فن أن تكون دائماً أحمقاً

  


– لو أننا تأمّلنا أكثر، وتريّثنا أكثر، وقرأنا أكثر، لازددنا يقينا من أننا لم نعرف شيئا. لكن هذه المعرفة القليلة والضحلة؛ هي سبب كثير من معاناتنا المؤلمة.


– كم من الأفكار تقفز في الوقت ذاته بكل اتجاه! لكننا لا نقدس سوى فكرة واحدة.


– هذا هو التعصب الأعمى تجاه أمر وحيد. إن العصبية مزيج بين عاملين: الفكري والسلوكي. فحدّيّة في الأفكار، كاستخدام طريقة التفكير بـ [أو]، وطريقة التفكير بأسلوب الحل الوحيد. ويتمثّل العامل السلوكي عامة في ضعف إمكانية انسلاخ الشخص عن الأنا، فيصبح رقاً لها، فتعجنه كيفما شاءت، وتكسره حينما تريد. عند هذه الفئة من الناس، لا مجال ولا مكان للشك، فهو باعتبارهم خطيئة عظمى، ومناط ضعف لا قوة. كمثل من يسلّم رقبته لحد السيف.


– يقول محمود منقذ الهاشمي في تقديم كتاب عالم النفس والاجتماع إريك فروم [تشريح التدميرية البشرية]: “الشك هو أساس أي تقدّم فكري. ولكن هؤلاء الناس يعيشون على المسلّمات التي لا يملّون من تكرارها، وهم بدلا من الشك يعتمدون على التصديق القَبْلي والتكذيب القبلي”. إن فضيلة الشك هي في إرغامه إيانا على مراجعة أنفسنا في كل مرة يتم ضبطنا في موقف ارتباك من معتقادتنا ومبادئنا. وبذلك فسنكون أقدر على ملاحظة التغيّرات على المستوى الداخلي/الجواني .. كل هذا لن يكون ما دمنا أقرب للحجر، ثابتين دون إرادة، ضد التغيير والحركة، لا نقوى على مجابهة أنفسنا، ونخاف الوحدة .. مُصْمَتين ومُصَمّتين. ولا جزاء يليق بنا سوى النفي في جزيرة الوهم.


– إن أشرس خصلة في الوهم؛ أنه متخفٍّ وملتبس. لن نقبل بيسر وسعة صدر أننا جانبنا الصواب في خيار اتخذناه، أو في تصرّف تجاه موقف ما. إن الوهم عدو الوعي. ومتى ما كبّلنا الوهم بأصفاده، فلا مفر لنا إلا أن نتهجّم وننقلب إلى ما أشبه بحيوانات متوحّشة.


– إن هذا السلوك، بأن يتصرف الشخص بتوحّش، بل ويستلذّ بإطلاق توحّشه على من حوله، هو ما يسمّونه علماء النفس بالسادية. إنه حب سفك الدماء لأجل المتعة. وشنق الابتسامة في مهدها. وحرق ألوان الحياة لتُمسخ، وتتحول سوداء.


– لقد تمكّنت الساديّة، بلا شك، مِن دخول بيوتنا وأماكن عملنا وجلسات الأصدقاء. استطاعت أن تتبوّأ مقعداً مخصصاً على كل طاولة طعام، وطاولة اجتماع، وطاولة المدرسة. أصبحت السادية أحد الظواهر المرضيّة المميِّزة لمجتمعي الصغير حولي، بل وحتى المجتمعات العربية أجمع – كما عبّر عالم النفس د. مصطفى حجازي. أما عن وصف السادية، فأقتبس – بتصرف – من كتاب أستاذ الفلسفة عبدالإله بلقزيز [نهاية الداعية] قوله: “أما ترجمتها – أي السادية – فتكون في صورة سلوك عدواني من شخص أو مجموعة تجاه أفكار وآراء آخرين على نحوٍ لا يتوازن فيه السادي إلا متى الْتَذَّ بالتجريح الذي أصاب به ضحاياه”.


– يُعرف السادي بحبه – بل وبشغفه – لامتلاك السيطرة المطلقة على كل كائن حيّ. كبيراً كان أم صغيراً، رجلاً أم امرأة. وفي لُبّها حرص على استمرارية موضوع السيطرة وعدم القضاء عليه، خلافاً للنكروفيليا [حب الموت]. و”السيطرة الكاملة على إنسان تعني شلّه، وخنقه، وإحباطه” … وتاريخ السادية الشهير يُنسب إلى الأديب الفرنسي ماركيز دو ساد، الذي صورت أعماله اللذة السادية في الأفعال الجنسية لدى شخوص رواياته. 


– قد يتبادر إلى ذهن أحدهم أن السادية محصورة في الجنس. إن السادية في أصلها عدوان قبل أن تكون جنساً، كما يقول الدكتور مصطفى حجازي. ويفهمها على أنها – أي السادية – هرباً من مازوشية داخلية، من مشاعر الذنب التي تهدد وجوده.


– إن العدوان الذي هو سبب للنتيجة (=السادية)، هو في الأصل نتيجة للقهر الذي يعيش في جحيمه الفرد. القهر الذي نتج عن كبت عدوان خارجي، وتسبّب هذا الأخير بإحباط واضطراب في تحقيق الإنسان نفسه. ونقصد بتحقيق الإنسان نفسه أي قدرته على إيجاد معنى/قوة من حياته الفيزيقية والروحية والفكرية، وكذلك إمكانيته على خلق هذا المعنى/القوة من ذاته وفي ذاته. ومتى ما حصل اختلال في أي من الثلاثية السابقة، فقد أعلن القهر سطوته، وبدأ في عملية تحول الإنسان السّويّ إلى إنسان مقهور. يقول الدكتور حجازي في كتابه [التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور]: “إن فشل تحقيق الذات، فشل الوصول إلى قيمة ذاتية تعطي للوجود معناه، يولّد أشد مشاعر الذنب إيلاماً للنفس، وأقلّها قابلية للكبت والإنكار. هذه المشاعر تفجّر بدورها عدوانية شديدة تزداد وطأتها تدريجياً بمقدار تراكمها الداخلي. وعندما تصل العدوانية إلى هذا الحد لا بد لها من تصريف يتجاوز الارتداد إلى الذات وتحطيمها، كي يصل حد الإسقاط على الآخرين”.


– يُشير الدكتور حجازي في ذات المصدر إلى ما أسماه [قلق الخصاء]. يحصل بتأثير خارجي (=أي قوة خارجية مسيطرة)، ويسبب شعوراً دائما بالتهديد، كذلك مشاعر العجز والنقص وعدم الاكتمال، وتأخذ فرصتها في الزيادة، حتى تصبح تلك المشاعر ما يميّز ذلك الإنسان المقهور، إنسان المهانة. فليس بوسعه أن ينزل نفسه منزلة المتسلّط، ولا حتى المقارنة. وأقتبس مما قال في ذلك: “قلق الخصاء يزعزع كيان الإنسان المقهور ويخل بتوازنه، فهو يولّد الآلام المعنوية التي لا تحتمل والتي تمس صورة الذات وقيمتها، وتصيب الاعتبار الذاتي في الصميم. ولذلك فإنه يميل إلى فقدان الالتزام تجاه هذه الذات التي لا تحظى بالاعتبار من خلال الغرق في الرضوخ والتبعية والاستسلام، التي تأخذ جميعاً معنى عقاب هذه الذات المبخسة وتحطيمها”.


– في هذا المقام، كم يبدو نيتشه محقا حينما قال في كتابه [إنسان مفرط في إنسانيته – الجزء الثاني]: “نكره الشيء الجيد حين لا نكون في مستواه”. فالعدوان والكراهية، وإنْ اختلفا في أصلهما، ولكن فيهما تترعرع الأنا وتتضخم.


– يعدد علماء النفس أنواعاً كثيرة للسادية، فهناك السادية الجنسية، والسادية اللفظية، والسادية التملّكية … إلى آخره. في هذا المقال تحديداً، قصدت تحديداً السادية اللفظية أو الكلامية.


– إن الجدال السقيم، الممرض، العقيم، الذي لا يُرجى منه سوى إحباط الآخر، وممارسة القوة والضغط عليه، هو ما نرمي إليه هذا المقال. نحن بحاجة ماسة إلى نتعرّف على السبب الذي يقوم عليه النقاش الذي نحن بصدده، كي نتخذ قرار المتابعة؛ إنْ كان جدالاً هادفاً خاليا من أجندة مريضة، أو قرار الانسحاب. أو ربما، كما يذهب شوبنهاور، تدمير الآخر الذي، يعي أو لا يعي، ممارسته للسادية في الجدال.


– إن إحدى الإشكالات المتعلّقة بالجدل، وتحديداً عندما يتحوّل إلى مبارزة كلاميّة، هي عندما يتحول تفكير أحد الطرفين أو كلاهما، إلى ما أسماه إريك فروم بـ[التفكير الزائف]. وخطورته تكمن في أن التفكير الزائف قد يكون عقلانياً ومنطقياً، وليس يظهر عليه أي ملمح تشوّه أو تتخلله ثغرات، في غير مرّة. ولكنه أشار إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي ضرورة الأخذ في الحسبان الحالة السلوكية والشعورية والدوافع السيكولوجية لدى الشخص نفسه، عندها نستطيع التعامل مع الموضوع بشكل أكثر شمولية. يقول فروم في كتابه [الخوف من الحرية]: “ليست النقطة الحاسمة هي ما يجري التفكير فيه، بل كيف يجري التفكير فيه”. وكذلك يقول مؤكداً على ما سلف في كتابه [تشريح التدميرية البشرية]: “إن القاعدة السلوكية العامة التي فحواها أن السلوك القابل للملاحظة هو المعلومة التي يُعتمد عليها علمياً ليست صحيحة على الإطلاق. فالحقيقة هي أن السلوك نفسه يختلف اعتماداً على الدوافع الاي تحرّصه، ولو أن هذا الاختلاف قد لا يكون بائناً لدى المعاينة السطحية”.


– إن الشعور والدافع الداخلي لدى ذلك الإنسان المقهور -الذي قد يكون أنا وأنت- على أن يكون دائما على صواب، بأي ثمن كان، ودونما كثير تحقق وتأمل عن حيثيات الموضوع، ليس شيئا آخر، حسب رأي آرثر شوبنهاور، غير التعبير عن [فساد النوع الإنساني].


– إن طبيعة الحوار السادي الذي يقوم بين اثنين ساديين هو مجرّد محاولة للسيطرة على الآخر وإثبات الذات، وتغليب ما يسميه شوبنهاور [الكبرياء الفطرية] على حساب الموضوعية. “إن الكبرياء الفطرية سريعة الانفعال لاسيّما في ما يخصّ الملكات العقلية، إذ ليست تقبل أن يظهر إثباتنا كاذباً، وليست تقبل أن بكون إثبات الخصم صحيحاً” … إن ذلك الحوار ما هو إلا جدل مرائي [مشاغبي]. يستخدم في الطرف المسيطر كل السبل، المشروعة وغير المشروعة، الأخلاقية وغير الأخلاقية، الصادقة والكاذبة، من أجل شيء واحد، وهو الإطاحة بالآخر. “بهذه الطريقة يتعاضد ضعف ذكائنا وفساد إرادتنا تعاضداً تبادلياً”.


– أن تكون منقاداً بفعل العدوان نحو العمى، يعني أنك لا تهتم بصلب موضوع الجدال، بل بطعم وحلاوة الانتصار وقهر الآخر وإحباطه .. يعني أنك لا تكترث سوى لحلاوة أن تكون دائما على صواب. لذلك فقد أُعجبت بما قاله شوبنهاور ملخّصا المسألة: “أي شيء هو فن أن نكون دائما على صواب، إن لم نكن في أعماقنا على صواب أو لا؟ إذن، إنه فن الوصول إلى ظاهر الحقيقة دون الاهتمام بموضوع المطارحة”.


– للفيلسوف المتشائم آرثر شوبنهاور كتاب غير مشهور عنوانه [فن أن تكون دائماً على صواب]، وهو عنوان ساخر بامتياز. ابتدأ كتابه بتأصيل عميق عن سبب قيامه عليه، وتفصيل شديد عن ميكانيزم الجدل المرائي العبثي. وقد أحصى شوبنهاور ثمانية وثلاثين طريقة أو حيلة يتذرّع.


– كلمة على هامش الموضوع: كنت عند نهاية شرح كل حيلة والأمثلة عليها، أضحك. إن ما يقدّمه هذا الكتاب يُشبه الجدل اليومي الذي نشهده، أو نكون طرفاً فيه. يمكن أن أُلخّص تجربتي مع هذا الكتاب في جملة واحدة [ضحك هرباً من البكاء].   


-في كل مرة يزداد يقيني بما قاله جان جاك روسو -كتاب [أصل المساواة بين البشر]- يزداد معه ألمي، يقول: “لقد وُلد الإنسان حرّاً؛ لكنه مُقيّد بالسلاسل حيثما كان”.


– باتت مهمة الشخص اليوم صعبة للغاية؛ يتحتم عليه إدلاء رأيه في كل خبر! العالم بحاجة ماسّة إلى رأيك، فأنت خبير في جميع المجالات يا صاح! .. ولكنك -بكل أسف- قد نسيت أنّ “الاقتصاد في الكلام هو الاحترام الذي يقدمه الشخص لأعماق ذاته اللامتناهية”.


– وإذا كنت يا صاح من محبي اللهث وراء الحلول، ولا تعجبك هذه الطريقة في طرح الآراء، فابحث عن مقال سابق كنت قد كتبته بعنوان [فلتقل خيراً] عن العفة اللفظية .. ففيه قد تجد ضالتك.

– نهاية أقول: مما يستدعي السخرية ويثيرها، أن كل واحد سيسعى إلى الدفاع عن قضيّته مهما تطلّبه الأمر .. وإن بدت له كاذبة أو مشكوكاً فيه.

Advertisements

مناوشات حول الإنسان

المصور: ماجد عنقاوي

المصور: ماجد عنقاوي

 

– لم أكن أنوي أن أكتب مقالا في الأسبوع الماضي .. وللأسف ليس لدي معايير واضحة للامتناع بقدر ما أنا حريص لأن أكتب حفاظا على لياقة الحياة – كما يقول الأديب والمترجم الشاب محمد الضبع.

 

– جاءتني رسالة على هاتفي النقال من شخص قريب جدا إلى قلبي يقول لي فيها: مقالة الجمعة هي مؤشر جاد على مدى توغلك في الروتين وإصابتك بالمشغولية .. حقيقة، هذا ما قد حصل معي !

 

– نحن نعيش في عصر غريب، أهل التخصصات أنانيون في مجالهم، لا يريدون أن يشاركهم أحد فيما يزعمون أنهم يجيدون. وهذا التعصب يساعد في تشكيل غمامة على العين، يجعل مجال رؤيتهم محدودة ضيقة كالقناة Tunnel Vision، وهذا ما أدى بهم للتطاول. الحل إذاً هو أن يقرأ الناس ليتساءلوا ويفهموا ويرفعوا من مستوى اطلاع المتخصصين رغما عنهم. وكثيرا ما يحصل هذا في المجال الطبي، حين يكون المريض مستعدا لمناقشة -بدلا من الاستقبال السلبي- الطبيب في خطة العلاج والمفاضلة بين الاختيارات.

 

– كانت هذه الفكرة أحد الدوافع التي أجبرتني أن أتحرك باحثا صوب موضوع خارج تخصصي أو عملي كطبيب.

 

– تجربة الكتابة، وتحديدا في [إنسانك مسروق] هي التي جعلتني مهتما بقضية الإنسان .. وليس الطب. أليس هذا أمرا، بحد ذاته، تراجيديا بامتياز !؟

 

كتاب: إنسانك مسروق

كتاب: إنسانك مسروق

– كتاب [إنسانك مسروق] هو بمثابة توثيق لبحث ورؤية نتجت خلال مشروع أو رحلة [ثلاثية الرشد]، وهو مشروع عملت عليه مع د. علي أبو الحسن، يعني فهم الإنسان نفسه بالمقام الأول، وتطوير ذكاءاته العقلية والوجدانية وقدراته وإمكانياته ..

 

– كتب كثيرة تحدثت عن الإنسان، وما زال هذا الكائن مجهول المعالم من نواح عدة، ولا تزال كل العلوم عاجزة عن الإتيان بتفسير كامل من منظور بيولوجي أو تشريحي أو وظيفي، نفسي، فلسفي … إلخ.

 

– من الطبيعي في عصرنا هذا، أن يضيع فيه الإنسان، تائها ما بين السرعة والروتين والحياة المادية. ومع ذلك التوهان، تختفي تساؤلات جوهرية كالهوية والذات وفهم الديناميكية النفسية، حتى أصبح تداولها والاهتمام بها أمرا كماليا، أو كما يسميه الأغلبية “نخبوياً”. وبمناسبة ذكر كلمة [نخبة]، من العفة اللفظية وتلطّف لغة الواحد منا عدم استخدام هذه الكلمة، لما يصاحبها أو يتخفّى وراءها شعور بالتعالي والتباين الطبقي والترفّع والأنا الخبيثة/الوحشية.

 

– وقد ناقش جمع من المفكرين والفلاسفة مواضيع عدة كـ “هدر الإنسان” و “قهر الإنسان” و “تفكيك الإنسان” و “الإنسان الآلي” و “سلب الإنسان”. ولكن كتابنا هذا؛ عبارة عن مقالات قصيرة، يعرض الحالات الشعورية الوجدانية للإنسان، وكيف يمكن لها أن “تسرق” الإنسان منا بسبب غفلتنا، وما هي الأسباب المستترة خلف ذلك، مسبوقة بمقالات مقدمة، تتحدث عن مفهوم سرقة الإنسان وتغييبه وتهميشه، ومدى واقعيته وإمكانية حدوثه ..

 

– يذهب كثير من الفلاسفة الوجوديين إلى أن الإنسان هو [مشروع وجود] أكثر مما هو [وجود].

– يجب علينا أن نعي أن هذا الإنسان -الذي أتحدث عنه- هو أنا وأنت .. فنحن طيلة اليوم مشغولون بأعمالنا، منهمكون بالتجميع والتملّك، محاصرون بأفكار الغير وظنونهم وآرائهم، مشلولون بلا شلل، مُعمِّرون بلا أثر، نسكن الأعين والأسماع والأفواه، هاربون باستمرار من أنفسنا نحو الغير .. نحو المجموعة .. نحو غطاء يكفي أن يمدّنا بأي صفة أو لقب .. لأننا لا نستطيع خلق صفاتنا والتقرّب من أسمائنا !

 

– الامتداد التاريخي لموضوع الإنسان، وهي قضية عمرها يناهز ٢٥٠٠ عاما. يقول إريك فروم عنها: “ليس هناك جديد في هذه القضية، ما عدا كونها جديدة بالنسبة لنا”. 

 

– “لقد كان المرء في القرن الثامن عشر متفائلا فيما يتعلق بهذا الأمر: فقد كان التصور العام يكمن في كون الإنسان عقلا حسنا يسهل توجيهه والتأثير فيه لكي يصل إلى الخير. ويعتقد اليوم، كما قال راينهولد نيبور Reinhold Niebur وآخرون، بأنه من السيئات الاعتقاد الساذج في خيرية الإنسان. في اعتقادي أننا لم نعد في حاجة إلى مثل هذه الإنذارات اليوم، لأن العصر الذي عشناه ونعيشه قد قدم لنا الكثير من الحجج على لاعقلانية وحُمق الإنسان. ولهذا السبب لا يجب أن يُؤكد لنا كل يوم سوء الإنسان. والأسئلة المهمة بالنسبة لعلم الإنسان هي: ما هو جوهر الإنسان؟ ..” إريك فروم.

 

– نحن نمارس دور السيد أو الرأسمالي أو النازي أو الفاشي أو الستاليني مع الآخرين بشكل مريب، وللغرض الإبداعي، نغلفها بأي مسمى يضفي على الدافع سمة ملائكية بريئة، أو كما يعبّر عنه بالمصطلح الإنجليزي Sugar-coating.

 

– وعلى النطاق الأكبر، أقتبس للدكتور مصطفى حجازي من كتابه [التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور]: “وإذا كان السيد الذي ينمي النظرة المتخلفة إلى الوجود عند الإنسان المقهور، كي يستمر في الاحتفاظ بامتيازاته، يتمتع ببعض مظاهر التقدم، فإن هذه تبقى معظم الأحيان سطحية، إنها نتاج ما يطلق عليه الباحثون في علم اجتماع التخلف اسم [أثر الاستعراض]. ويقصد بهذا المصطلح محاكاة المظاهر الخارجية للتقدم في جانبها الاستهلاكي على وجه الخصوص، دون أن يصل الأمر حد البعد الانتاجي الابتكاري”

 

– قصة قصيرة على الهامش: مارست البَرْقَلَة بامتياز في عملي البارحة. بحثت في التاريخ المرضي لإحدى المريضات، ومن ثم ذهبت كي أفحصها لنحدد هل صحتها جيدة بما فيه الكفاية لتتحمل معاناة العملية الجراحية. وعندما وصلت عند الباب وقبل أن ألقي التحية، نسيت اسمها، فسألت الممرضة هامسا بالإنجليزية: “What is the name of the patient”. فأجابتني المريضة على الفور: “نوف”. قد يبدو الأمر سخيفا للبعض، ولكنه بالنسبة لي كان شائكا غارقا في التساؤلات. هل لأنني تعودت أن أغلب المرضى الذين قابلتهم لديهم مستوى تعليمي متدني؟ هل أنا أمارس التعالي وانتفاش الإيچو دائما؟ هل ما زالت أصنف البشر وأوجّه بمسدس الأحكام المسبقة نحو أنوفهم؟ .. ربما يحتاج المرء لصفعة وعي من وقت إلى آخر !

 

– أختم بهذه المقولة الذهبية للفيلسوف الراحل زكريا إبراهيم: “فهم الإنسان سيظل أملا للإنسان”.

 

المنشور الهالِك بامتياز

Michal Pedziwiatr

Photography by: Michal Pedziwiatr

لقد اكتشفت ان شيئا فشيئا ان كل فلسفة عظيمة حتى الان كانت اعترافا ذاتيا لصاحبها ونوعا من مذكراته (من حيث لا يدري او ينتبه) – فريدريك نيتشه [ما وراء الخير والشر]

– سأبدأ حديثي في هذه الجمعة عن موقف لم أزل في صدمة منه. في واقع الأمر، هي سلسلة من المواقف، بدأتْ مع مطلع هذا الأسبوع، فقد بدأتُ دوامي في مستشفى الحرس الوطني كطبيب مقيم في قسم التخدير. وكإجراء روتيني لدى المستشفى، ينضم جميع المتدربين الجدد -من مختلف التخصصات- لبرنامج أو دورة لها عدة جوانب: تعريفية – مهنية – مهارية.

– أحد الأمور العجيبة في الأمر أن هذا المستشفى، هو الوحيد الذي يقدم هذه الدورة، التي تهتم في المقام الأول والأخير، بسلامة المرضى وجودة الرعاية.

– ولكن من ناحية أخرى، فهي اعتناء جاد بهؤلاء المتدربين الجدد. فقد شعر الجميع -أو لأقول أنا نفسي على أقل تقدير- بالاهتمام الموجه من قِبَل المشرفين [قسم الدراسات العليا] لضمان انتماءنا للمكان والمهنة.

– من اليوم الأول، شعرت بأني شريك في نجاح هذه المنظومة الصحية، ولي دور مهم فيها. ويعود سبب هذا الإحساس إلى نجاح المسؤول في ضمّنا إلى الركب في مدة لا تتجاوز اليوم. ما أقصده، هناك فرق بين أن تُنجز مهمة في مشروع ما، وبين أن تتبنى المشروع وتحمل همه على عاتقيك. 

– لم أشهد قط في حياتي معاملة ناضجة كمعاملة الأطباء هناك. فقد كانت لي تجربة مطوّلة على مدى أربع سنوات، في مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز، مليئة بالتصغير والتحقير والإهانة، لي أو زملائي.

– الأساتذة هُنَاك يظنون أنفسهم أبطالا مُخلِّصين، وأساطير لم يُكتبوا في أي ملحمة، عباقرة منذ نعومة أظافرهم. وأظن أن هذا داء معظم الأساتذة، والجامعيين منهم خاصة.

– العلّة في هذا النموذج السيء ليست مقتصرة في ذاته، الخطورة الكامنة فيه هو قدرته الفائقة على العدوى، فيتعدّاهم لينتقل إلى زملائهم، والأكثر ضراوة، تلاميذهم ! فهم الأعلى قابلية لتلك العدوى، وتجرّع ذلك النموذج المستفز. وقد حصل كثيرا أنْ خضت نقاشات مع زملاء لي عن تصرفات وأخلاقيات بعض الأساتذة، والأمر الذي أذهلني، هو قبول أو حتى عشق زملائي لذلك النموذج، ورغبتهم الجامحة في أن يكونوا مثلهم (Role Model)، مع غضهم الطرف عن إشكالياتهم السلوكية والأخلاقية، فقط مقابل أن يمتلكوا مهارتهم  .. هل فنحن نمارس -خفاءً- فصل العلم عن الأخلاق والدين !؟

– هكذا ندخل في دائرة مغلقة، تبتدئ بالنموذج الفاشل، وبوجود الانبهار الأخرق، والقابلية، يُورَّث النموذج ويُكتسب، فيُطوّره الجيل التالي ليكون أكثر رداءة وخساسة .. إلخ.

– كنت قد نشرت مقطع ڤيديو لحديث في إحدى لقاءات البرنامج العالمي [Ted] للدكتور Brian Goldman .. يتحدث فيه عن تجربة له، ويقترح غرس سلوك الإقرار بالخطأ في المجال الطبي، بل وتعليمه للزملاء، وكذلك من هم أقل خبرة، وكذلك الطلاب. وهذا تبسيط لمفهوم [الخطأ المُثاب]، وقد تعلمته من نموذج مُحكم للدكتور علي أبو الحسن.

– يقول جان لويس لاڤيل: “إن كلامنا إنما ينزع إلى اقتطاع ماضيه من حياته، حتى يتسنى له أن يولد كل يوم من جديد، حاملا معه أيضا قلبا جديدا ناصعا” .. أظن أن هذا ما فعله Brian Goldman !

– يربِط كيركجور (أو كيركجارد) بين فكرة القلق والخطأ والاختيار. بل ومقدرة نفوذ الخطأ وصولاً إلى أعمق أعماق النفس البشرية .. وقد أقول: إن الخطأ فضيلة، فهو بداية البحث عن الحقيقة !

– من الظواهر المثيرة للبكاء، وبالتأكيد تأثراً بالأساتذة والسلف الصالح. الأغلب يبحث عن مسمى/ لقب/ استعارة تعطيه صلاحية لانتفاش ريشه، واتساع ثغره تكبرا. فأصبح الطالب بمجرد وصوله للسنة السادسة -ما قبل التخرج- يبحث عن حيلة لابتداع أي استعارة، ليرمّم شيئا مما هُدم على مدى السنين الماضية، فلا يجد سوى: Senior Medical Student. هذا أحد ما تعلمناه من الدكتور والبروفيسور، لا أحد يتنازل عن مسماه، وكأن الاستعارات أصبحت عضوا من أعضاء الشخص، لا يستطيع الاستغناء عنها !

– إشكالية البحث عن لقب، ترجع إلى فقدان الشخص مدلول الهوية، وبالتالي فهو يتسوّل هوية جديدة مهترئة، كما هي بواقعها، لا كما يُراد لها أن تكون !

– إشكالية البحث عن لقب، حيلة يستخدمها الشخص بحثا عن القوة، كيف؟ .. في أمريكا مثلا، الفهم السائد عن المحامين أنهم أرقى طبقات المجتمع. فلذلك، يجد الكثيرون ملاذاً فاخراً فيها، وقوة يستخلصونها من مسمى عملهم لا من داخلهم ! .. وهم !

– سأتحدث عن نفسي قليلا، لأباعد نفسي من الاقتراب بالوعظ. البارحة، وعند قراءتي للمواقف السابقة، لاحظت أمرا أثار دهشتي، وهو أني ما زلت أحنُّ إلى شيء في المكان القديم، مع كل المساوئ التي شعرت بها واستنتجتها، وخطورة الأمر ومنحدراته .. فجأة، انتبهت للموضوع، وفهمت أن الخطورة الأعظم في الأمر برمّته ليست متضمنّة في فهمنا للموقف من عدمه، ولا في قابليتنا للتحوّل والتشوّه، بل في قدرتنا الخارقة على التكيُّف !!

– كما أن التكيُّف Adaptation ميزة بشرية تتوفر في أصغر مستوى بيولوجي (مستوى الخلية البشرية) إلى أكبر مستوى فينا .. ويُعتبر ميزة بلا أدنى شك. إلا أن له مخلبا يتخفّى في ثناياه، إنَّ التكيُّف/التأقلم قد يتحوّل ليصبح شكلا انهزاميا وانسحابيا بدلا من أن يكون ميزة للتجاوز والتجاهل.

– هكذا يدمن الإنسان الخسارة وينسبها لغير مكانها .. ينسبها إلى ما هو ضدها !

– “يود الإنسان أن يكون عظيما ويرى أنه صغير، ويود أن يكون سعيداً ويرى أنه شقي، ويود أن يكون موضع الحب والتقدير من الناس، ويرى أن أخطاءه لا تجلب سوى كراهيتهم واحتقارهم … إن الحرج الذي يقع فيه نتيجة هذا التناقض يولد أسوأ النزاعات الإجرامية التي يمكن تخيلها، ذلك أنه يبدأ في كره الحقيقة التي تدينه وتريه عيبه” باسكال

– أختم بما قاله الراحل علي عزت بيچوڤيتش [هروب إلى الحرية] ص٢٤: “الجميع يبحثون عن تغيير كبير .. الأمر يتعلق بزلزال يصل إلى أعماق عالمنا .. إلى جذوره”.

غيبوبة مستعجلة !

 
– أكاد أجزم، تحققا لا مدعيا، أن اللامبالاة هي أشرس وأقبح الأحاسيس التي يكنها الناس. وخطورتها كامنة في تحولها ومرونتها، كالحية تجيء وتروح، بلا أثر تتركه سوى في لدغتها. ويا لها من لدغة .. قد تساوي حياة بكاملها !
 
– ومن خطوراتها، أيضا، أنها تظهر كحيلة نفسية رخيصة. ولتقريب المعنى، فهناك أمثلة كثيرة لبشر غرقوا في اللامبالاة حد الظلم، وهناك من الظلم ما هو متعد للنفس. وأختار منهم، افتراء وشراسة الأساتذة الجامعيين والمعلمين في المدارس.
 
– لا للتناوم والتماوت: واحدة من أهم مهام الإنسان هي محاصرة/تقويض اللاوعي بالوعي !
 
– من قال أن للانتحار شكل واحد !؟ .. المشنقة يا سادة هي تذكرة خلود في مستنقع البؤس.
 
– اللامبالاة هي تقديم الموت على الحياة.
 
– من قال إن البشرية في انحدار !؟ .. البشرية قد سقطت.
 
– الانتماء غريزة بشرية، وسره كامن في البحث عن حماية وحصانة .. ويا خيبة من اتخذ اللامبالاة مسكنا.
 
– حتما إن اللامبالاة مطية اليائسين، واليأس -في حد ذاته- موت معجّل. “إن المحبطين أكثر الناس قدرة مع أن يكونوا أتباعا مخلصين” المؤمن الصادق – إريك هوڤر
 
– ليست مصادفة أن مترجم الكتاب السابق هو د. غازي القصيبي، رحمة الله عليه، وهو ممن كانت لهم علاقة إيجابية ومنتجة ومزهرة مع اللامبالاة، فقد ساعدته لأداء عمله كوزير وأديب كتب ٦٠ مؤلفا.
 
– كما يعجبني إميل سيوران في وعيه بعدميته، فكذلك كان حالي مع آرثر شوبنهاور .. يحتاج الإنسان جرعات من القبح أحيانا. كي يعود، ولو حبوا، ويستلّ الأمل من غيابة الخيال !
 
– هناك أسماء أقترح على الناس أن يبدؤوا التفكير باستخدامها لمواليدهم القادمين .. منسي، طالح، غافل، شاحب، فارغ. ويلنا ! ما عاد من أسمائنا شيء ينسب لنا .. أظنها كلّت الصراخ، ففقدت قدرتها على إسباغ البشر بألوانها وصفاتها.
 
– رسالة إلى سميح القاسم: صدقّ بأني لم أشعر بمرارة رحيلك .. لأنه مجاز “كامل التكوين” في وعيي .. ولأنك وتوأمك الذي أسميه [سيد الأضداد] محمود درويش؛ تبوّأتما في قلبي قلعة .. تطل على ربيع لا ينتهي، رسمتموه برذاذ الولاء .. وقافية الحرية .. منقوش على بابه: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” !
 
– “إن فكرة [الغيرانية] و [نكران الذات] هي العلامة المميزة للانحطاط، الانجذاب إلى ما هو مهلك، وفقدان القدرة على تمييز ما هو نافع” هذا هو الإنسان – فريدرك نيتشه
 
– وللنابهين منهج ومسلك هم أدرى به، حظنا منهما الادعاء. فليست اللامبالاة دوما غرق في وحل الوهن، وإنما هي غض عن التدني .. قال محمود درويش في إحدى قصائده “ولكن في اللامبالاة فلسفة، إنها صفة من صفات الأمل !”
 
– العمل الفني السابق هو إحدى أعمال الفنان Bensky .. عرفته صدفة، وهو رسام وفنان يفكر ويعمل خارج الصندوق. أغلب أعماله مرسومة على جدران المباني وأرصفة الشوراع في نيويورك. هو عجيب وقصته كذلك. ولا زال القانون يبحث عنه ليلقي على القبض بتهمة التخريب. أيّ زمن أصبح هذا .. فيه الفنان مجرما: والمجرم فنانا !
– النهاية