مجتزأ من: رسالة إلى صديقي الكاتب

  

في يوم ميلادي، أستقبلُ رسالةً من أحد الأصدقاء. أفتحُ الظرف، فلا أجد سوى ورقتين. تبيّن لي – فيما بعد – أنها هدية. لقد أهداني نصاً فارهاً كتبه منذ وقت طويل. وكنتُ قد مدحتُ نصَّه هذا، حتى أنه ظنّ بأنّي أسخر منه … إنّ هذا لَمِثال معبّر عن الصديق الوفيّ، فقد احتفَظَ بقصاصة الورقة تلك لمدة تقارب العام، ليهديني إياها لاحقاً، في يوم فريد ..
أما الورقة الثانية، فكانت رسالةً شكى وحكى لي فيها معاناته مع قَفْلة في الكتابة. لقد وقع في فخّ الصفحة البيضاء. فما عادت أصابعه تطاوعه. واستحضاره للكلمات بات أمراً صعباً مستحيلا، إنه تائه عن بوابة الإلهام. قال لي: في كل مرة أعْزِمُ على الكتابة، كنتُ أشعر بأنّ وحياً ما يَتنزّل عليّ، يُحدّثني، ويُملي عليّ ما أفعل. حينها يُفلَت مني زمام الأمور، وأخضع مستسلماً دون أدنى محاولة للمقاومة .. لا شيء في حياتي كلها يُساوي النشوة التي أحسّ بها حين أكتب.
وعندما أعود لقراءة ذات النص في وقتٍ ما لاحق، أتفاجأ، بل أكادُ أُجَنُّ، وأتساءل: هل كتبتُ هذا النص حقاً!!؟ .. ومرة تلو مرة، يزداد إيماني بأن شخصية أخرى، أو كائن آخر، أو كاتب آخر، يتلبّسني، ويقوم هو بإدلاء دلْوه. أما أنا، فأحظى بشرف أنّي كنت مَعْبَرَاً لذلك الرزق، فحسب ..
إن آخري الكاتب مُرهف وعاطفيّ. يتعفّف عن الإصرار في نسبة الكتابات إليه. لكنه يتمنّع عندما أُعجَبُ بنفسي وبما كتبتُ. وسريعا أشعر بجفاف غيابه، تلك هي طريقته في التربية، الهجر الجميل! وكأنه بصدّه يُعلّمني درساً من منهج أخلاقيات الكاتب، وأهمية تجاوز الكاتب نفسه …
فكتبتُ إلى صديقي الكاتب:
إني لأجد رسالتك الأخيرة مضحكة جداً، فكثيراً ما يعْلَقَ الكتّاب في شباك قفلة الكتابة. ومعظمهم يجدونها أمراً مزعجاً، وربما قَدَراً مرعباً ..
أما أنا فأعتبرها نقطة تحوّل للكاتب، لا أكثر.
إن الخطر الأعظم الذي يهدد أي كاتب، هو فقدانه للسبب/المعنى الذي يحثّه على اقتراف الكتابة، والمتابعة في اقتحامها مرة تلو الأخرى … وقد اخترت لنفسي هذه الثلاثية، ترنيمة أتلوها قبل الشروع في الكتابة: 
أحمل نفسي على الكتابة؛ كي أنسى ..
كي أغرس بذرة المعنى في صحرائي ..
كي أشدّ وشاح الأمل حول عُنق اليأس ..
وسأخبرك يا صديقي عن طقسي في الكتابة، لإيماني العميق بأنه لا بد للكاتب أن يكوّن طقسه الخاص به حين يكتب، ويعرفه جيداً، ومن ثم يحترمه ..
أبدأ طقسي بكوب قهوة ساخن. أصطحب معي كناشة جديدة وقلم رصاص، لا أستخدمهما عادة، ولكن هكذا أحب أن تكون الأشياء متواجدة أمامي على الطاولة. وهاتفي الذكي؛ هو ضحية محاولاتي في الكتابة. موسيقى كلاسيكية، أُفضِّل بيتهوڤن وشوبن وتشيكوڤسكي على البقية، وفي مرات أنتقي الجاز، لأنها موسيقى مشاغبة وشاعرية في آن واحد، هذه الأخيرة محببة لديّ جداً. عادة ما أتّجه صوب الأماكن المزدحمة بالناس للكتابة، فهم يساعدونني على التركيز أكثر.
اِعلمْ أن الكتابة نداء الطبيعة للكاتب. وعندما يتعلّق الأمر بالكتابة، لن تستطيع تأجيل فكرة ما أو الانشغال بغيرها، وإلا فستتبخر الفكرة، وتهجرك، ستذهب لتختار قلماً غير قلمك، أكثر جدية، وأقل انشغالا! فاخترْ طقسك وحدّد مهمتك، ثم اُمكثْ داخل الكهف حتى يأتيك النداء ..
لا تظن، ولو للحظة واحدة، أنّ حروفك ستبقيك بعيداً عن مشاكل الآخرين، إن الكتابة حربٌ، وليس لك حق فيها سوى تحديد درجة خشونة أو نعومة رصاص أسلحتك. إنها فعل هجومي، فعل ابتداء. ومتى ما كانت ردة فعل، فقدت معناها الأساس!
يا صديقي الكاتب، ما سبق وأسلفت، لا يعني ألا تُجيد الدفاع عن نفسك .. ولكن الدفاع، في هذا السياق، حيلة الضعيف، حيث أن حجم تقرّحات جسدك الناجمة عن شتائم الناس، هي دليل – صارخ ومؤلم – على تطوّر طريقتك في الكتابة. كذلك ستُساعدك على تذكّر عمرك في الكتابة، في كل مرة ترى فيها نفسك أمام المرآة – كما يعرف الرّيفي عمر الشجر المجاور لمنزله.  
ليس أمراً يعيب الكاتب، أن يكون مثالياً، بل هكذا ينبغي أن يكون الكاتب الأصيل، هناك – في المثاليّة – سيجد مستراحاً لعقله. يهرع للكتابة لأنه يؤمن بأنها سبيل للخلاص. ذلك أن خيال الكتابة أصدق من واقعية الواقع/الحياة. نعم، إن واقعية المثالية في كتاباته أقوى من أي واقع.
إن الكاتب الذي يكتب كثيراً، ولا يجد مهربا له سوى الكتابة .. والكاتب الذي لا تفارق يده قلمه وكناشته ..
هو مجرد إنسان يحلم كثيراً. والأحلام بطبعها لا تموت. ولكنها طفيلية، تحتاج إلى كائن حيّ تعيش بداخله، حتى تتسنّى لها الاستدامة. وكذلك فهي أنانية، لا مكان للولاء عندها .. إن الأحلام تختار الأشخاص الأكثر جرأة وإصراراً!
الكاتب هو شخص يعتقد أنه لا يزال ممكناً وصف العالم بطريقة جديدة. يبحث عن الفكرة وراء النص الذي هو بصدد كتابته، يختارها بعناية شديدة، ثم يترك لهيجان إحساسه حرية التعبير عن الفكرة.
تحسّب يا صديقي الكاتب، فالكتابة ستجعلك منك شخصاً مقربا للوحدة، فهي ستستوقفك، وتأسرك، وتُغويك، وستجعل منك مدمنا على كأسها، ومِنْ ثمّ ستعشقها دون ملاحظة. الكتابة ستُرغمك على أن تعيش حياتك مُقِلّاً اختلاطك بالناس؛ إنها فكرة تبدو غاية في الجمال والإثارة .. ولكن، صدقني، أنت لا تريدها أن تتعدى ذلك الحد!!
تأمل في شذرة إلياس كانيني هذه “أنْ يُولَد الإنسان مرات كثيرة أمر عادي بالنسبة له، إنه يريد أن يعيش في مخلوقات كثيرة في الوقت نفسه”. وأنت، بالكتابة، يا صديقي البريء، تقوم بتدوين تاريخ وحالة وآلام كل مخاض وولادة! لذا، فاكتب كلما سنحت لك الفرص، واصنع الفرصة عندما تتآمر عليك الظروف.
إنّ كانيني لم يُجانب الصواب حين نصح صديقه قائلا: “أنت ذكي جدا، عليك أن تخسر أكثر!”. أحمق هو مَنْ ظنّ أن النضج ثمنه بخس! إن النضج ثمرة التجارب، ولن يجده، أي إنسان، مرميّاً على رصيف شارع بيته. إن النضج وليد التأمل والتريّث والوقت! فاصبر على الكاتب الذي يعيش في عروقك وتحت بصمات أصابعك، حتى يظهر.
بعدما فرغتُ من رسالتي إلى صديقي الكاتب. وبمناسبة يوم ميلادي، لَمحْتُ فتحة تخترق سحابة بيضاء فوقي، وإذ بكومة من الأسئلة تتساقط عليّ: هل تشعر بأنك كبُرت عاماً كاملا؟ هل ترى ما يدل على ذلك؟ هل يراودك شعور بأنه ما يزال هنالك طيش كثير لم تجربه بعد؟ هل يليق بك إسبال ثوب الحكمة؟ ألا زلت تتوهم بأنك كاتب؟ هل جرّبت أن تعيش حقاً؟ هل مررت بتجربة حب؟ هل ثملْتَ من حلاوة كلمة؟

Advertisements

اكتب لتعيش

 

– اليوم، وقبل أن أنهض لألتقط قلمي، كنت أشاهد الفيلم الملهم الثوري بامتياز (Freedom Writers) أو كُتّاب الحُرية، هذا الفيلم العجيب المليء بالدهشة والاستحالة. قصته تبدأ من مدرّسة شابة استهلّت طريقها نحو التدريس من مدرسة ثانوية بمدينة صغيرة بولاية كاليفورنيا. لم تكن المهمة يسيرة البتة، فقد كانت العرقيّة والعنصرية والعنف والقتل تعج بأرجاء المدرسة. المهمة شبه مستحيلة، وقد سقط في فخاخ أولائك الطلبة العديد من المعلمين والمعلمات من قبلها. تدور أحداث الفيلم عن مراهقين ومراهقات فيهم الأبيض والأسود واللاتيني والأسيوي. البعض منهم مشرّدون، والفقر يشرّح ثيابهم، والأسلحة لا تفارق جيوبهم .. خلافاتهم تنتهي بأحد أمرين، الضرب المبرح، أو القتل … ومما فاقم دهشتي في نهاية الفيلم بأن هذه المرأة ما تزال على قيد الحياة وأن تلك الحكاية هي حكاية حقيقية.


– تجرّأت تلك المعلمة وأصبح تلاميذها قضيتها في الحياة ! وانتهى بها المشوار بأنْ آخت فيما بينهم، وأصبحوا عائلة واحدة، وفصلهم الدراسي صار مدينتهم الفاضلة الذي قدم لهم إكسير الحياة وصرخة الولادة الأولى !!


– ألّفت المعلمة بشراكة مع تلاميذها كتابا سُمّي الفيلم بعنوان الكتاب، وكان عبارة عن يومياتهم التي كتبوها على مرّ الأيام. التغيّرات النفسية الدقيقة، تحوّلات المشاعر، تجاربهم التعيسة في حياتهم القصيرة، افتقادهم لأهليهم الذين رحلوا بسبب طيش طلقات الأسلحة .. لقد وُلد من بينهم أُدباء يكتبون الأدب الرفيع، أدب يُسيل المشاعر ويُهتّك التحجّر ويُظهِر أناقة الروح.


– كتبت سابقا تدوينة بعنوان (المنشور المشطور بامتياز) أو (اكتب انتقاما لنفسك) ، وكتبت فيها: لا يساعدك على فهم نفسك، وتموج مزاجيتك، وأحوال شخصيتك مثل الكتابة، وأخص منها كتابة اليوميات. هناك تأثير سحري لكتابة اليوميات. هذا الممارسة تشعرني بشيء من الامتلاء الشعوري، الذي يصعب علي الآن وصفه بأكثر من أنه ترياق معنوي بامتياز. وأنقل مما كتبه كارلوس ليسكانو عن حاله مع اليأس في السجن في كتابه [الكاتب والآخر] ص45: “أعتقد أن ما حال بيني وبين الغرق في اليأس هو أنني أدركت حالتي وأدركت حقيقة أني أملك شخصية علي أن أغذيها: الكاتب الذي ابتكرته في السجن. كرست نفسي من أجله، لقد كان في ذلك خلاصي حتى إن بدا مفرطا وسخيفا قول ذلك، إلا أن ابتكاري هذا الصوت، ابتكاري M، قد أنقذني. نعم، لقد أنقذني، أعتقد ذلك، وأقوله، وأكتبه. ولكن، مم أنقذني؟ من أنني لم أكن أنا، ومن أنني لم أترك لنفسي أن أكون ذلك الذي كان ينبغي أن أكونه بالضرورة؛ والذي ولدت من أجله؟ أي شيء كان يمكن أن أكون لو لم أبدأ الكتابة؟”.


– علم النفس يعتبر الكتابة أحد طرق العلاج لديهم في تعاملهم مع المصابين بالاكتئاب مثلا. ويسمونها الكتابة الدوائية أو الكتابة العلاجية. وهذه الطريقة بجديدة حتى عند الحديث باللغة العلمية كما وجدت في الجمعية الأمريكية لعلم النفس (American Psychology Association). فالكتابة الدوائية لها أثر إيجابي حتى على الأمراض العضوية كالربو (Asthma) والتهاب المفاصل (Arthritis) والإيدز (AIDS).


– الكتابة جُرأة واكتساح للظلمة التي تركها جور وظُلم العالم فينا. هي قرار المواجهة الصارم الصادق.


– ما فعلته تلك المعلمة بتلاميذها هي معجزة حقة، فلا يشكك عاقل في صعوبة الانغمار داخل النفس البشرية، داخل الذات، إن ذلك لهو أشد خنقا من خروج الإنسان من ذاته وانشغاله بما حوله. وهذا ما عناه الشاعر رلكه حين قال: “إنه لا بد من قدرة كبيرة، وقوة عظمى، لكي يستطيع المرء أن يقبع في ذاته، ولا يلتقي بأي مخلوق آخر ما عدا نفسه”.


– كتشريح مبسّط لتطور سيكولوجية العنف أذكر ما أشار له الفيلسوف المجتمعي إريك فروم في كتابه [الخوف من الحرية] إلى أن هنالك نوعين من التكيّف، أحدهما هو التكيّف المتحرّك. وهو ما يحدث عند مواجهة الإنسان مواقفَ مُدمية وعصيبة. فالولد عندما يتعرض للضرب والإهانة والعنف مع أبيه، على سبيل المثال، يتنامى لديه شعوره بالخوف منه. وبينما يحدث ذلك، تتطور بداخله العداوة المكثفة ضد أبيه -أو أيا كان الشخص. إن تلك العداوة تصبح الأكسجين الذي يتنفسه والغذاء الذي يكبُر عليه، فتنمو به شخصيته. إن هذا العامل (=العداوة) هو ما سيجعل منه -حالا أو لاحقا- مجرما وسفاحا ومصابا بداء عصاب يجعل منه خائنا، كما نرى في أحداث اليوم حولنا.


– ما فعلته هذه المعلمة الملهمة هو قفزة أخلاقية في المقام الأول، قبل أن تحظى بشرف إرساء سفينة المستحيل، سفينة الطلاب الذين كانوا همجا سابقا، فأصبحوا مكترثين لذواتهم، وتلاميذ يدرسون الأدب العالمي .. بل وغدوا أقرب لإنسانيّتهم أكثر من أي وقت مضى.


– أبسط طريقة لتفسير خطورة التعصب متمثّلة فيما قاله الفيلسوف كارل بوبر: “إن التعصب إثم دائما، وإن من واجبنا أن نعارضه في شتى صوره، حتى عندما لا يكون ثمة اعتراض أخلاقي على أهدافه ذاتها بل وعلى وجه الخصوص عندما تتفق أهدافه مع أهدافنا الشخصية. إن أخطار التعصب وواجبنا نحو معارضته تحت كل الظروف، هما درسان من أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من التاريخ”.


– إن تلك القشعريرة التي تطارد الكاتب أثناء اقترافه الكتابة هي ما يُعوّل عليه، فهي المهذب والمربي. وبصيص النور إن لم يكن من صنيعنا فلا يعوّل عليه، لأنه سيكون أيلا للخفوت. والدهشة الملازمة لفعل الكتابة هي ما يعوّل عليه، ففيها يكمن التنوّر. والاستمرار في الكتابة هي ما يعوّل عليه، فمن دونه قد تُهنا !

اكتب .. انتقاما لنفسك

Logan Zillmer

Logan Zillmer

 

– لأن الكتابة فعل نقصده حينما نحتاج للتعبير، وحينما نريد معالجة أمر يستعصي على المرء حله، وحينما نود مشاركة الآخرين بفكرة ما، وحينما يجد المرء منا نفسه على مسافة منه – ولأسباب أكثر مما سبق بكثير .. لم أستطع الكتابة في الأسبوعين الماضيين. إن الحاجة للكتابة هي مصدر الشرر الذي تنطلق به، ولا غيره، نيران حروفي على الورق. هكذا أتمكن من التهام مرارة الأمس دون أدنى ضرر ..
 
– هذه السلسلة من المقالات الأسبوعية المتواضعة -تقريبا- تحوي أفكارا مهمتها إرباك الحراسة المشددة حول أصنامنا العنقاء. بل أظنها كما وصفت كارينا بليكسن كتابات كارلوس ليسكانو “شكل راديكالي من [اللاقبول]، الذي يقود إلى بناء نفسه من جديد، مرة بعد مرة، وإلى أن يتضاعف. ومثل أب مزعج، يسأل نفسه طوال الوقت إن كان ما يفعله يستحق العناء، وإن كان على قدر المعاناة، ولم يقوم به”. شخصيا، لقد سئمت من الكتاب الذين لا ينفكون من تقديم الحلول الرخوة والهشة، والكتاب الذين لا ينفكون من التقليد، أولئك من قصدهم فرانتس كافكا حين قال في يومياته: “الكتاب يتفوهون بأشياء كريهة الرائحة”. نريد مزيدا ممن يحررون الأصوات المحبوسة ويشقون الدروب لها.
 
– لا يساعدك على فهم نفسك، وتموج مزاجيتك، وأحوال شخصيتك مثل الكتابة، وأخص منها كتابة اليوميات. هناك تأثير سحري لكتابة اليوميات. هذا الممارسة تشعرني بشيء من الامتلاء الشعوري، الذي يصعب علي الآن وصفه بأكثر من أنه ترياق معنوي بامتياز. وأنقل مما كتبه كارلوس ليسكانو عن حاله مع اليأس في السجن في كتابه [الكاتب والآخر] ص45: “أعتقد أن ما حال بيني وبين الغرق في اليأس هو أنني أدركت حالتي وأدركت حقيقة أني أملك شخصية علي أن أغذيها: الكاتب الذي ابتكرته في السجن. كرست نفسي من أجله، لقد كان في ذلك خلاصي حتى إن بدا مفرطا وسخيفا قول ذلك، إلا أن ابتكاري هذا الصوت، ابتكاري M، قد أنقذني. نعم، لقد أنقذني، أعتقد ذلك، وأقوله، وأكتبه. ولكن، مم أنقذني؟ من أنني لم أكن أنا، ومن أنني لم أترك لنفسي أن أكون ذلك الذي كان ينبغي أن أكونه بالضرورة؛ والذي ولدت من أجله؟ أي شيء كان يمكن أن أكون لو لم أبدأ الكتابة؟”.
 
– يقول كذلك في ص50 عن آخره (=كما يحب أن يسميه، ويقصد به كيان الكاتب الذي ابتكره): “كل كاتب ابتكار. ثمة فرد هو واحد، وذات يوم يبتكر كاتبا ويصبح خادما له (=آخره). ومنذ تلك اللحظة، يعيش كما لو كان اثنين”.
 
– لابد وأنك تساءلت في مرة من المرات: لماذا يكتب أحدهم إذا لم يكن يقصد نشر كتاباته؟ وما غرض الكتابة إذا؟ .. أجاب عن هذا التساؤل المترجم د. عادل مصطفى في مقدمته لكتاب الحكيم والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس [التأملات] ص16: “الكتابة ارتقاء من الخصوصية إلى العمومية، تحقيق لما هو كامن في العقل، وتحديد لما هو غائم، وتثبيت لما هو هائم. بل هي بحث عن المجهول من خبايا النفس، ومعرفة بما هو ضائع في تضاعيف الذات … لست أعرف بالضبط ما أنا أفكر فيه؛ ربما لذلك شعرت في كتابته … بذلك يتحول [الذاتي] إلى [موضوعي]، فتتملكه الذات بعد أن كان يتملكها! وربما تحوله، بالمران والتكرار، إلى كيانها وبنيتها، فيصير نسيجا من أنسجتها، وعضوا من أعضائها، عضوا جاهزا للاستعمال طوع إرادتها وتحت إمرتها ورهن إشارتها”.
 
– عند الحديث عن اليوميات، يجدر بنا الحديث عن تأملات أوريليوس (توفى 180م). فهي عبارة عن درر نثرت في دفاتر يومياته التي كتبها في خضم المعارك وفوق الجبال أو في أعماق الغابات، أو في قصره الشامخ. والتي اتفق  وقد اخترت منها قوله:
 

*لا تنبت عن إخوانك في البشرية فتكون ورما على جسم العالم.

 

*ألا تصير مثل الذي أساء إليك .. ذلك هو خير انتقام.


*اللحظة الحاضرة هي ملكك النهائي، اقبض على اللحظة؛ أطياف الماضي وهواجس المستقبل تجتمع على التهام الحاضر الذي لا نملك سواه.


*لا تعلق سعادتك على آراء الآخرين فيك ولا تضع هناءك في أيديهم. ذلك [استرقاق] طوعي و[مصادرة] حياة و [نفي] خارج الذات. وما كنت لترضى أيا من ذلك لو كنت تعرف اسمه الحقيقي.


*لا تكن دمية تحركها خيوط الشهوة.


*أثقل الغرور؛ التواضع الزائف.


*ألا تدرك أن هناك حدا لعمرك، فإذا لم تستغله لتبديد غيومك فسوف يذهب العمر وسوف تذهب ولن تعود الفرصة مرة أخرى؟

 
– وكذلك يمكننا اعتبار كتاب الراحل الكبير علي عزت بيچوڤيتش [هروبي إلى الحرية] كان في أصله تأملات يومية، جمعها وحولها إلى لوحة ثقافية وحضارية فائقة الروعة. لم أستطع الكف عن الاندهاش طوال رحلتي مع الكتاب. كتب في مستهل كتابه: “لم أستطع الكلام، ولكني استطعت التفكير، وقررت أن أستثمر هذه الإمكانية حتى النهاية”.
 
– أختم بما وصف به ليسكانو آخره الكاتب [الكاتب والآخر] ص8: “إن الآخر المبتكر؛ الكاتب-الشخصية، يسير في العموم عكس اتجاه الحياة؛ فهو يغذي متطلبات خاصة به، ويختار أساتذة ويصوغ أهدافا. إنه يريد البقاء، وقد يكتفي ذلك الذي يحيا بكونه موجودا، محاولا ألا يخلق لنفسه كثيرا كن المشاكل وأن يعيش راضيا، ولا يروقه أن يكون خادما للكاتب. إن ذلك الذي يحيا [يلد] الآخر. إنه يصنع من حياته الخاصة آخر طفيليا: باحثا أرقا، غير مكتف أبدا ..”.