوادرها فيك، واحرقها بلا هوادة !

لأنك إن تهاونت في الأمر، سرعان ما سينزع الملل منك كل أسباب الحياة، ويتركك حائراً دون حرقة ..


هنالك أمور، يا صديقي، نعقلها، ولا نتردد في الابتعاد عنها، بل ونحذّر منها من نحب. ولكن وحدها المشاعر، تمدنا بالقوة الكافية لنتخذ قرارات لم نكن نجرؤ على التفكير بها من قبل ! … بالتأكيد ستسألني: ما العمل إذاً!؟ وأجيبك: لا شيء، فالإنسان دون مشاعر، موضوع إنشائي عقيم.


وعلى الرغم من جميع ذلك، تذكر بأني حذّرتك من التساهل في أمرك، واعلم أن “الإنسان منّا يغيّر معنى الكون بمجرّد حضوره في الكون” ..

شيء يسمّونه سعادة

Jean-Francois

 


والسعادة حالة من خَدر الآلام ..

يتحول فيها الوقت إلى زمن .. والدقيقة إلى يوم !

وعادة ما تَصْحبُ طلَّة حبيبٍ بعد عهد طويل ..


السعادة شعورٌ في لُبّه عشق اللحظة ..

وطلبُ مزيداً مِن المَزِيد، بل والطمع فيه !

وللاستغراق في السعادة علامات من بينها: إدمان النظر من عدساتٍ ورديَّة، ودهشة مستمرة، وعودة جلافة الطّبع إلى عمر نُعومة الظّفْر ..


وتأكد من أمر مهم .. أنها حين تَحِلُّ، فهي تَفرِض كُلَّها ولا تَقْبَل بالمناصفة !!

في السعادة يا صديقي .. تفتر الحواس لتَسْكن، فتشعر بنغمات كل ما اقترب من روحك ..

وأوصيك: بُثَّ عبيرها في حديقتك .. ولا تستأثر ..


لا تبخل على نفسك يا صديقي، وردّد حين تحزن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” ..

وتذكر حين تفرح؛ لا سبيل لهذه الحياة إلا بالحياة ..


السعادة يا صديقي ثوريّة .. أما الحزن فطوعيّ !

بابا عدم

  


– بداخل كل واحد منا بركان يأس ضامر، تُفجّره المصائب المتوالية، والتحديات المنتهية بالخسارة، والآمال التي كسرها سجّيل الخيبة .. وربما المحفّز الأعظم لغضب ذلك البركان؛ هو مخالطة فاقدي المعنى وأسباب الحياة. هذا النوع من البشر؛ تُسمّيهم نانسي هيوستن مؤلفة الكتاب الثائر [أساتذة اليأس]: مُعلمو الموت ! هم أناس يبرعون في “تعلّم الموت وتعليمنا إياه، والتقليل من شأن الجسد ونشواته، وانتزاع الروح من كل شكل من أشكال الصلات، خصوصا صلة الحب، إنكار المؤنث المفكّر، الأموميّ الذكي، الزمني المتحرك، المفاجئ، الحيّ، الحاسّ، الهشّ، العابر، وتشويهه .. بكلمة واحدة، القضاء على الحياة الإنسانية: هذا ما يعلمنا إياه هؤلاء الأساتذة، من أعلى قواعد التماثيل التي نصبناها لهم”.

– ممارسة العنف، كل أشكال العنف، من العنف الفعلي، الفكري، الكلامي، هو ضرب من ضروب إنكار المرء انتماءه للبشرية، وهي إحدى ميزات أساتذة اليأس … طريقة التفكير هذه خطرة، إنها لا تعود على المرء إلا بتزايد شعوره بالغثيان.

– بما أن الشطح أو العبقرية هي تجاوز للحدود والأُطر، فإن كثيرا ما يعتقد الناس بعبقرية هؤلاء اليائسين. وسيقولون إن إميل سيوران خارق لأنه لا ينام من فرط الأرق الناجم عن حدة الإدراك. بينما يغرق العاديون من البشر في اللاوعي ساعات طوال. وقد قالها مرة إميل سيوران حين كتب لصديقه غابرييل ليسيانو: “إن الأرق العظيم ينمّي شعورا مُرضياً للغرور على نحو استثنائي بأنه لم يعد جزءاً من البشر العاديين”.

– ما يذهلني حقا في الإنسان أنه قادر، وبشكل مُبهر، على تجاوز نفسه، كما فعل هنا إميل سيوران: “يعتريني إحساس غريب حين أفكر أنني، في هذا العمر، متخصص في الموت”. قد تبدو هذه العبارة عادية لمن يعرف سيوران أو بقية العدميين. ولكن العجيب في الأمر، أنه صدّر بذلك السطر كتابا له، كان قد كتبه وهو في الثانية والعشرين من عمره !! قد يتبيّن لك في بادئ الأمر أنها عبارة اختيال استهلّ بها قلمه مشيته المتعجرفة. ولكنها تبدّلت في عيني بعد ثوان قليلة، إنها عبارة انهزامية، يائسة، لا حول لها ولا قوة .. إنها مجرد تنبؤ بتعاسة حاله. أليس هو من اعترف في فترة من حياته بموقفه النهائي قائلا: “أنْ تكون العزلة خطيئتك، أن تتسبب بالأذى عبر القطيعة، ألا تعرف فرحا إلا في انسحابك. أن تكون في غاية الوحدة” إن تلك هي ثمرة اليأس.

– تقول قصيدة فارسية، ذكرتها نانسي في كتابها السابق، ويا لكمية الرعشة التي خالجتني في كل مرة قرأتها:

“يا لتعاستي إنْ أنا لم أنتشِ

بالشمس،

يا لتعاستنا إنْ نحن لم نتمتّع بالربيع،

إنْ أنت لم تهشّم كأس الحزن على الصخرة،

عما قريب، ستتضاعف ألوانه السبعة

لتصبح سبعين”.

– العامل المشترك الأول بين جميع عشاق السواد وعلى رأسهمآرثر شوبنهاور [بابا عدم] -كما كنّته نانسي هيوستن: كانت لآرثر طفولة مليئة بالتناقض الوجداني، وتحديدا الناتج من ضغط عائلي. ولكن على الرغم من ذلك، لم تكن حياة شوبنهاور هي الأسوأ، كما كان الحال مع بقية أساتذة اليأس: صامويل بيكيت، وإميل سيوران، وتوماس بيرنهارد.

– لا أجد مفراً من أن انبطح ضاحكا عندما أقرأ مثل هذه المقولة لميشيل ويلبيك: “لا تخافوا السعادة، إنها غير موجودة”. وأحمد الله بأن جحيم دانتي الذي كتب بابه “أنتم أيها الداخلون إلى هنا، تخلّوا عن كل أمل” ليس إلا خيالا أسوداً فقط.

– تجد نانسي هيوستن أن هنالك تشابه كبير، على الصعيد النفسي وحسب، بين عشاق السواد ورجال السياسة، تحديدا هتلر. تقول: “بالطبع شتان بين أن يكون المرء رجل سياسة، قائد جيوش وزعيم بلد يغزو العالم، وأن يكون أستاذ يأس منغلق على ذاته، يمضي نهاراته في تحبير الأوراق. إن هتلر مسؤول عن موت ملايين البشر، بينما لم يتسبب توماس بينهارد بموت أحد. كان الأول يختلط بالحشود فيما يعزل الثاني نفسه عن المجتمع. أراد الأول أن يبني دولة كبرى، أما الثاني فأراد أن يبدع أثراً أدبياً، لكن إرادتيهما كانتا تنبعان من الحاجة ذاتها إلى التدمير، وفكريهما ينهلان من العنف ذاته. هنا وهناك جنون عظمة وهذيان، حقد تم الاشتغال عليه بشكل دائم كي يبلغ ذروته الفعالية، ولغة حادة وحاسمة تعمل وفقا لتناقضات مفرطة وثنائيات فظة: نحن والآخرون، أنا والعالم؛ ترفض كل أشكال الحوار والتفاعل والتأثر، وترفع من قيمة العزلة والشعور بالقدرة، بل بكل القدرة ونشوة الحدود القصوى”.

– إنه لأمر كارثي فظيع، أن يعيش المرء مع اليائسين. أنا متيقّن من أننا، نحن بني بشر، نتملّل حينا، وننتشي حينا. ولكنني أتحدث عن أولائك العشاق، عشاق السّواد، و”المرء مع من أحب”. لذلك كثيرا ما قيلت عبارات تشبه: قل لي من تخالل، أقل لك من أنت.

– رفض العالم مطلبٌ، ولا يحق لأحد أن يصف الرفض تشاؤما أو عبثا بإطلاق. فإن الفن تعبير عن الرفض بامتياز. والأدب رفض أنيق لنقصان العالم وقتامته. وصدقت نانسي هيوستن حينما قالت: “إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم ويعشقون الحياة عموما ويرضون عن حياتهم خصوصا لا يحتاجون أبدا لاختراع عالم موازٍ عن طريق الكلمات”.

– هنالك ما يجعل الأدب مختلفا وبعيدا عن العدمية، وأقتبس لنانسي هيوستن، ثلاثية سمّتها [مسلمات العدمية]:

١-النخبوية والأنا: لأن أستاذ اليأس يؤمن بأنه مختلف عن الجموع، وإن أغلب البشر لا يستحقون أن يسمّوا أفرادا، بسبب أنهم يشكّلون كتلة محكومة بغريزة القطيع ومبتذلة وامتثالية وغبية .. فإن أستاذ اليأس يحتمل عزلته ويدللها ويحميها وينمّيها.

٢-الاشمئزاز من الأنثوي الذي يمثّل الوجود الحسي والجسدي.

٣-احتقار الحياة الأرضية: إن أستاذ اليأس يودّ لو أنه لم يولد أبدا أو لو أنه مات منذ زمن، ويحلم بالانتحار لكنه في الآن ذاته يخشى الموت كثيرا ويطمع بالخلود بفضل منجز أو أثر روحي ..

– للمفكر والرئيس الراحل علي عزت بيچوڤيتش في كتابه [الإسلام بين الشرق والغرب] حديث عن القلق / الخوف، وفهم ناضج، يقول: “إن الإنسان لا يسلك في حياته كابن للطبيعة، بل كمغترب عنها. شعوره الأساسي هو الخوف، إلا أنه ليس خوفا بيولوجيا كذلك الذي يستشعره الحيوان، إنما هو خوف روحيّ كونيّ بدائي موصول بأسرار الوجود الإنساني وألغازه. وقد أطلق عليه مارتن هيدجر “العامل الخالد الأزلي المُحدِّد للوجود الإنساني”. إنه خوف ممتزج بحب الاستطلاع والإعجاب والدهشة والنفور، تلك المشاعر المُختلطة التي تكمن، على الأرجح، في أعماق ثقافتنا وفنونا كلها”.

– تحدثت في الجزء الأول من هذه المقالة عن أن مهمتنا في هذه الحياة هي تحويل اليأس إلى انتصار حقيقي .. وليس كل البشر قادرين على تحقيق مثل هذه المهمات. فَهْمُ هذه القاعدة هو أمر جدّ مهم، لأنه من السهل جدا أن يعتقد أحد ما بأن هذه مثالية زائفة، محلّها كتب التنمية البشرية الرخيصة، والدورات التطويرية البهلوانية. هناك أشخاص قد قهروا نسبيّتهم وخلّدهم التاريخ رغما عمن حاربوا لأجل إبادتهم.

– قراءة كتب عشاق السواد/ العدميون، قرار جريء، ومن المفترض أن يكون ذاتيا، لأنه ما يترتّب عليه قد يكون صعبا .. صعبا جدا. ربما لأنه اقتحام الإنسان نفسه، وامتحان لمدى مرونته وذكائه. 

– أجزم بأن لبيچوڤيتش فَهم خارج عن المألوف، هذا الرجل كان يقرأ الأمور بشكل مغاير تماما عما نفعل. كان يؤمن بشدّة أن الازدواجية هي مصدر عذابات وعذوبات الإنسان. وقد ذهب في قوله هذا مع رأي الفيلسوف والمفكر هربرت ماركوز في كتابه [الإنسان ذو البعد الواحد]، يقول بيچوڤيتش : “العدمية وفلسفة العبث، هما ثمرة أكثر بلاد العالم ثراء وتقدما. هذه الفلسفة تتحدث عن عالم بلا منطق، عن فرد منقسم على نفسه سيكولوجيا ومحطم، عن عالم أصمّ أبكم صامت. إنها ليست على الإطلاق فلسفة سامّة، كما يزعم بعض الناس، هي في الحقيقة فلسفة عميقة قادرة على التنوير. إنها تعبير عن مقاومة الإنسان، عن عدم رضاه عن العالم الذي ينمو بعكس الصورة التي أرادها لنفسه، إنها تمرّد على الحضارة ذات البعد الواحد”. إذاً العدمية قد تكون حلا تنويرياً ! … قد يفهم البعض بأن هذا القول يتعارض مع ما قالته نانسي هيوستن سابقا ! تريّث قليلا، فذلك قصور في الوعي لا أكثر. فالوعي “إدراك متزامن”، ومهارة القفز على الأطر، والتجنيح بريش الاستعداد .. وكل ذاك تدريب للإنسان على الوعي بكثرة الفرص والمساحات الإيجابية بين التضاد والتعارضات بين الأشياء في هذه الحياة.

– إتيان الأمور من أبواب متباعدة متضادة لهو من صميم الحكمة. 

– أخيرا، أختم وأقول: نعم لقد “تسارع زوال سحر هذا العالم”، ويبدو أننا نساعد في زيادة سرعة تشوّهه. يكفيك مكوثا في مأوى المحتضرين، قُم ! ففي هذا العالم الكثير لتعيشه.