لا تهرطقوا محمود درويش !!

IMG_0201.JPG

– بادئ ذي بدء، لنتفق على أمر واحد مهم، وهو أنه لا يمكن لمقالة واحدة أن تختزل عالم محمود درويش أو تحيط به !

– تأخرت في كتابة هذا المقال كثيرا، وأظن بأني استنفدت كل فرصي في التفاوض مع القدر بغرض التأجيل. ولكن يبدو أنه حان موعده.

– لست من أولئك الذين يفنون عمرهم في سبيل إثبات أو دحض آراء الآخرين، ومحاربة من يحاربونهم، ومناصرة من يناصرونهم. وإنما أؤمن بالانتصار للأفكار، لا بالانتصار للأشخاص. ذلك أن الفكرة هي الباقية وليس صاحبها، وإن التعلّق يزداد اطّرادا مع التعصب، مما يجعل التجرد أمرا صعبا، أو ربما مستحيلا، عندما يتعلق الأمر بالأشخاص لا بالأفكار. ومع ذلك كله .. استأذنت نفسي لأتجاوزها هذه المرة، فأذنت لي، ففعلت.

– أنا لست بشاعر، وإنما أتذوق الشعر. ولي شاعري المفضل، كما يختار غيري لونه المفضل.

– يقول الشاعر والأديب ت. س. إليوت: “لأن كل شاعر كبير هو ثائر كبير بالضرورة دون أن يكون العكس صحيحا في كثير من الحالات”.

– لا يجرؤ الكثير من الكتاب والشعراء على تدوين البوح والمساررة والمونولوچ ورثاء النفس والعالم علناً .. وتلك إحدى أسباب حبي لمحمود درويش.

– [هكذا تكلم محمود درويش] كتاب نفيس، كتبه جمهرة من الأصدقاء والأقارب لدرويش، بمناسبة مرور عام على رحيل محمود درويش. وقد أشرف على إعداده أستاذ الفلسفة عبدالإله بلقزيز، وشاركهم الموسيقار مارسيل خليفة، أحد الأصدقاء المقربين جدا لدرويش.

– مما دفعني إلى قراءة الكتاب إبتداءً، هو تشكل تحزّبات شبابية طائشة، فريق يقدّس حرف درويش أيما تقديس، وفريق يهزؤون به وبقصيدته. وفي الحالتين، الأمر أقرب لأن يكون إهانة لا يستحقها كل من الفريقين، لأن الشرط العلمي انتفى، وبقي الحاكم المزاجي أو الذوقي. خصوصا إذا كان الهجوم على غير بينة -وهذا ما يحدث غالبا- ولمجرد عدم الفهم.

– هذا العصر هو عصر المنهجية والتخصصية العلمية، فقد انتهت مهلة الارتجال العبثي – بالمناسبة، حتى الارتجال أصبح علما.

– وقبل ذلك، أن نكون إنسانيين يعني أن نكون أكثر أخلاقية. ومن ذلك، إنزال الناس منازلهم.

– هذا الكتاب هو عبارة عن سيرة ذاتية، ودراسات في أعمال محمود درويش الشعرية والنثرية، ووجدت فيه ضالة علمية مقدمة من قِبَل مختصين في مجالات مختلفة: فلسفة، نقد، بلاغة ..

– رسالة أو مقالة مارسيل خليفة التي كتبها بعد مقدمة الكتاب، من أنبل ما قرأت في رحاب الصداقة. فهي تارة تشبه هذيان ناي، وتارة بيانو مشاغب، وتارة أخرى رجفان طبول. يقول مخاطبا محمود: “كيف اخترقت قلوبنا؟ سنحمل قمح روحك ونزرعه فينا. نشتهي بريق حضورك لنستعيد الدهشة الأولى. أحن إلى صداقة تأخذ عذوبة الحب يا محمود، أحسّ بالمطر يخترق أعماقي … في هذا الليل الحاني، يقودني حلمي إليك وأهرب من نعاسي لأدوس على عشب السماء كي أصل إليك … أحس بطعم الغياب ويغمرني نورك. أناديك لحناً، همساً، حباً، حلماً، قصيدةً، فهل تسمعني؟ كم ضاق هذا العالم برحيلك” ص٢٣-٢٤.

– وصف كهذا يجعلني أشعر بالغبطة. هكذا صداقات يجب أن تُحنّط بشكل من الأشكال، أو تدرّس. هكذا صداقات، تُعقَد خارج الزمن، في سماء الأبدية البيضاء ولا غير ذلك ..

– يقول عبدالإله بلقزيز في مقدمة الكتاب ص٩: “ما اكْتَهَلت القصيدة حين بدأ محمود يكتب شعراً، لكنها عثرتْ في صوته على إكسير الحياة”.

– ويقول: “السياسة لا تَلِدُ قصيدةً، لكن الشرط السياسي زوَّده بمادة الكتابة. أما هو، فهو من صنع لغته وقصيدته وزفَّها في لغةٍ ملحميةٍ مهذبة، عذْبة، تكاد تُفرِج عن نفسها في رداء رومانسي، في لغة زاوجت بين الرومانسية الطبيعية والتصوف” ص٩.

– محمود درويش هو أحد أقوى الأمثلة على مدى أهمية أن يكون للشخص قاموسه الخاص. لنعود مجددا وننظر في مراد درويش حين يذكر المنفى أو الموت أو الأرض .. كل مفردة تعني شيئا غير الذي نعرفه جميعا .. هذه هي حياكة اللغة وصناعتها !

– ويرى عبدالإله بلقزيز بقابلية النص الشعري الدرويشي بأن يُقرأ كسيرة ثقافية، وسياسية، واجتماعية، وشخصية أو إنسانية. هو أقرب لأن يكون تدوينا شخصيا لما رآه، خاليا من الأسلوب السردي التاريخي الممل المألوف العادي .. في النص الدرويشي تجد الدراما، والفانتازيا، والمحاكمة، والعاصفة، والحب، والتؤدة، والابتسامة السوداء !

– نجد في شعر محمود درويش: فكرة الالتزام، فكرة الثورة، الفكرة الوجودية، صراع الخير والشر، الحب، الإيمان، اليقين، وكذلك الإثبات والنفي ..

– صوّر عبدالإله بلقزيز التَمَرْحُلات والمنعطفات في النص الشعري الدرويشي في أربع صور، وأجاد في تحليل حيثيات كل مرحلة. وقال في ذلك السياق ص١٣: “كلما سيق محمود إلى سجن، أفرجَتِ القصيدة عن مفاتنها أكثر، كأنها لا تُزَفُّ بهيَّة إلا كلما ذكّرها السجان بوجوده”.

– عني أنا، فما أحببتُ محمود درويش كما أحبه بعدما فُتح قلبه جراحيا للمرة الثانية. وأوشك في تلك المرة أن يغادر الحياة، توقّف قلبه أثناء العمليّة وأعلنت ساعة الوفاة، لكنه عاد إلى الحياة مرة أخرى. ولهذا السبب، عندما يخوض محمود درويش حوارا مع الموت في ديوان [جدارية] -وهي المفضلة عندي، والأقرب إليّ- فهو حوار جاد لا هزل فيه .. أو ربما هو حوار هزليٌّ شديد الجدية !

– يقول عبدالإله بلقزيز في [جدارية] ص١٦: “لو لم يكن محمود قد كتب في حياته سوى هذه القصيدة/الديوان، فقد كتب كل شيء وأوصل الشعر إلى الذروة”.

– لا تعتذر عما فعلت، ذاكرة للنسيان، كزهر اللوز أو أبعد، في حضرة الغياب، أثر الفراشة، ولا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي .. كل هذه الدواوين والنصوص النثرية كانت بعد الحادثة.

– يقول الناقد الأدبي فيصل درّاج ص٤٩: “كل كلمة فيها (=قصيدة محمود) تنصر غيرها، ومستبدلا بالمعنى الواضح الكلي معنى أكثر عمقا يأتي من شظايا الأشياء والمعنى”.

– محمد جمال باروت الكتاب والباحث، يقدم في الفصل الثاني من الكتاب مقاربة في الرمز الديناميكي والرمز التعبيري في شعر درويش. على اعتبار الرمز الديناميكي بأنه صورة نشطة، بينما الرمز بمعناه [المألوف] أو [الاستعمالي] صورة خاملة. ويقول ص٥٤: “الفعل الشعري مفهوم معرفي يعني فعل الخلق. فكما خلق الله بواسطة الكلمة العالم يخلق الشاعر بواسطة اللغة عالما جديدا. ليس الشعر في ضوء هذا المفهوم تعبيراً عن العالم بل خلق لعالم جديد بواسطة الرموز الديناميكية”.

– الشاعر ليس من وظيفته نقل الأخبار وسردها، وإنما صقل ورسم النص اللذيذ، المليء بالمتعة، والزاخم بالجماليات المسكرة.

– التحدي الذي يجده معظم من لا يتقبل شعر محمود درويش -في ظني- كامن في عدم مقدرتهم على استخدام إحدى ملكات الإنسان الفطرية وهي الخيال. وكذلك افتقادهم إلى الشطح، الذي يعرفه عبدالوهاب الشعراني في [تأويل الشطح] ص١١: “عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته وهاج بشدة غليانه وغلبته”.

– ولديهم كذلك إشكالية [معنى المعنى]، والتي تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر” حسب النحوي الكبير عبدالقاهر الجرجاني.

– يقول محمد جمال باروت ص٦٢: “لم يقتنع درويش باستثمار التقانات البلاغية -اللغوية الجمالية الكلاسيكية فحسب بل حاول أن يبدع جماليات بلاغية- لغوية جديدة ليس لها خانة أو تلقيب أو تصنيف في الفهرسة البلاغية الكلاسيكية”. وذكر بعدها مجتزأ من قصيدة درويش [أحبك أو لا أحبك]: “يوم كانت كلماتي / تربة .. / كنت صديقا للسنابل / يوم كانت كلماتي / غضباً .. / كنت صديقا للسلاسل / يوم كانت كلماتي / حجرا .. / كنت صديقا للجداول”.

– وكثير من التقنيات التي حللها الباحث في شعر محمود درويش من امتصاص لغة المقدس، وعلم البديع، والمشاكلات الصوتية والحروفية. ويرى كذلك أن الهندسة التركيبية لشعرية درويش “تتخطى المفهوم العلمي لاعتباطية العلاقة بين الصوت والمعنى، ويكتشف علاقات شعرية ما بين الصوت والمعنى في ما هو أبعد من [لعب اللغة]. يستخدم درويش التراكم الصوتي لتكثير المعنى، ولبناء علاقات جمالية – شعرية جديدة ترتكز على مخزون رمزي معرفي”.

– المثال الأقرب على هذا الكلام في مقطع من قصيدة درويش [رب الأيائل يا أبي .. رُبه]: “أنا من هنا .. أنا ههنا .. وأمشط الزيتون في هذا الخريف / أنا من هنا. وهنا أنادي أبي: أنا من هنا / وأنا هنا. وأنا أنا … إلخ”. يقول محمد جمال باروت في هذا: “تتكون التشاكلات الصوتية – المعنوية هنا مما تسميه السيميولوجيا الأدبية [المعنيات]، وهي كل ما يحيل على هيئة الخطاب الشعري، وما يتصل بها من زمان – مكان: [أنا، هنا، الآن]” ص٧٨.

– واجهتني موجة قشعريرة هائجة عندما قرأت هذا الحوار الذي دار بين منير العكش أستاذ الإنسانيات ومحمود درويش، يقول منير العكش ص١٦٤: سألته: “تصور أنك ولدت في مكان آخر غير الوطن المحتل، ألن يكون لك وزن آخر في الشعر العربي؟”. فأجاب: “أدمتُ الاعتراف بأن المصادفات أو الظروف الصدفية أسهمت في خلق ما أسعى دائماً إلى التحرر منه. لا أريد أن أطفو على الصدفة. أريد أن أتجاوزها بقوة أخرى، قد تكون موجودة لدي وقد لا تكون. لكنني أول متضرر من حصري في هذه المصادفة، وأول متمرد عليها، وأول من أعلن الاعتراف بها. إنني أطمح إلى أن أصدق أن المصادفة لم تخلقني وحدها، لكنها عجّلت عمر وصولي إلى الناس. لقد سهّلت علي تقديم نفسي وتنميتي. وهنا تلاحظ مفارقة غريبة وهي أنني مدين للمصادفة لكنني متمرد عليها”.

– هناك ثلاثة درجات متتالية للدخول في التجربة الشعورية لنصوص محمود درويش. النص المقروء، ثم المسموع [الصوت]، ثم المُشاهد [الڤيديو]. في كتاب الناقد عبدالله الغذامي [اليد واللسان]، ذكر أن النصوص تعزز قوتها من تحويلها إلى صورة، ولكن محمود درويش حولها إلى مشهد كامل. حضوره الفاقع والكاريزما الثائرة، الفونيات والتقنيات الصوتية .. الأمسية الشعرية لدرويش هي بمثابة مسرحية ثقافية.

– لا شك بأن محمود درويش قد خلّد ذكراه .. رحمة الله عليك يا محمود.

 

IMG_0200

 

معنى

– قلتها سابقا، وأكررها مجددا، هذه المقالات الأسبوعية هي محاولة شخصية، تغلب عليها عدم الموضوعية وتتخللها قليل من الذاتية. لا تحلّ المشاكل بقدر ما تثيرها، ولكنها تُحرّك الساكن، وتزلزل الأراضي المهجورة بداخلي، آملا ألا تنضب عيونها وتفقد جناتها ألوانها. فالرمادي لون الزئبق المتلاعب، كلما حاولت الإمساك به؛ خدعك، ولون الأرض الميتة، والموت، والغصن المحترق، والرماد المنبوذ ..

– لستُ من أولئك الذين يحبون “الرقص فوق جثث الموتى” فقط لأنني حظيت بفرصة الكلمة الحاسمة، واثقا بأنه لا كلام يعقب كلامي، وإنما أقارب الفهم بالمحاولة. نيتشه، الفيلسوف اللاذع، قال يوما ما كلمة أحسبها كلمة حق: “إنَّ من يجد سببا يحيا به، فإن في مقدوره -غالبا- أنْ يتحمل في سبيله كل الصعاب بأي وسيلة من الوسائل”.

– للحياة نسقٌ يشبه الكتابة، تسترسل بكل سلاسة حينا، وتتعثّر في حين آخر. ربما كوب من القهوة سيفك آسر عقدة استمرار الكتابة، أو ربما يكون الحل في التفكير في أمر آخر أو بطريقة أخرى، وربما اليوم هو ليس يومك بكل بساطة، فعُد غدا وحاول، ربما وربما وربما ..

– قراءة كتاب ما، تشبه كثيرا التعرّف على أصدقاء جدد. فالعلاقات البشرية تحكمها حيثيات كثيرة، من بينها: التزامن أو التوافق الحاصل بين الطرفين. لذلك، مراراً ما يحصل أن نغرم بكتاب ما، ونعبّر عن إعجابنا به. وفي نفس الوقت، يحصل أن يكون لشخص آخر وجهة نظر مخالفة تماما لرأينا، في نفس الكتاب. 

– في بداية هذا العام الميلادي، وقع بين يدي كتاب، كان له وقْع كبير فيّ. وحينها كنت أتساءل كثيراً عن جدوى الحياة، وأطرح على نفسي أسئلة قلقة. وكان ذاك الكتاب رسولا أنست به.

– يقول الكاتب: ” إن الإنسان إذا وجد في حياته معنى أو غاية، فإن معنى ذلك أن [وجوده] له أهميته وله مغزاه، وأن حياته تستحق أن تعاش، بل إنها حياة يسعى صاحبها لاستمرارها والاستمتاع بمغزاها”.

– بدا لي، للوهلة الأولى، أن كلاما كهذا هو كلام سهل ممتنع، وتنظير ما بعده تنظير، وقلت في نفسي: “من رأى ليس كمن سمع”.

– استمريت في القراءة .. وأيقنت أن هذا الرجل ليس كغيره، وأن كلامه نابع عن تجربة عميقة من الطراز الأول. وأنه كتب حرفه بنزفه ..

– هذا الرجل هو طبيب النفس والأعصاب (Neuropsychiatrist) نمساوي المنشأ، خاض لمدة ثلاث سنوات تجربة صعبة في المعسكرات النازية، وكان أحد الناجين منها.

– ليس سهلا أن يرى الإنسان الموت في كل يوم، وليس من السهل أيضا، أن ينادي -ذات الشخص- لضرورة عيش الحياة بكامل تفاصيلها.

– الفكرة الرئيسة لديه: “لكي تعيش؛ عليك أن تعاني. ولكي تبقى عليك أن تجد معنى للمعاناة. وإذا كان هناك هدف في الحياة، فإنه يوجد، بالتالي، هدف في المعاناة وفي الموت”.

– لذلك أقول، من الجيد أن يطلع الواحد منا على هكذا تجارب. فهي تقوم بمقام مسكنات الألم للشخص. فعلى أقل تقدير، هي تثبتنا وتقينا من الإحباط. والإحباط لا يستأذن للدخول، ضيف غَثٌّ، وثقيل الظل.

– يقول في كتابه [الإنسان يبحث عن المعنى] ص٢٢-٢٣: “كان هنالك عدد من المساجين لابد أن يذهب مع كل عملية ترحيل (=إبادة)، ولم يكن مهما من الذي سيقع عليه الاختيار، طالما أن كل واحد منهم ليس إلا رقما من الأرقام .. وهذه الأرقام كانت تطبع كوشم على جلدهم، كما تُحاك أيضا على موضع معين من ملابسهم .. ولم يكن الشخص يُسأل عن اسمه، فالرقم هو المهم … كان يسيطر على كل شخص فكرة واحدة فقط وهي: أن يظل على قيد الحياة من أجل الأسرة التي تنتظر في المنزل”. 

0222_LW1

– لم يتوسّل الحياة مع كل نَفَس كباقي السجناء فقط، ولكنه ذهب لأبعد من هذا، كان يريد دراسة الحالة النفسية للسجناء في السجن. وتوصّل هذا الطبيب إلى قدر عال من التجريد في تساؤله: “ولكن هل يمكن للشخص السجين الذي يقوم بملاحظاته عن نفسه -وهو سجين- أن يمتلك هذا القدر الضروري من التجرد !؟”.

– وقال أيضا: “سوف أترك هذا الكتاب للآخرين كي يقوموا بتقطير محتوياته وباعتصارها إلى نظريات خالية من التحيز !”.

– لست أرمي في مقالي هذا لتعظيم هذه الشخصية والإنشاد الأعمى بها، بل أريد أن أشير إلى أمر خطير: انتبه من مصاحبة فاقدي الثقة وفاقدي الأمل، فالبقاء حولهم لا يختلف كثيرا عن البقاء في السجن !

– والعكس بالعكس، كثيرا ما نشعر بالحياة عندما نكون برفقة أصحاب القلوب الحية، والكلمات المُحيية، مليئين بالمعنى، والثقة ..

– ڤيكتور فرانكل، في مدة بقائه في السجن، فقد أبويه، وأخيه، وزوجته .. لا زلت أتعجب للحظة هذه، كيف لم يفقد نفسه معهم !؟

– لم يقف الأمر عند هذا وحسب، بل تجاوز الحادثة، وكان صاحب مدرسة ڤينا (Vienna) الثالثة للعلاج النفسي. ومؤسس العلاج بالمعنى (Logotherapy)، الذي يعلمنا “أنه حتى الجوانب المأساوية والسلبية من الحياة -كالمعاناة التي لا يمكن تجنبها- يمكن تحويلها إلى إنجاز إنساني من خلال الاتجاه الذي يتبناه الإنسان تجاه محنته … ومواجهة الثالوث المأساوي للوجود الإنساني: الألم، والموت، والإثم (=الخطأ)” [إرادة المعنى] ص٨. 

Viktor Frankl and his second wife Eleonore, Photograph, Around 1948

– ويحارب، العلاج بالمعنى، ما أطلق عليه فرانكل [الحتمية الشمولية]، وهي تلك النظرة الازدرائية للإنسان، التي تنفي مقدرته على أن يتخذ موقفا -تحت إرادته الكاملة وليس حسب الضغوط- إزاء أي ظرف كان. فالإنسان ليس مشروطا أو محتوم السلوك، ولكنه يستطيع أن يتمنّع ويتصدّى لتلك الظروف. يقول فرانكل: “الإنسان ليس ببساطة أمرا موجودا، ولكنه يقرر دائما وجوده الذي سيكون عليه، ويقرر ما الذي سوف يصير إليه في اللحظة التالية”. 

– منذ عام ١٩٦٦، كتب فرانكل: “إن التشييء قد أصبح الخطيئة الأولى في العلاج النفسي. فالإنسان ليس [شيئا] … وقد اعتبرت المرضى كائنات إنسانية، ولم أعاملهم على أنهم ميكانيزمات (Mechanisms) تحتاج إلى إصلاح”. إنَّ ذات الإشكالية لا زالت قائمة في المجال الطبي إلى يومنا هذا، حقا إنه أمر يدعو للتفكر ..

– يعتقد الكثير من الناس أن التفكير المفرط أو التحليل المبالغ قدرة آمنة ومنقذة دائما، ولا يعلمون أنه هوس وإعاقة عقلية وهدم ذاتي. ويزيد خطر هذا السلوك كلما ارتبط القصد المفرط (Excessive intention) بالاهتمام المفرط (Excessive attention)، فالإفراط في القصد والتفكير من شأنهما أن يخلقا أنماطا عصابية من السلوك، كما يقول فرانكل. والعصاب (Neurosis) هو نوع من أنواع التوتر أو القلق الذي يؤدي إلى اضطراب في الشخصية والاتزان النفسي.

– إذاً، بحسب التعريف .. كلنا عصابيون !

– اقتبس فرانكل في آخر كتابه [الإنسان يبحث عن المعنى] الذي دوّن فيه تجربته في المعسكرات النازية، وكتب مقدمة وجيزة عن العلاج بالمعنى: “هناك أمر واحد أخشاه؛ ألا أكون جديرا بمعاناتي !”.

– لم أصل لمنتصف الكتاب حتى تصاغرت وتضاءلت ومشاكلي كذلك. ومن المهم أن نعي أن العيش بذهنية الضحية (=المظلوم)، هو موت مُعجّل، أو انتحار مقنّع. وصدق العوام في قولهم “من شاف مصيبة غيره .. هانت عليه مصيبته”، إلا أن لهذا المفهوم مفعوله المسكّن قصير العمر.

Viktor Frankl

– صديقي محمد طيب، مهتم بالطب النفسي، ومدرسة العلاج بالمعنى، تعلَّمت منه الكثير عندما حاضر مرتين، يعرض النموذج الذي ينبثق منه العلاج بالمعنى، وتاريخ تطور مدارس علم النفس وروادها .. 

– كتب الأستاذ أحمد الحمدي في مدونته قراءة واعية -من مختص ومهتم بعلم النفس- لكتاب فرانكل [الإنسان يبحث عن المعنى] .. أنصح بقراءتها عليها.

– أخيرا، لا يفوتني أن أذكر أن للرئيس الراحل علي عزت بيچوڤيتش تجربة ونموذج لا يقل أهمية عن تجربة ونموذج ڤيكتور فرانكل. وسأحرص أن أكتب عنها لاحقا في جمعة أخرى.