مجتزأ من: رسالة إلى مشرّد لم تجد طريقها إليه

kelas-sosial-1

مع مرور السنوات، علاقتي مع ساعتي البيولوجية تتحسن تدريجيا، وخبرتي في الاستيقاظ من النوم قبل إزعاج المنبه كذلك تحسنت. أنهض متثاقلاً عن سريري الضيّق. وأنظر إلى ساعة الحائط بخفّة، أجد الوقت ما يزال مبكّراً على النهوض، فأتسوّل مزيداً من الدقائق أتمرّغ فيها على فراشي أو أغمض عيني وأطلب غفوة تعيسة … أستيقظ مجدداً، ولكنني أرتعش هلعاً هذه المرة. ها قد حان موعد النهوض، أقول لنفسي. أرتّب ملامحي ووجهي بما يليق بمزاجي لهذا اليوم، وأذهب لارتداء زي العمل، اقتنيت عدداً منها بنفس المقاس واللون. لا وقت أضيّعه هنا. أخطو مسرعاً نحو سيارتي .. وأنا أمسك بمقبض باب السيارة، أتذكر أني نسيت المفتاح، فأشتم الغباء، وأتساءل: هل هذه بوادر ألزهايمر؟ .. أعود خافضاً رأسي لآخذ مفاتيحي. وأنا في طريقي إلى الخارج للمرة الثانية، آخذ قراراً جريئاً. قررت ببساطة أني سأتغيّب عن الدوام لهذا اليوم. فلا بأس أن نأخذ قرارات طائشة في بعض الأحيان. ليس للأمر علاقة باللامبالاة أو الإهمال، كل ما في الأمر أني أشعر بالحياة أكثر حينما أكون عفوياً وبسيطاً. أريد أن أكون أقل آلية .. وأقل وفاء للواجب .. فأنا لا أنتمي للأرض والطين والعشب، أنا ابن الصوت والنسمة والنَّفَس والسماء. إن نصف العفوية، على الأقل، حب المغامرة واستكشاف المجهول. وبعد عشرين سنة عشتها على نفس الوتيرة، سبعة آلاف وثلاثمائة يوم كلها تشبه بعضها .. أشعر بأنه يمكن ألا يؤْثر الشخص على نفسه شيئا، في يوم غائم جميل كهذا. 
يزورني أحياناً شعور بأني لم أعد أعرفني، فقد تغيّرت جميع الملامح التي اعتدها عليّ. عبث يعلوه عبث. وهذا أمر مألوف عند الذين يعرفون أنفسهم جيداً. ليس أمراً شيّقاً أن “أتابع في داخلي حفلات التنكّر المتعددة، التي تجعلني على قيد الحياة”، ولكنني -كغيري من الناس- مرغم على ذلك. إنه ليؤلمني أني لا أملك الاستطاعة على البقاء على حالي، فالعيش في هذا العالم المشوّه لا يمكن سوى للمتغيّر .. والمتقلّب .. لمن يشبه الحرباء. 
تركت تلك الأصوات خلفي ومضيت قائلا: فلنعيش هذا اليوم بكل ما أوتيت من حياة .. نُبعثر التوتر والقلق والاعتياد، ونتنفس هواء الحرية الفاتن.
تذكرت أني أنهيت ليلة أمس كتاب [تجوال] لهرمان هيسه، وأظنه من قام بترك باب زنزانتي مفتوحا قبل مغادرته، أظن أنه هو سبب هذه الجرأة. أذكر أني لم أتحمل عذوبة اللوحة التي رسمها برشح الحب وريش الحرية، عندما قال: “إني لأستشعر الحياة ترتعش في كياني، على لساني، وحتى أخمص قدمي، في رغباتي أو عذاباتي، أريد لروحي أن تكون روحاً دائمة الترحال، قادرة على العودة في مئات الأشكال، أريد أن أحلم بنفسي قسّاً وجوّالاً، ##طاغية## وقاتلاً، طفلاً وحيواناً، وأكثر من أي شيء آخر طائراً وشجرة؛ ذلك أمر بالغ الضرورة، وإني لأريده، وأحتاج إليه لأتمكن من مواصلة العيش، وفي الآن الذي يعتريني فيه الشعور بضياع هذه الإمكانات، وبأني مقبوض فيما يدعى بالواقع، فإني آنئذ أفضل الموت”.
فقررت أن أخرج هذا الصباح لأتجول بصحبة العالم، المهم هو أن أرى كل شيء، وأن أراه كأني أرى لأول مرة، المهم أن أترك التفكير وأشاهد. قررت الخروج لآتي بفصل الربيع، فتتفتّح أزهار لساني، وينثر الغبار والشوك عنه. قررت الخروج لأصير شاعراً، ولو لنهار واحد، ولو لساعة، ولو للحظة، أريد “قول ما أحسّ به .. من دون أن أقول إني أحسّه”.
“حياة الجوّال الحقيقية، الحياة التي أحب، التجوال دون أية وجهة محددة، بيسر وسهولة تحت أشعة الشمس، حياة متشرد كامل الحرية” .. فشبكنا أيدينا أنا وقراري، وأخذنا نبدأ يومنا بهذه الجولة الصباحية في شوارع المدينة …
إنه لمشهد يفطر القلب، رؤية المتشردين يمنة ويسرة في كل زقاق. على حافة الرصيف. بجانب سكة القطار. في الأنفاق وتحت الجسور. عند أبواب المتاجر. وفي محطات المترو.
رأيت أحدهم صباح هذا اليوم، وأنا أنتظر إشارة المرور لأعبر الشارع. هيئة الرجل المتشرد الأسود غاية في الحزن، جالبة للشفقة، وتستدعي التعاسة. قرر أن يعبر الشارع دون أدنى اعتبار لإشارة المرور. يمشي الرجل ببطء وهو يغني بطريقة مريبة مزعجة، ويرفرف بكلتا يديه بطريقة غير متكلّفة وشاذة. رأيت فيه علامات الجنون بغزارة. حينها، لو أن لي أمنية واحدة، لكانت لصالح هذا الرجل المسكين، قلت لنفسي. لو أن للجنون درجة تبخر الإيثانول، لكان الرجل الأذكى في المدينة وقتها. قيل أن بين العبقرية والجنون خيط رفيع. لكن ما شاهدته صباح اليوم، لم يكن قرب الخط الفاصل، بل كان جنوناً تامّاً. يقف عن يساري رجل بكامل الثقة، يرتدي زياً فائق الأناقة، وفي يمينه سيچار كوبي كثيف الدخان، يكاد لا يرى ما حوله من شدة علوّه … هذا التناقض العظيم السخيف، سوف يجعل مني مجنونا .. مجنونا إلى درجة تجعل الرجل الأسود المتشرد يضحك ويقهقه حتى يسقط أرضاً، ثم يتلحّف بالسحابة التي تعلوه، وينام من شدة الإرهاق …
أسمع صوتا يرتد بعد صدى كلمات ذلك الرجل، وهو يقتبس من هرمان هسه، يقول: “العيش مع الآخرين، بالنسبة لي، هو العذاب. وكل الآخرين موجودين داخلي. حتى لو كنت بعيداً عنهم، أنا مضطر للعيش معهم. وحدى، تطوقني الحشود. لا أعرف إلى أين أهرب، على الأقل لأهرب من نفسي … أريد لكل شيء أن يتبخر مني. حياتي بأسرها، ذكرياتي، مخيلتي وما تحتويه، شخصيتي .. أريد لكل شيء أن يتبخر مني الآن .. أنا رجل يبحث لا رجل يدّخر”.
إن أجمل ما في حياة الشارع أنها بالغة في العفوية. ولكن هكذا يراها من هو مثلي، من اختار أن ينزل الشارع كي يشاهد ويستمتع ويعود لمنزله متى شاء. ولكن ربما كان من الهيّن أن أركز على الجوّال الذي يسكن داخل ذلك المتشرد وكل المتشردين. 
وأنا عائد في طريقي إلى البيت، وجدتني أردد سطر فرناندو بيسوا دون تعب أو ملل:
“تضاعفت كي أُحسّني،
ولأحسّني، احتجت إحساس كل شيء؛
فِضت، انتهى الأمر بي بأن أنتشر …”.
آه .. لو كان بمقدوري رؤية ما لا أريد رؤيته، لكنت إنساناً! .. ولو كان بمقدوري رؤية كل ما لم أقصد رؤيته، لصرت إنساناً كاملاً!!
آه .. لو كان بمقدوري اختيار ما أريد، لكنت إنساناً! .. ولو كان بمقدوري رفض كل ما لا أريد، لصرت إنساناً كاملاً!!

Advertisements

فن أن تكون دائماً أحمقاً

  


– لو أننا تأمّلنا أكثر، وتريّثنا أكثر، وقرأنا أكثر، لازددنا يقينا من أننا لم نعرف شيئا. لكن هذه المعرفة القليلة والضحلة؛ هي سبب كثير من معاناتنا المؤلمة.


– كم من الأفكار تقفز في الوقت ذاته بكل اتجاه! لكننا لا نقدس سوى فكرة واحدة.


– هذا هو التعصب الأعمى تجاه أمر وحيد. إن العصبية مزيج بين عاملين: الفكري والسلوكي. فحدّيّة في الأفكار، كاستخدام طريقة التفكير بـ [أو]، وطريقة التفكير بأسلوب الحل الوحيد. ويتمثّل العامل السلوكي عامة في ضعف إمكانية انسلاخ الشخص عن الأنا، فيصبح رقاً لها، فتعجنه كيفما شاءت، وتكسره حينما تريد. عند هذه الفئة من الناس، لا مجال ولا مكان للشك، فهو باعتبارهم خطيئة عظمى، ومناط ضعف لا قوة. كمثل من يسلّم رقبته لحد السيف.


– يقول محمود منقذ الهاشمي في تقديم كتاب عالم النفس والاجتماع إريك فروم [تشريح التدميرية البشرية]: “الشك هو أساس أي تقدّم فكري. ولكن هؤلاء الناس يعيشون على المسلّمات التي لا يملّون من تكرارها، وهم بدلا من الشك يعتمدون على التصديق القَبْلي والتكذيب القبلي”. إن فضيلة الشك هي في إرغامه إيانا على مراجعة أنفسنا في كل مرة يتم ضبطنا في موقف ارتباك من معتقادتنا ومبادئنا. وبذلك فسنكون أقدر على ملاحظة التغيّرات على المستوى الداخلي/الجواني .. كل هذا لن يكون ما دمنا أقرب للحجر، ثابتين دون إرادة، ضد التغيير والحركة، لا نقوى على مجابهة أنفسنا، ونخاف الوحدة .. مُصْمَتين ومُصَمّتين. ولا جزاء يليق بنا سوى النفي في جزيرة الوهم.


– إن أشرس خصلة في الوهم؛ أنه متخفٍّ وملتبس. لن نقبل بيسر وسعة صدر أننا جانبنا الصواب في خيار اتخذناه، أو في تصرّف تجاه موقف ما. إن الوهم عدو الوعي. ومتى ما كبّلنا الوهم بأصفاده، فلا مفر لنا إلا أن نتهجّم وننقلب إلى ما أشبه بحيوانات متوحّشة.


– إن هذا السلوك، بأن يتصرف الشخص بتوحّش، بل ويستلذّ بإطلاق توحّشه على من حوله، هو ما يسمّونه علماء النفس بالسادية. إنه حب سفك الدماء لأجل المتعة. وشنق الابتسامة في مهدها. وحرق ألوان الحياة لتُمسخ، وتتحول سوداء.


– لقد تمكّنت الساديّة، بلا شك، مِن دخول بيوتنا وأماكن عملنا وجلسات الأصدقاء. استطاعت أن تتبوّأ مقعداً مخصصاً على كل طاولة طعام، وطاولة اجتماع، وطاولة المدرسة. أصبحت السادية أحد الظواهر المرضيّة المميِّزة لمجتمعي الصغير حولي، بل وحتى المجتمعات العربية أجمع – كما عبّر عالم النفس د. مصطفى حجازي. أما عن وصف السادية، فأقتبس – بتصرف – من كتاب أستاذ الفلسفة عبدالإله بلقزيز [نهاية الداعية] قوله: “أما ترجمتها – أي السادية – فتكون في صورة سلوك عدواني من شخص أو مجموعة تجاه أفكار وآراء آخرين على نحوٍ لا يتوازن فيه السادي إلا متى الْتَذَّ بالتجريح الذي أصاب به ضحاياه”.


– يُعرف السادي بحبه – بل وبشغفه – لامتلاك السيطرة المطلقة على كل كائن حيّ. كبيراً كان أم صغيراً، رجلاً أم امرأة. وفي لُبّها حرص على استمرارية موضوع السيطرة وعدم القضاء عليه، خلافاً للنكروفيليا [حب الموت]. و”السيطرة الكاملة على إنسان تعني شلّه، وخنقه، وإحباطه” … وتاريخ السادية الشهير يُنسب إلى الأديب الفرنسي ماركيز دو ساد، الذي صورت أعماله اللذة السادية في الأفعال الجنسية لدى شخوص رواياته. 


– قد يتبادر إلى ذهن أحدهم أن السادية محصورة في الجنس. إن السادية في أصلها عدوان قبل أن تكون جنساً، كما يقول الدكتور مصطفى حجازي. ويفهمها على أنها – أي السادية – هرباً من مازوشية داخلية، من مشاعر الذنب التي تهدد وجوده.


– إن العدوان الذي هو سبب للنتيجة (=السادية)، هو في الأصل نتيجة للقهر الذي يعيش في جحيمه الفرد. القهر الذي نتج عن كبت عدوان خارجي، وتسبّب هذا الأخير بإحباط واضطراب في تحقيق الإنسان نفسه. ونقصد بتحقيق الإنسان نفسه أي قدرته على إيجاد معنى/قوة من حياته الفيزيقية والروحية والفكرية، وكذلك إمكانيته على خلق هذا المعنى/القوة من ذاته وفي ذاته. ومتى ما حصل اختلال في أي من الثلاثية السابقة، فقد أعلن القهر سطوته، وبدأ في عملية تحول الإنسان السّويّ إلى إنسان مقهور. يقول الدكتور حجازي في كتابه [التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور]: “إن فشل تحقيق الذات، فشل الوصول إلى قيمة ذاتية تعطي للوجود معناه، يولّد أشد مشاعر الذنب إيلاماً للنفس، وأقلّها قابلية للكبت والإنكار. هذه المشاعر تفجّر بدورها عدوانية شديدة تزداد وطأتها تدريجياً بمقدار تراكمها الداخلي. وعندما تصل العدوانية إلى هذا الحد لا بد لها من تصريف يتجاوز الارتداد إلى الذات وتحطيمها، كي يصل حد الإسقاط على الآخرين”.


– يُشير الدكتور حجازي في ذات المصدر إلى ما أسماه [قلق الخصاء]. يحصل بتأثير خارجي (=أي قوة خارجية مسيطرة)، ويسبب شعوراً دائما بالتهديد، كذلك مشاعر العجز والنقص وعدم الاكتمال، وتأخذ فرصتها في الزيادة، حتى تصبح تلك المشاعر ما يميّز ذلك الإنسان المقهور، إنسان المهانة. فليس بوسعه أن ينزل نفسه منزلة المتسلّط، ولا حتى المقارنة. وأقتبس مما قال في ذلك: “قلق الخصاء يزعزع كيان الإنسان المقهور ويخل بتوازنه، فهو يولّد الآلام المعنوية التي لا تحتمل والتي تمس صورة الذات وقيمتها، وتصيب الاعتبار الذاتي في الصميم. ولذلك فإنه يميل إلى فقدان الالتزام تجاه هذه الذات التي لا تحظى بالاعتبار من خلال الغرق في الرضوخ والتبعية والاستسلام، التي تأخذ جميعاً معنى عقاب هذه الذات المبخسة وتحطيمها”.


– في هذا المقام، كم يبدو نيتشه محقا حينما قال في كتابه [إنسان مفرط في إنسانيته – الجزء الثاني]: “نكره الشيء الجيد حين لا نكون في مستواه”. فالعدوان والكراهية، وإنْ اختلفا في أصلهما، ولكن فيهما تترعرع الأنا وتتضخم.


– يعدد علماء النفس أنواعاً كثيرة للسادية، فهناك السادية الجنسية، والسادية اللفظية، والسادية التملّكية … إلى آخره. في هذا المقال تحديداً، قصدت تحديداً السادية اللفظية أو الكلامية.


– إن الجدال السقيم، الممرض، العقيم، الذي لا يُرجى منه سوى إحباط الآخر، وممارسة القوة والضغط عليه، هو ما نرمي إليه هذا المقال. نحن بحاجة ماسة إلى نتعرّف على السبب الذي يقوم عليه النقاش الذي نحن بصدده، كي نتخذ قرار المتابعة؛ إنْ كان جدالاً هادفاً خاليا من أجندة مريضة، أو قرار الانسحاب. أو ربما، كما يذهب شوبنهاور، تدمير الآخر الذي، يعي أو لا يعي، ممارسته للسادية في الجدال.


– إن إحدى الإشكالات المتعلّقة بالجدل، وتحديداً عندما يتحوّل إلى مبارزة كلاميّة، هي عندما يتحول تفكير أحد الطرفين أو كلاهما، إلى ما أسماه إريك فروم بـ[التفكير الزائف]. وخطورته تكمن في أن التفكير الزائف قد يكون عقلانياً ومنطقياً، وليس يظهر عليه أي ملمح تشوّه أو تتخلله ثغرات، في غير مرّة. ولكنه أشار إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي ضرورة الأخذ في الحسبان الحالة السلوكية والشعورية والدوافع السيكولوجية لدى الشخص نفسه، عندها نستطيع التعامل مع الموضوع بشكل أكثر شمولية. يقول فروم في كتابه [الخوف من الحرية]: “ليست النقطة الحاسمة هي ما يجري التفكير فيه، بل كيف يجري التفكير فيه”. وكذلك يقول مؤكداً على ما سلف في كتابه [تشريح التدميرية البشرية]: “إن القاعدة السلوكية العامة التي فحواها أن السلوك القابل للملاحظة هو المعلومة التي يُعتمد عليها علمياً ليست صحيحة على الإطلاق. فالحقيقة هي أن السلوك نفسه يختلف اعتماداً على الدوافع الاي تحرّصه، ولو أن هذا الاختلاف قد لا يكون بائناً لدى المعاينة السطحية”.


– إن الشعور والدافع الداخلي لدى ذلك الإنسان المقهور -الذي قد يكون أنا وأنت- على أن يكون دائما على صواب، بأي ثمن كان، ودونما كثير تحقق وتأمل عن حيثيات الموضوع، ليس شيئا آخر، حسب رأي آرثر شوبنهاور، غير التعبير عن [فساد النوع الإنساني].


– إن طبيعة الحوار السادي الذي يقوم بين اثنين ساديين هو مجرّد محاولة للسيطرة على الآخر وإثبات الذات، وتغليب ما يسميه شوبنهاور [الكبرياء الفطرية] على حساب الموضوعية. “إن الكبرياء الفطرية سريعة الانفعال لاسيّما في ما يخصّ الملكات العقلية، إذ ليست تقبل أن يظهر إثباتنا كاذباً، وليست تقبل أن بكون إثبات الخصم صحيحاً” … إن ذلك الحوار ما هو إلا جدل مرائي [مشاغبي]. يستخدم في الطرف المسيطر كل السبل، المشروعة وغير المشروعة، الأخلاقية وغير الأخلاقية، الصادقة والكاذبة، من أجل شيء واحد، وهو الإطاحة بالآخر. “بهذه الطريقة يتعاضد ضعف ذكائنا وفساد إرادتنا تعاضداً تبادلياً”.


– أن تكون منقاداً بفعل العدوان نحو العمى، يعني أنك لا تهتم بصلب موضوع الجدال، بل بطعم وحلاوة الانتصار وقهر الآخر وإحباطه .. يعني أنك لا تكترث سوى لحلاوة أن تكون دائما على صواب. لذلك فقد أُعجبت بما قاله شوبنهاور ملخّصا المسألة: “أي شيء هو فن أن نكون دائما على صواب، إن لم نكن في أعماقنا على صواب أو لا؟ إذن، إنه فن الوصول إلى ظاهر الحقيقة دون الاهتمام بموضوع المطارحة”.


– للفيلسوف المتشائم آرثر شوبنهاور كتاب غير مشهور عنوانه [فن أن تكون دائماً على صواب]، وهو عنوان ساخر بامتياز. ابتدأ كتابه بتأصيل عميق عن سبب قيامه عليه، وتفصيل شديد عن ميكانيزم الجدل المرائي العبثي. وقد أحصى شوبنهاور ثمانية وثلاثين طريقة أو حيلة يتذرّع.


– كلمة على هامش الموضوع: كنت عند نهاية شرح كل حيلة والأمثلة عليها، أضحك. إن ما يقدّمه هذا الكتاب يُشبه الجدل اليومي الذي نشهده، أو نكون طرفاً فيه. يمكن أن أُلخّص تجربتي مع هذا الكتاب في جملة واحدة [ضحك هرباً من البكاء].   


-في كل مرة يزداد يقيني بما قاله جان جاك روسو -كتاب [أصل المساواة بين البشر]- يزداد معه ألمي، يقول: “لقد وُلد الإنسان حرّاً؛ لكنه مُقيّد بالسلاسل حيثما كان”.


– باتت مهمة الشخص اليوم صعبة للغاية؛ يتحتم عليه إدلاء رأيه في كل خبر! العالم بحاجة ماسّة إلى رأيك، فأنت خبير في جميع المجالات يا صاح! .. ولكنك -بكل أسف- قد نسيت أنّ “الاقتصاد في الكلام هو الاحترام الذي يقدمه الشخص لأعماق ذاته اللامتناهية”.


– وإذا كنت يا صاح من محبي اللهث وراء الحلول، ولا تعجبك هذه الطريقة في طرح الآراء، فابحث عن مقال سابق كنت قد كتبته بعنوان [فلتقل خيراً] عن العفة اللفظية .. ففيه قد تجد ضالتك.

– نهاية أقول: مما يستدعي السخرية ويثيرها، أن كل واحد سيسعى إلى الدفاع عن قضيّته مهما تطلّبه الأمر .. وإن بدت له كاذبة أو مشكوكاً فيه.

مجتزأ من: رسالة من صديقي المكتئب



لقد مرت قرابة أربعة أشهر منذ بدء حالة الكآبة هذه. أشعر وكأن شيئا لم يتغير فيّ .. وكل شيء قد تغيّر في مَن حولي!
حالتي تزداد سوءاً مع مرور الوقت، إنها تحفر وتحفر، لتنتشر. هذه الفجوة التي تُركَتْ بداخلي تكتظّ بصدى أصوات لا أعرف مصدرها .. تصدع وتضرب شمالا وجنوبا !
كل ذلك، بالنسبة لي، موضوع متفهّم، فالشعور من جنسِ شعور يسبقه ..

دائما ما كنت أتخوف وأرتعب من إتيان يوم، أستيقظ فيه من نومي دون إيجاد سبب ينتزعني من برودة مرقدي، ويلقي بي في حضن العالم، فيبعثني، مع شمس كل صباح، إنساناً حياً ومُحْيِياً، يرى الحياة في كل مظهر من مظاهر هذا الوجود – على أقل المقاييس. وأنشر إكسير الحياة لمن يحيطون بي ومن يختلطون بأنفاسي … وقد تحقق خوفي من ذلك اليوم الكئيب، بل ولا يزال يتردّد يوما بعد آخر. 

يا صديقي، إن الصدر الذي لا يُسمع فيه سوى الصدى، مهجور مهجور مهجور ..

حدثني قلبي مرة فقال: ما زلت أخفق، ولم أفقد الأمل في استعادة أيامنا الأولى، ولحظاتنا البِكْر. كنا هانئين بطريقة عيشنا، كنا نخطو خطوات مرتّبة ومتزنة وخفيفة، ولكن عفوية. كنا نحب المشي أمام بحيرة الحب كل مساء، هكذا تستثير رغبتك في الكتابة، وتتفجر غدد الإحساس عندك. كنا لا نرى الظلام حتى في أشدّ الليالي عتمة. كنا نجول الأرض وحدنا، ولا نخشى افتراس الغربة. وكنا نجيد التغريد بطلاقة، لا أذكر أننا نشزنا عن لحن الكون، ولو لمرة. كنا .. “كنا طيبين وسُذَّجا”. لقد تغيرْتَ كثيراً، حتى أنني لم أعد أعرفك … إنه ليؤلمني كم كان محقا فرناندو بيسوا عندما قال في كتابه المستحيل [لست ذا شأن]: “كم هو قاسٍ أن لا نكون أنفسنا وأن لا نرى إلا ما يُرى”!

كان هذا آخر حوار دار بيننا، قبيل شهر. فقد هجرني قلبي هجراً جميلاً، وقطع عني أحاديث النفس. كان يمكنه أن يتوقف، كان بمقدوره أن يعترض بطريقة أكثر جرأة وأنانيّة، كان يمكنه أن يقفز للمشهد الأخير من المسرحية، ويرتاح. 
ومنذ ذلك الحين، وأنا أتوق سماع لأحاديث قلبي التي كان يزاورني بها وأنا في غياهب جُبّ الحزن.

لقد هجرني الربيع، ولم يسكنني مذّاك إلا الشتاء …

يحتاج الإنسان إلى من يستأنس بوجوده معه. يريد من يسمع حكاياته السخيفة ويستمع إلى أحزانه وخلجاته. يحتاج جليسا يضحك لطرائفه وسخائف مجريات الحياة اليومية. ولا يستغني عمن يتفقّده ويفتّش عنه حين يغيب، أو حين يغيب متعمّداً، بحثا عن سؤال قريب وحنانة حبيب.

دعني أخبرك بأكثر موقف تراجيدي قد مرَّ عليّ طيلة حياتي الكئيبة كلها. كنت صاحب دور البطل والضحية في مسلسل حزني العامر، وكان مشهد الختام مهيباً. ميزان يحمل حزن العالم أجمع في كفّة، وحزني وحده في الأخرى، ورأيت الكفة التي حملت حزني تهوي إلى ما بعد الأرض السابعة .. يا لعذوبة هذا المشهد، لم أتمالك نفسي أمامه. لقد فشلت كل خيبات العالم في الصُّمود أمام خيبتي !

تحكي أحداث المسلسل أسلوب الحياة داخل مدينة الحزن. إنّ كل شيء فيها مُؤمَّنٌ لك، ولكن المعجزة أن تتمنّى! فلا أحد يجرؤ على التمنّي في حضرة الحزن! هذه أحد المفارقات العجيبة التي وجدتها على هذه الأرض. مكتوب على باب المدينة: لا ضحك هنا ولا فرح، واحذروا الابتسامة، ولو كانت صفراء. فإن حساسية كاوس، الإلهة الأولى، مفرطة تجاه الفرح. وفي حال أن حبلت كاوس ، سيولد حزن جديد .. حقاً، إنه موقف لا يُحسد عليه الأب!

في مدينة الحزن، كل شيء يكسوه جلال اللون الرمادي. إن للرمادي سحر لا يضاهى!

فور دخولي المدينة، أتى باص ليقلّني وباقي السُّوّاح إلى الفندق. استقبلنا مدير الفندق، واحتفى بنا على طريقتهم وطبق عاداتهم. لم أعرف أكان شابا يرتدي وجه كهلٍ، أم كهلاً أضاع الموتُ طريقه عنه.
في هذا الفندق، لا توجد نشاطات جماعية أبداً. وكأنهم يقصدون إبقاء كل واحد منا مواجها ذاته …”وليكنْ”، قلتُ في نفسي.
دخلت إلى غربتي، أقصد غرفتي، فإذ بي أجدها ملء الطابق الحادي والعشرين بأكمله. وجدت عدة مفاجآت بائسة بانتظاري. سأذكر لك منها اثنتين، كانتا الأقرب إليّ. حوض جاكوزي العذابات، ومسبح كبير معبأ بالذكريات، واختاروا لي خصيصاً أسوأ الذكريات.
هنا، في مدينة الحزن، أشعر بأني سجين بلا سجن ولا سجّان. لم أعد أحتمل مكوثي في هذا الفندق الزنزانة لدقيقة أخرى. لقد اهتمّ مصممو الفندق بإحباط كل وسائل هرب نزلاء الفندق. فكان تخطيط أدوار النزلاء يبدأ من الدور الثالث عشر. بمعنى آخر أكثر وضوحا، إن من سيغادر هذا المكان، لن يكون بمقدوره أن يعيش سوى في الذكريات.
يا صديقي، إن الإنسان كائن مثير للتعاسة وجالب للمحزنة، ليس لذاكرته نصيب من استرجاع الذكرى الأصدق والأعذب، اللحظة البتول، الصرخة الأولى، ولا تكبيرة الصلاة الأولى. وليس ينفعه تذكر اللحظة الأخيرة، لحظة الرحيل. لذلك اطمئن، سوف أتخلّص من نفسي عما قريب، وسأغادر هذا العالم.

أتذكّر آخر كلمة قلتها لي قبل أربع سنوات، يوم التقينا في الرّيف: “اصرُخْ، يا صاحبي، لأعرف أنك حيّ”. حاولتُ يا صديقي، حاولت مراراً أن أصرخ بكلمة، بآية، بأغنية، بتعويذة، حاولت أن أصرخ بكل اللغات .. كنت أصرخ “ولا يخرج مني صراخي”.

لم أستطع الاستمرار في قراءة بقية الرسالة، فقد كانت موجعة أضعاف الوجع المنثور في الجزء المذكور. وإنْ تمكّنت من ذلك في وقت ما لاحق، فلا أظن بأن نشره سيكون فعلاً أخلاقياً.
بعدما أخذت قراري هذا، عدْتُ لقراءة كتاب شذرات لأديب كان يعيش على كوكب مجاور للأرض. ويا لَلْموافقات السعيدة، وجدتني أمام سطور كأنها كُتبتْ لصديقي المكتئب، فأرسلتها له دونما تردُّد:
يا صديقي المكتئب “كن بسيطاً. ما لي أراك تتحدث كما لو أنك من المرسلين. اخلع عنك مهمازات الترفُّع، وانزل من علياء الألفيات الثلاث المقبلة، عِشْ ما دمت حياً، ولا تُقحم نفسك في حقبة أنت على كل حال لا تنتمي إليها، دَعْ النوايا تخلد إلى النوم، انْسَ الاسم، انس نفسك، وانس موتك!”.
ثم قلتُ له: سأهديك هذه النصيحة التي تعلّمتها من معلمي عندما زرْته في جزيرة سيشل، وهو شيخ طاعن في الحكمة، وأحد تلاميذ بوذا الحكيم. قال لي: لقد ضيّعت نصف حياتي مُحاولاً أن أعثر على الحياة. وفجأة؛ وجدتني. كان الأمر في غاية البساطة والغرابة في آن. كل ما كان عليّ فعله هو أن أُسقِط [محاولاً] من الجملة السابقة. كذلك عثرتُ على الحياة ..
اعلم يا صديقي الحزين أنك عندما تملك نظرة أكثر رويّة وحكمة، ستتفاجأ كم كان القدر سخيّا معك!!


فأرسلت الرسالة له، ولا أدري إن كان ما يزال في غرفته بالطابق الحادي والعشرين، أم أنه قفز في طريقه إلى …

مجتزأ من: رسالة إلى صديقي البعيد الوحيد

 

لكل صديقين مقربين طقسٌ خاص يجمعهما، يختلف تماماً عن الطقوس والعادات التي تجمع الواحد منهما مع صديق آخر. وعندما أتحدث عن طقسي أنا وصديقي البعيد الوحيد هذا، فأنا أقصد مراسلات الصباح. وقد مضى وقت طويل على آخر مرة اجتمعنا فيها، ولا أبالغ إن قلتُ أنني لا أتذكر آخر مرة تلك !

استيقظت ذات صباح وتناولت هاتفي وأرسلت له: 

عندما يصبح كل شيء مألوفاً ..

عندما تتساوى أخبار الفرح والترح ..

أعلم أني قد غرقت في بحر الوحدة !

كل شيء يغدو فاقداً معناه حين تغيب ..

كل مشهد حياة يستحيل عدماً حين تغيب .. 

لا شيء هنا سوى شوق مؤلم …

نعم، إن البعد شتاؤه قارس !

نعم، إن شتاء البعد قارس !


عند الحديث عن المراسلات، هنالك أمر واحد يزعجني، وهي لحظات الترقُّب والانتظار، فأصبح مثل محمود درويش حينما قال: “في الانتظار، يصيبني هَوَسٌ برصد الاحتمالات”. كلنا يجيدُ السباحة في الخيال أثناء الانتظار …


فأرسل لي صباح اليوم التالي، يقول:

منذ صبيحة يوم العيد يا صديقي، وأنا لم أبرح مكاني إلا قليلاً، بسبب المرض. مضى يومان دون أن أحتفل بالعيد، أو أبارك لأحد. لم أهنأ بوجبة فارهة تليق بهذه الأوقات من السنة، كل ما أستطيع تناوله هو نصف رغيف مع كوب دافئ من الشاي.

يمضي اليوم بتثاقل شديد، تمر الساعات ببطئ ممل. أتذكّر أنني لم أتحدث إلى أحد خلال يومين! فأتساءل: هل جُننت أم ليس بعد!؟ ثم أضحك من جرأتي على سؤال كهذا!! … عندما تكون وحيداً، لا سبيل سوى أن تكون حنوناً مع نفسك ..

وتراودني فكرة، تُرى هل هذه بوادر الإقبال على عامٍ جديد!؟


فبعثت له برسالة قلت فيها:

لقد مضى وقت طويل يا صديقي على عزلتك. وقد يكون سبب حالك هو إصرارك على أن تبقى بعيداً وحيداً ..

جرّبت الوحدة لأسبوع ثم كفرت بها، ففي الوحدة كل شيء يصبح بارداً. مشاعري باردة. نبرة صوتي، نظراتي، ردود أفعالي. الأمر لا يشبه سكون العزلة في شيء. ففي حضرة السكون تصبح الأفكار متّسقة وأكثر انتظاماً، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر. إن تردّد إحساسي بهذا البرود، صقل فيّ براعة التنبؤ بقدومه. أشعر بنبضات قلبي وهي تصارعه، ألم أقلّ لك سابقاً إن النّبض أُمِّيٌّ في تزوير المشاعر!؟ .. إن جمود المشاعر حربٌ يقيمها القلب علينا لكي نستيقظ، لكي نتحرّر من حالة الموات التي أحقمنا أنفسنا فيها.

أنا الآن في المقهى، للتو فرغت من كتابة مقالتي الأسبوعية. أنظر من حولي، فأرى مجموعات عديدة. هنالك ستة شبان يتحدثون عن مشروع يدرّ المال عليهم. وعن يميني، ثلاثة كهول، عبثت الحياة بملامحهم أيما عبث، فقرّروا عقد هدنة مع مسؤولياتهم، ويمضون وقتهم بلعب الورق … ما زال شعور البرد يحاصرني. صوت عن شمالي يوسوس لي: ذلك هو برود الوحدة يا عبدالرحمن! .. فأضحك هازئا منه، وأقول: أظن أنه كلما غرقت في الوحدة أصبحت أقل عنفا .. وأكثر صبراً.

ولكن يا صديقي، متعةٌ هُمُ الناس .. يعرف هذا جيداً من سُلبت منه الفرصة، رغماً عنه، لا باختياره. وأذكر الكاتب المصري مصطفى أمين أنه قد صدّر كتابه [مسائل شخصية] بمقدمة رائعة تناول فيها مختلف المعاني التي وجدها من الناس الذين خالطهم طيل حياته، فهنالك من هم كقطع الشطرنج يُحرّكون ولا يتحرّكون، وهنالك من تمر الرياح وألوان قوس قزح من خلالهم من شدة شفافيتهم .. أقتبس منه: “أجمل ما في الدنيا هم الناس، متعتي الكبرى في هذه الحياة أن أعرف الناس، أن أعرفهم من الخارج والداخل، أن أدرسهم وأحبهم، أحببت الكثيرين ولم أكره أحداً، كنت أعامل الذين يكرهونني كأنهم مرضى، وأدعو لهم بالشفاء، وكنت أعطي عذراً للطبيعة البشرية، وأعذر الفاشل الذي يحقد على الناجح، وأعذر الضعيف الذي يكره القوي، وأجد مبرراً للفئران عندما تمقت السباع! 

عرفت أقزاماً كالعمالقة، وعمالقة كالأقزام. عرفت أقواماً طوالاً عراضا من خارجهم، وصغاراً متضائلين من داخلهم، عاشرت الملوك والصعاليك، وعرفت صعاليك لهم طباع الملوك، وملوكاً لهم أخلاق الصعاليك، عشت مع النجوم في سمائها، ورأيت حولها الشياطين أكثر من الملائكة، وعاشرت الفاشلين… ورأيت مواكب النصر تحف بها الطبول والزمور والهتافات والزغاريد، وشهدت مآثم الهزيمة تنهمر منها الدموع وأصوات البكاء والعويل”.


فتركني صديقي قرابة أسبوع دون أن ينطق بحرف واحد. ثم عاد وبعث لي برسالة في آخر الليل، على غير عادتنا، قال فيها: 


أبحث عن حروف .. أبحث عن كلمات أنثرها على صفحة رسالتي البيضاء، ولكن الفوضى تعبث برأسي. لا شيء سوى الفراغ. الأمر يكاد يزج بي في سجن الجنون.

قلبي يرفرف لا أعلم ما شأنه. عقلي فارغ يلهث من شدة الجوع. يداي الهزيلتان تحاول التقاط الأفكار من الهواء بلا فائدة.

في الليل لا أجيد سوى النواح، وأحاديث النفس. أفكر فيما سأفعله في الغد؛ لا شيء جادّ بانتظاري. أنظر مليّا داخلي .. فأتيقّن مجدداً أن انشغالي قد استنزف مني الكثير. كنتَ محقا يا صديقي، لقد أتلفتُ عديداً من اللحظات الفاخرة بسبب إفراطي في التفكير والوحدة.


ولكن حقٌّ هو ما أنشده محمود درويش حين قال: “يكفي أن تكون وحدك لتصبح قبيلة”، فالجنة حينما تكون بقربك وبصحبتك فرحا، لا شيء يعكر صفو مزاجك، على الرغم من كل ما يحدث في محيطك وفي أرجاء البسيطة.

يا صديقي .. “في داخلي شُرْفَةٌ لا يَمُرُّ بها أَحَدٌ للتَّحيَّة” ..

وقد قررت أن أحيا في تلك الشُّرفة، دون أن أتزحزح عنها شبرا ..

فالوحدة دواء المكتظ بالعبث .. ونداؤها؛ إذعان لترتيب داخلي !

وفي الوحدة كل شيء يبدو جميلا .. عدا الوحدة ذاتها ..

لقد حملتُ نفسي على الوحدة بعدما أيقنت بأن لدي لسان لاذع! .. لقد غرسَت الحياة في لساني الشوك.


ولا تثقل عليّ يا صديقي بالمواعظ، فأنا أوبّخ قلبي كل ليلة على هذه القسوة التي حملني عليها. وسألت نفسي: ما أعظم ما أخشاه!؟ فأجبت دونما أي تردد: الوحدة .. أقصد بها؛ أن يأتي يوم أحتاج فيه إلى صديق أصيل، يحتاج فيه قلبي إلى جاره القديم. تلك لحظة الوحدة الحقيقة!


من اكتفى برفقة الوحدة .. لن يجد مستقبلا سوى الشيطان !

مجتزأ من: رسالة إلى صديقي العجول

  

إنْ تريّثت قليلاً وتأملْتَ في الأمر، لوجدتَ أنك قد مررت كثيراً بتلك الحالة، فهي أمر غير مستغرب ولا مستبعد .. ولست أنا من جزم بأن العجلة مركب إنساني بامتياز !

صدقني يا صديقي إن عجلتك هذه نادراً ما تأتيك بخير .. فانظر إلى حالك في استصغارك للفرحة، وفي تعميمك للتعاسة. حتى وإنْ كنت محاطاً ببستان ممتلئ بالنعم والخيرات، فبمساعدة من جزعك، وبأقل مجهود منه، يستطيع أن يحرق ذلك البستان، لتستحيل خضرته رماداً. ويكأن جزع الإنسان إعصار جبّار جارف، قادر على اقتلاع أعمق جذور الأمل !!


مهموم أنت يا صديقي بحال الناس، تنكسر لكسرهم، وتُجرح لجرحهم، ، ولكن جرحك يعود ليُزهر ويزهو لفرحهم وسلواهم .. هذا أعذب وأعجبُ ما فيك !


ولكنك تستعجل كل شيء، حتى أنك تستعجل مستقبلك. يوماً قلت لي أنك ترى في نفسك أنك ستدرس في تلك الجامعة المخملية بأمريكا، وستتزوج من امرأة هي أجمل من جميع عارضات دور الأزياء، وستنتقم من زملائك الذين جعلوا منك أضحوكة في مقاعد الدراسة، وستثبت لوالديك وللناس أجمعين أنك فوق ظنونهم، بل فوق طموحاتهم الذاتية .. تخدّدت راحة يدي وقلت لك أنني أتخيّل نفسي أغنيةً … نصمت لدقيقة .. وأعود فأقول: ولكنني تراجعت بعدما قرأت فرناندو بيسوا يقول: “روحي أوركسترا سريّة، أجهل أي آلات سأنقر وأي منها ستصرّ داخلي. لا أعرف نفسي إلا بصفتي سمفونية” … وضحكتَ ليلتها مما قلتُه حتى بكيتَ. 


يا صديقي العجول، إنما الأمر كما قال الحكماء: إنما الحِلم بالتحلّم، والعلم بالتعلّم، والصبر بالتصبّر .. فروّض عجلتك حتى لا تغدو مركبة لها !


سأتلو عليك قصة تركتها في يومياتي، وزيّنت تلك الصفحة بألوان الصبر والشجاعة.

في إحدى ليالي المناوبات في المشفى، قابلت الممرضة “شيجي” من الهند، تبدو وكأنها في أواخر الأربعينات من عمرها، كنا نعمل معا من أجل إصلاح عطل في جهاز يمرر مسكّن الألم “مورفين” إلى السيدة تهاني، بعد عملية مرعبة دامت ست ساعات. 

 “سأصبر ولن أجزع، سأظلّ أعمل هنا في هذا المشفى تحديداً، حتى أتمكن فقط من تغيير ما يحدث من ظلم وتشوّيه” هكذا قالت لي الممرضة “شيجي”، وأخبرتني بأنها لا تريد لأجيال التمريض القادمة أن تُعامل بهذا الأسلوب المهين اللاإنساني الذي نعاني بسببه. إنهم يُقايضون كرامتنا بمرتبنا الشهري المتدنّي، الذي بالكاد يصل إلى نصف ما تتقاضاه، وأنت ما زلت في أول سنة لك كطبيب مقيم.

أنا أعرف حق المعرفة، بأن صديقاتي في أماكن أخرى يعيشون حياة سعيدة ورغدة. وأنا هنا أشبه بِعَبْدةٍ أحياناً، أو شاة في أحيان أخرى، يُسيّرونها كيفما شاؤوا .. ولكنني لست من النساء الضعيفات، اللواتي يهزمْنَ بكلمة، فلن أنسحب ولن أجْبُن أمام بؤرة الفساد الواهنة هذه. سأفعل ما بوسعي، من عمل، وقول، ودعاء ..

لنا رب واحدٌ، جميعنا يؤمن بوجوده، وليس لأني لست مسلمة مثلكم لن يسمعني، هو يسمع دعائنا كلنا، فكيف بدعاء مكروب يكدح ليفرّج عن مرضى أبرياء لا يعرفون مصيرهم. أنا حقا مشوشة، ولا أدري كيف يذهب هؤلاء الخونة إلى مرقدهم مرتاحين البال، وقريري الأعين!؟ أي صلاة تلك، وأي إيمان يتحدثون عنه، وأي دين يعتنقون !! .. ولكنني متيقّنة بأن ثمة شيء يمكنني تغييره. ربما تسرّعت في اتخاذ قرار المجيء إلى هذه البلدة، ولكنني لن أغادر سريعا ..

أذكر أني لم أتفوه بكلمة إلى طلوع شمس اليوم التالي. ما فعلته الممرضة ليلتها ذكّرني بتقاليد الهنود الحمر قديما. كانوا بعد أي هزيمة أمام معتد، يلقي زعيم الهنود الحمر خطاباً أبيّاً أمام شعبه والأغراب المعتدين. لا أظنني سأنسى خطاب “شيجي” ذاك، لقد كان خطابا انتصاريا عقب هزيمة نكراء … 

وقبل أن أغادر الجناح الجراحي، ملأت عيني بهذه المرأة الحكيمة .. وقلت لنفسي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن التضحية والحكمة والجلْد !

وها أنا الآن أقول لك يا صديقي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن الصبر، وما زلت ليّنا أمام العجلة !

قد تتساءل الآن: ما علاقة هذه القصة بك؟ لا توجد علاقة مباشرة، ولكنني أعاقبك على عجلتك التي جعلتك لا تستمع لشيء مما أقول أو أشعر .. نعم إنّ هذا تصرفٌ أنانيّ مني.


كي تعيش ..

يتوجّب عليك فعل أشياء عادية، تماما كالأشياء التي يفعلها معظم الناس، يستطيع أي أحد أن يسديك إياها كخدمة ..

ولكن .. ليَثْبُتَ لك أنك قد عشت حقاً !! فينبغي عليك ألا تحس اليوم مثلما أحسست بالأمس.

عجلتك هذه ستسرقك إحساسك باللحظة التي انشغلت فيها بطلب أخرى .. ويا حسرتك إن لم تجدها، فتكون قد سلبت عمرك لحظتين !


لاحظتُ عليك، في أيامك الأخيرة، أنك بدأت تفقد لياقة العيش في هذا العالم .. فانسحابك قد كثُر، وعبوسك فاض وانتشر، وألوانك تكدّرَت بالشؤم. وبهذه المناسبة، كتبتُ لك هذه الترنيمة، فخذها، وانطلق بها صوب البحر، واهمس: يا روح أيوب .. خذي بيديّ إلى آخر شوكة في هذا المنعطف، والقِ بي عند التقاء الطريقين .. فإني ضقت بي منذ أن اتسعت العجلة !

نشيد الكُتّاب اليومي

 


– ما من شيء جديدٍ في المكان الذي أعيش فيه، كل شيء كما هو، لم يتغيّر منذ أن خُلقت. ولكن الغياب، هو ما يضع نظارات أمام عينيّ. فأرى بها الواقع بشكل مختلف، أرى صورة أكثر وضوحاً .. كذلك الأمر مع الكتابة، فهي تُعلّمك مشاهدة الأشياء بطريقة أخرى، طريقة جديدة .. الكتابة تُعلّمك التجريد.


– لقد فقدتُ السيطرة على ما أكتب، وأعني بذلك تحديداً، هذه السلسلة من المقالات، ما أسميتها [مقالات الامتياز]. وأنا لا أُزكِّيها على غيرها، ولا أزعم بأنها تمثّلٌ للحقيقة .. فالحقيقة، شئنا أم أبينا، خارج نطاق قدرتنا أو إمكانياتنا. سأكون كاذباً من العيار الرخيص، إنْ قلتُ يوماً أنني -بهذه المقالات- أحلّ مشاكل العالم. وسأكون أكذب إنْ زعمْتُ أنها موجّهة لأحدٍ سواي. إن الكاتب الأصيل لا يبحث عن المشاكل ليحلّها، بل يبتكرُ سبلاً جديدة للعيش، ويخلق حيوات أخرى يحيا فيها وبها، وله -دون غيره- رئة ثالثة ورابعة ومائة … وبعد كل ذلك يتساءل “إنْ كان ما يفعله يستحق العناء”!


– أكتب كلاما كثيرا، ولا أعبأُ بالتفكير إنْ كان ذاك الكلام لم يعثُر على الكلمة، “تلك الكلمة التي تقول كل شيء، وتبرّر كلّ شيء”، كما قال الأديب كارلوس ليسكانو. 


– هامش: إنني أتضايق كثيراً في كل مرة تقترف يداي ذنْب كلمة [كُل]. إنّ قداسة هذه الكلمة أكبر مما ظننت أبداً. إنّ [كُل] لا تليق بالبشر، فهم هزيلون ونسبيون أمامها!


– عندما تصبح طموحاتي ككاتب أكثر تواضعا، تتحول المهمة إلى موضوع يسير. فالكتابة بشكل أو بآخر، تعرف على الذات. والتعرف على الذات لا يحتاج إلى احتفالات ومهرجانات …


– إن من يدعو نفسه كاتباً، من خلال إثارة الأخبار، وزفّ الجعجعة إلى أسماع الناس، قد ابتعد عن السبب الذي بدأت من أجله الكتابة .. إنه بفعلته تلك قد صنع من نفسه رمزاً ليّناً، يتلقفه فم عابر طريق، فيلوكه حتى يكلّ أو يملّ، ثم يبصقه علناً دون أدنى اكتراث. كم أنت تستحق الشفقة أيها الكاتب المأجور بهتاف الجمهور، فقد أهنت نفسك. أما الكتابة، فلا خوفٌ عليها، فهي تَمْكر وتَكِيد لنفسها.


– يحتاج المرء لأن يتجرّأ ويتفوّه بحماقات قد تؤخذ عليه مستقبلا! ولكن ما يتبقّى له من عزاء، أن يقول لنفسه: ما زلتُ أشقُّ طريقي نحو النضج ..


– لطالما كنت أمقُت الكتاب الذين يستخدمون أسماء مستعارة ليكتبوا من خلالها. ألست تملك شجاعة كافية لتظهر باسمك الحقيقي؟ هل تخشى أن يرى الناس تاريخ كتاباتك المهترئة؟ ألستَ تراهن على النهاية؟ … ولكنني مؤخراً اكتشفت أن الأمر يتجاوز ذلك. أن تكون قادرا على خلق آخركَ الكاتب، هو أعظم تحدٍّ قد يواجهه أيّ كاتب !! وكما قال كارلوس ليسكانو في [الكاتب والآخر]: “الكاتب هو العمل الأعظم للكاتب. الكاتب هو اختلاق. لأنه يبني صورته، ويعيد بناءها بلا توقف. لأنه هو ذاته عمله الأساسي”، فكيف بمن يقوم بخلق أكثر من شخصية كاتب داخله!؟


– لقد فقدت توازني عندما قرأت هذا النص لليسكانو وهو يصف الكاتب وعلاقته بآخره: “أن تكون كاتبا يعني أن تتوقف عن أن تكون ذلك الذي كنته دوما من أجل أن تصبح شخصيّة. أما الآخر، الغريب عن ذاته إلى الأبد، فسيمضي فاقداً ملامحه، وحضوره، وصوته. لن يتكلّم بعد الآن أبداً باسمه إلا أحيانا، حين تكون الشخصية ضعيفة، حين تسهو. وعندها، للحظة، يُحدِّث الآخر نفسه، وحيداً، ينظر إلى نفسه، يرى ذاته كما هي، لأنه يعرف في أعناق روحه أنه كائن. يشعر الآخر أن أحداً احتل حياته، لكنه لا يملك أن يُغرق الشخصية في الصمت، إلا إذا غير حياته، واسمه، ومكانه. وحتى هذا قد لا يجدي نفعاً. ففي كل لحظة تعود الشخصية لتمسك مرة أخرى بزمام الأمور. لأن الآخر يحتاج له. لأنه يحتاج إلى طريقته في رؤية الأشياء، وفي الوجود في العالم. لأن الخادم (=الكاتب) لا يعيش لابتكاره فقط بل بفضله أيضاً. لأن المُبْتَكَر هو الذي يمنح الأشياء معناها”. 


– يمكن تعريف أي كاتب بريبورتاج قصير من جزئين. فأما الأول، فمشهد الكاتب وهو يتحدث عن رغبته في “ترك شهادة على الحياة، من أجل الإمساك باللحظة، من أجل الصراع ضد انسياب الزمن، كي لا يشعر بأن لا شكل له”. وأما الثاني، فمشهد يصوّر امتنان الكاتب للمعاناة التي يمرّ بها.


– كارلوس ليسكانو: “الكاتب محكوم بالتأرجح بين الاندفاع الطفولي والإحباط المدمّر”.


– إذا أردْت أن تكسب قلب كاتب بجملة واحدة، فكل ما عليك فعله الآتي: “إن أعظم مديح يمكن أن يوجّهه كاتب لآخر: كنتُ أودّ أنْ أكتب ذلك”.


– تذكرت الآن، كنت أريد كتابة مقال عن مدى سادية الناس في هذه الأيام، وأنّ العنف بات هو المسيطر على طبيعة العلاقات. ولكن الكتابة، والكتابة عن الكتابة قطعت طريقي. فلتذهب الساديّة إلى جمعة ثانية، أو إلى الجحيم …

سخرية

 

Tommy Ingberg

Tommy Ingberg



– حينما نواجه هذه المفردة، أي السخرية، يرتسم في أذهاننا وعلى الفور، أصوات ضحك وقهقهة تهشم الجدران وتدوي بالأرض. وهذا صحيح إلى حد ما، خاصة إذا ذهبنا مع القول بأن “الضحك هو إحدى تجلّيات السخرية، ولكنها حتما لا تُختزل فيه” !

– “حيث توجد حياة، يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض، يكون المضحك موجودا” كيركجارد. وهذا ما أقرّه الراحل الكبير علي عزت بيچوڤيتش رحمة الله عليه رحمة واسعة باقية، في كتابه المُيقِظ [الإسلام بين الشرق والغرب]: “الازدواجية هي ألصق المشاعر بالإنسان”.

– وعندما نعود للبحث في المعاجم نجد أن السخرية في اللغة عادة ما تقابل الاستهزاء (والهزء في اللغة يجيء بمعنى الكسر) والاستنقاص والقهر، وإنزال شيء ما منزلة غير التي يستحقها .. وقد نقول بعبارة أخرى، السخرية هي نتاج الفرق بين أمرين.

– كما رأينا، دلالة مصطلح السخرية فيه من الخلط والتشعب الكثير. لذا أقتبس من أطروحة للناقدة سميرة الكنوسي بعنوان [بلاغة السخرية في المثل الشعبي المغربي]: “قد سجل د.س ميوك أنه “لأسباب مختلفة، بقي مفهوم السخرية مفهوما غير مستقر، مطاطا وغامضا. فهو لا يعني اليوم ما كان يعنيه في القرون السابقة، ولا يعني نفس الشيء من بلد إلى آخر، وهو في الشارع غيره في المكتبة، وغيره عند المؤرخ والناقد الأدبي. فيمكن أن يتفق ناقدان أدبيان اتفاقا كاملا في تقديرهما للعمل الأدبي، غير أن أحدهما قد يدعوه عملا ساخرا، في حين يدعوه الثاني عملا هجائيا أو هزليا أو فكاهيا أو مفارقا أو غامضا”.

– واستنفعت من مقالة للكاتب طارق عثمان بعنوان [في السخرية] يقول فيها: “يرى الناقد الكبير بول دي مان أن جملة “مفهوم السخرية” وهي عنوان الكتاب الفلسفي الأهم الذي بحث فيه كيركيجارد موضوع السخرية، هي جملة ساخرة أصلًا، ولا ينبغي أن نحملها على محمل الجد. والمقصود أنه ليس بوسعنا “مفهمة” السخرية، فالسخرية لا تكون سخرية إذا هي ارتدت حلة المفهوم”. هذه الإشارة الأخيرة، بأن حضور السخرية يُغيّب المفهوم، أو أقول الموضوعية، تعني أمرا واحدا، ألا وهو أن السخرية “حمّالة أوجه”، وبكلمة أكثر دقة: السخرية فعل عبثيّ بامتياز !!

– لا تختلف السخرية عن كثير من المشاعر التي ألبسناها أردية (=مسميات) ولم نعد نعرف لها طريقا للوصول، وأبقيناها في بيوت بلا أبواب ولا نوافذ، ضبابية الطبع، سرابية الأثر، متلوّنة كالحرباء .. وهذا بالضبط ما يجعل منها أمراً إشكاليا. يقول كيركجارد: “إن جدية السخرية ليست جادة، إن ما يقوله الساخر قد يكون جاداً بحيث يبدو كلامه صادقا للمستمع، لكن هذا المستمع عندما يكون عارفا بما يقصده الساخر، فإنه يشاركه ذلك السر الدفين الذي يكمن خلف هذا الكذب، ومن ثم يتم إلغاء السخرية أو نفيها مرة بعد مرة”.

– تقول الناقدة سميرة الكنوسي: “إن كل ما يمزق الإنسان، وكل تناقضاته ووعوده الصادقة غير الموفاة، ومثاليته المتضاربة مع سلوكه، تكون مصدرا للسخرية. إن السخرية توجد في المجتمع حين تسود عدالة الإنسان المقلوبة، وتكون في الذات الإنسانية حين تخون الإنسان ملكاته”. وهذا السبب الأخير بالذات، هو ما يبقي لنا خيارا وحيدا (=السخرية)، عندما يدرك شخص ما الفجوة ما بين الصورة التي استبطنها عن ذاته، وبين ما انكشف له في الواقع ! سواء كانت النتيجة فوق أو دون التوقع الأول .. هذه ميزة السخرية، إن صح تعبيرنا بأنها ميزة، معدية، متجاوزة، هادمة، فاضحة .. هي الريح التي تُعرّي الأشياء من ورقة التوت التي سترتها، كما يُعبّر الأستاذ أحمد السنوسي.

– وفي أهم مكونات السخرية، أن مكوّنها الدلالي يستند إلى ثنائية المعنى داخل نفس المتوالية الكلامية؛ ذلك أن العلاقة بين المعنى الحرفي الظاهر، والمعنى المشتق المضمر علاقة تضاد وتعارض، كما تذهب سميرة الكنوسي .. كما ذكرنا سابقا.

– يأتي الآن التساؤل حول استهجان الكثير من الفلاسفة والمفكرين السخرية! .. يمكننا القول بأن للسخرية وجه عقيم غالبا ما تظهر به؛ الهدم العبثي المستمر. فالسخرية كما قال البعض هي غياب العمل قبل كل شيء. يضرب الساخر ما حوله بمخلب من دهاء، فيسيل الدم ويبقى الجسد باردا مزرقّا ينتظر صعود الروح، أو وصول المنقذ. هذا ما تذره السخرية خلفها، “إظهار هشاشة البنى” و “نسف الثقة” و “اقتحام النصوص”.

– خاصية السخرية ووقودها الأوحد هو استثارة للأنا بامتياز ! .. ومؤشر ذلك هو “حلم الساخر بأن يضحك من كل شيء إلا من حرية فكره الخاص”. والديناميكية التي تعمل بها تتخلى السخرية عن النص لصالح الجملة أو الشذرة لأن هاتين لا تدّعيان ملاقاة العالم بقدر ما تظهران لاواقعيته. إلا أن الساخر ينحو مع ذلك باتجاه استثناء نفسه من ذلك الشك المعمم في اللغة … في غياب العمل، يرى الفيلسوف وسيلة للتملص من المؤسسات بتأكيده دون عناء يُذكر حرية الأنا، بالنسبة إلى المجتمع. حين أحاكي القاعدة ساخراً، فأنا أعرفها وأعترف بها، ولكن مع افتراض أنني “أبعد منها” وأنه “ليس الشيء ما هو في المرتبة الأولى بل أنا”. يرى الساخر كل ما هو وضعي من علٍ: القوانين والآراء والعادات والمعتقدات. طريقته في تأكيد حريته هي إنكار جدّية ما يقدّره الآخرون. عليه فحرية السخرية هي حرية سلبية بالمطلق لأنها في الواقع تغطي احتقاراً لموضوعية القيم”. 

– هناك ارتباط وطيد بين السخرية والعدمية بلا شك .. علّني أتمكّن من تدوينها في تدوينة أخرى بإذنه تعالى.

– إن كان هنالك من كلمة حق تُقال بحق السخرية؛ فنقول هي فعل انعتاقي يهدف إلى التحرر من أسْر الأحكام والأيدولوجيا. وهنا تصبح ممارسة السخرية أمرا خيّرا، بُغية إطلاق سراح [الاسم] الأصيل من شَرَك [المسميات] المهترئة، كما يقول الأستاذ فهد نويلاتي. وأن “الحاضر لا يوافق المثال”. وهذا ما عناه كارلوس ليسكانو في [الكاتب والآخر] حين قال: “وحدها السخرية تنقذ من الجنون، والغرور الفاحش !”.