مناوشات حول الإنسان

المصور: ماجد عنقاوي

المصور: ماجد عنقاوي

 

– لم أكن أنوي أن أكتب مقالا في الأسبوع الماضي .. وللأسف ليس لدي معايير واضحة للامتناع بقدر ما أنا حريص لأن أكتب حفاظا على لياقة الحياة – كما يقول الأديب والمترجم الشاب محمد الضبع.

 

– جاءتني رسالة على هاتفي النقال من شخص قريب جدا إلى قلبي يقول لي فيها: مقالة الجمعة هي مؤشر جاد على مدى توغلك في الروتين وإصابتك بالمشغولية .. حقيقة، هذا ما قد حصل معي !

 

– نحن نعيش في عصر غريب، أهل التخصصات أنانيون في مجالهم، لا يريدون أن يشاركهم أحد فيما يزعمون أنهم يجيدون. وهذا التعصب يساعد في تشكيل غمامة على العين، يجعل مجال رؤيتهم محدودة ضيقة كالقناة Tunnel Vision، وهذا ما أدى بهم للتطاول. الحل إذاً هو أن يقرأ الناس ليتساءلوا ويفهموا ويرفعوا من مستوى اطلاع المتخصصين رغما عنهم. وكثيرا ما يحصل هذا في المجال الطبي، حين يكون المريض مستعدا لمناقشة -بدلا من الاستقبال السلبي- الطبيب في خطة العلاج والمفاضلة بين الاختيارات.

 

– كانت هذه الفكرة أحد الدوافع التي أجبرتني أن أتحرك باحثا صوب موضوع خارج تخصصي أو عملي كطبيب.

 

– تجربة الكتابة، وتحديدا في [إنسانك مسروق] هي التي جعلتني مهتما بقضية الإنسان .. وليس الطب. أليس هذا أمرا، بحد ذاته، تراجيديا بامتياز !؟

 

كتاب: إنسانك مسروق

كتاب: إنسانك مسروق

– كتاب [إنسانك مسروق] هو بمثابة توثيق لبحث ورؤية نتجت خلال مشروع أو رحلة [ثلاثية الرشد]، وهو مشروع عملت عليه مع د. علي أبو الحسن، يعني فهم الإنسان نفسه بالمقام الأول، وتطوير ذكاءاته العقلية والوجدانية وقدراته وإمكانياته ..

 

– كتب كثيرة تحدثت عن الإنسان، وما زال هذا الكائن مجهول المعالم من نواح عدة، ولا تزال كل العلوم عاجزة عن الإتيان بتفسير كامل من منظور بيولوجي أو تشريحي أو وظيفي، نفسي، فلسفي … إلخ.

 

– من الطبيعي في عصرنا هذا، أن يضيع فيه الإنسان، تائها ما بين السرعة والروتين والحياة المادية. ومع ذلك التوهان، تختفي تساؤلات جوهرية كالهوية والذات وفهم الديناميكية النفسية، حتى أصبح تداولها والاهتمام بها أمرا كماليا، أو كما يسميه الأغلبية “نخبوياً”. وبمناسبة ذكر كلمة [نخبة]، من العفة اللفظية وتلطّف لغة الواحد منا عدم استخدام هذه الكلمة، لما يصاحبها أو يتخفّى وراءها شعور بالتعالي والتباين الطبقي والترفّع والأنا الخبيثة/الوحشية.

 

– وقد ناقش جمع من المفكرين والفلاسفة مواضيع عدة كـ “هدر الإنسان” و “قهر الإنسان” و “تفكيك الإنسان” و “الإنسان الآلي” و “سلب الإنسان”. ولكن كتابنا هذا؛ عبارة عن مقالات قصيرة، يعرض الحالات الشعورية الوجدانية للإنسان، وكيف يمكن لها أن “تسرق” الإنسان منا بسبب غفلتنا، وما هي الأسباب المستترة خلف ذلك، مسبوقة بمقالات مقدمة، تتحدث عن مفهوم سرقة الإنسان وتغييبه وتهميشه، ومدى واقعيته وإمكانية حدوثه ..

 

– يذهب كثير من الفلاسفة الوجوديين إلى أن الإنسان هو [مشروع وجود] أكثر مما هو [وجود].

– يجب علينا أن نعي أن هذا الإنسان -الذي أتحدث عنه- هو أنا وأنت .. فنحن طيلة اليوم مشغولون بأعمالنا، منهمكون بالتجميع والتملّك، محاصرون بأفكار الغير وظنونهم وآرائهم، مشلولون بلا شلل، مُعمِّرون بلا أثر، نسكن الأعين والأسماع والأفواه، هاربون باستمرار من أنفسنا نحو الغير .. نحو المجموعة .. نحو غطاء يكفي أن يمدّنا بأي صفة أو لقب .. لأننا لا نستطيع خلق صفاتنا والتقرّب من أسمائنا !

 

– الامتداد التاريخي لموضوع الإنسان، وهي قضية عمرها يناهز ٢٥٠٠ عاما. يقول إريك فروم عنها: “ليس هناك جديد في هذه القضية، ما عدا كونها جديدة بالنسبة لنا”. 

 

– “لقد كان المرء في القرن الثامن عشر متفائلا فيما يتعلق بهذا الأمر: فقد كان التصور العام يكمن في كون الإنسان عقلا حسنا يسهل توجيهه والتأثير فيه لكي يصل إلى الخير. ويعتقد اليوم، كما قال راينهولد نيبور Reinhold Niebur وآخرون، بأنه من السيئات الاعتقاد الساذج في خيرية الإنسان. في اعتقادي أننا لم نعد في حاجة إلى مثل هذه الإنذارات اليوم، لأن العصر الذي عشناه ونعيشه قد قدم لنا الكثير من الحجج على لاعقلانية وحُمق الإنسان. ولهذا السبب لا يجب أن يُؤكد لنا كل يوم سوء الإنسان. والأسئلة المهمة بالنسبة لعلم الإنسان هي: ما هو جوهر الإنسان؟ ..” إريك فروم.

 

– نحن نمارس دور السيد أو الرأسمالي أو النازي أو الفاشي أو الستاليني مع الآخرين بشكل مريب، وللغرض الإبداعي، نغلفها بأي مسمى يضفي على الدافع سمة ملائكية بريئة، أو كما يعبّر عنه بالمصطلح الإنجليزي Sugar-coating.

 

– وعلى النطاق الأكبر، أقتبس للدكتور مصطفى حجازي من كتابه [التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور]: “وإذا كان السيد الذي ينمي النظرة المتخلفة إلى الوجود عند الإنسان المقهور، كي يستمر في الاحتفاظ بامتيازاته، يتمتع ببعض مظاهر التقدم، فإن هذه تبقى معظم الأحيان سطحية، إنها نتاج ما يطلق عليه الباحثون في علم اجتماع التخلف اسم [أثر الاستعراض]. ويقصد بهذا المصطلح محاكاة المظاهر الخارجية للتقدم في جانبها الاستهلاكي على وجه الخصوص، دون أن يصل الأمر حد البعد الانتاجي الابتكاري”

 

– قصة قصيرة على الهامش: مارست البَرْقَلَة بامتياز في عملي البارحة. بحثت في التاريخ المرضي لإحدى المريضات، ومن ثم ذهبت كي أفحصها لنحدد هل صحتها جيدة بما فيه الكفاية لتتحمل معاناة العملية الجراحية. وعندما وصلت عند الباب وقبل أن ألقي التحية، نسيت اسمها، فسألت الممرضة هامسا بالإنجليزية: “What is the name of the patient”. فأجابتني المريضة على الفور: “نوف”. قد يبدو الأمر سخيفا للبعض، ولكنه بالنسبة لي كان شائكا غارقا في التساؤلات. هل لأنني تعودت أن أغلب المرضى الذين قابلتهم لديهم مستوى تعليمي متدني؟ هل أنا أمارس التعالي وانتفاش الإيچو دائما؟ هل ما زالت أصنف البشر وأوجّه بمسدس الأحكام المسبقة نحو أنوفهم؟ .. ربما يحتاج المرء لصفعة وعي من وقت إلى آخر !

 

– أختم بهذه المقولة الذهبية للفيلسوف الراحل زكريا إبراهيم: “فهم الإنسان سيظل أملا للإنسان”.

 

Advertisements

عاشق الحياة .. الانتحاري بامتياز

e-m-cioran-540x304
 
– إيميل سيوران Emil Cioran اعتبر نفسه [فيلسوفا بالصدفة]، حيث أنه كان يكتب لأجله لا بغية تجمهر الجماهير وانكباب المعجبين. بل ويعتقد أن تلك الكتب -التي لا تلتفت إلى هوى الجماهير- هي ما يستحق القراءة فعلا دون غيرها.
 
– أصعب النصوص ومحاولات الكتابة هي تلك التي تتسم بـ [الصرامة البهرجية] كما يسميها آدم فتحي مترجم إحدى كتب سيوران.
 
– لسيوران نسيج أفكار يسيل لعاب العقل لها، وتتراقص الدهشة إعجابا، يقول “الكتابة التي لا تقوّض نفسها بعد أن تقوّض كل شيء ليست سوى عبث”
 
– عاش سيوران في بداية حياته مجموعة انسلاخات، والغالب أنها كانت السبب الأساس في تكوين سيوران الذي عرفناه. أقساها كان انسلاخه من العائلة، وانسلاخه من اللغة والهوية.
 
– اعتبر التأليف تداوٍ وأسلوب معافاة من الأرق الذي لم يفارقه لحظة -كما زعم- وكتب كتابه الأول [على ذرى اليأس] في الثانية والعشرين من عمره. وكان بمثابة “نوع من التحرر، ونوع من الانفجار المخلّص”، وقال: “أعتقد أني لو لم أكتبه لوضعت حداً لليالي”.
 
– عرّف الأرق بأنه: وعي مدوّخ قادر على تحويل الفردوس إلى غرفة تعذيب !
 
– تأثّر وأُعجب بنيتشه وشوبنهاور وشخصية هتلر. بكلمات أخرى، كان مولعا وموبوءا بالفاشية .. ولا أستعجب من ذلك !
 
– أغلب مؤلفاته وكتاباته كانت عبارة عن شذرات، أو الكتابة المقطعية/الاعترافات/الحكم المختزلة، وبنى معرفته على التجربة. 
 
– قرأت عدة كتب لسيوران لأسباب شخصية وأسباب بحثية، وما جذبني إلى البحث في تجربته أنه كان تمثيلا لإحدى أنماط سرقة/هدر الإنسان. وأذهلتني جديته محاولا إثبات خطيئة الإنسان الأولى هي الولادة/الزواج. وتكررت محاولات هروبه من نفسه كما كتب في كتابه [مساوئ أن يكون المرء قد وُلِد]: “اللاشعور وطن، والوعي منفى” !
 
 
 
سأقتبس بعضا من الشذرات التي شدت انتباهي في كتابه [المياه كلها بلون الغرق]:
 
“حين كانت البشرية في بداياتها تتمرن على الشقاء، لم يتصور أحد أنها ستقدر يوما على إنتاجه في شكل مسلسل”
 
“لا موسيقى حقيقة غير تلك التي تجعلنا [نجس] الزمن”
 
“لماذا نعاشر أفلاطون إذا كان أي ساكسوفون قادرا هو أيضا على أن يكشف لنا عن عالم آخر”
 
“لا نعرف حجم قوتنا الخاصة إلا عندما نتعرض إلى إهانة”
 
“مع التقدم في السن يتعلم المرء مقايضة مخاوفه بقهقهاته”
 
“صلتي بالناس أفقدتني نظارة عصاباتي كلها”
 
“ضغائننا كلها ناشئة من كوننا ظللنا دائما تحتنا، ولم نستطع اللحاق بنا. وذاك ما لن نغفره للآخرين قط”
 
“الحزن شهية لا تشبعها أي مصيبة”
 
“لا يُهلك الفرح إلا قلة صرامته. لاحظوا في المقابل منطقية الضغينة”
 
“لمعاقبة الآخرين على أنهم أسعد منا حالا، لا نجد أفضل من أن نلقّحهم بوساوسنا .. ذلك أن أوجاعنا، للأسف، ليست معدية”
 
tumblr_n4n2ikkdEr1roilwvo1_500
 
– فضّل إميل الغربة في أعماقه، واعتزال الناس، ورفض فكرة الزواج والإنجاب بحجة أنها الخطيئة التي لا تغتفر -بسبب ماضيه وخوفه من الانتماء ! 
 
– ليس كل ما كتبته عن سيوران أتفق معه، لقد غادر هذا الرجل تاركا كما من الهذيان لا يحتمله بشر !
 
– هذا الكاتب، رأت مؤلفاته النور بعدما مات. فقد كان الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر حينها يصول ويجول ويشغل الساحات والرأي العام.

إرهاصات ..

يقول الفلاسفة في وصف الدائرة : أنها أعدل الأشكال الهندسية ، وهذا صحيح لدرجة كبيرة .. فالإنسان كائن يقطن أولا و أخيرا في دائرة التساؤل و البحث .. و الكرة التي نعيش على ظهرها تدور في مجالاتها .. و الحياة بكبرها قائمة على الحركة والتطواف . إلا أن الذي يجب علينا تحريه و التثبت من معرفته هو ما هية العنصر الذي يفترض منا تنصيفه في حلقة الحياة هذه !! ..
للإنسان رحلتان في هذا الوجود ، و تُحقِّق الرحلتان تماما ما هو مقصود بالتدوار كما ذكرنا آنفا . فقام أبونا آدم بالأكل من تلك الشجرة بحثا عن خلود و ملك لا متفان ، و لمخالفته أمر ربه -جل و عز- هُبط به إلى هذه الأرض . و بعد ذلك رجع يبحث عن درب الرجوع ، و امتدت تلك المهمة لتكون من شأن جميع أبنائه -أي نحن . و قد يكون هذا التشبيه مماثل لما يحدث مع الإنسان من حالات متشكلة من بعض الاغتراب و الملل و عدم فهم نفسه تارة و بعض من نسيان تلك المنغصات و عاد ليتوه مجددا في إعصار المشغوليات تارة ثانية . يحدث أن الإنسان منا عندما يكثف مصب اهتمامه في أمر ما (مركز-شهرة-شهادة) و يحصل عليه بعد عناء ، يعود ليقول : ” و ماذا بعد !؟” أو ” مالتالي !؟ ” و يتكرر هذا كثيرا ، و في كل مرة يُحقق هدفا أو إنجازا فما يلبث أن يمسي إلا وقد دُثِّر بذلك الشعور التعيس .
ما هو جدير بالذكر هنا ، أن كل شيء يوضع في نقطة الارتكاز في دائرة الإنسان سوى الإنسان يتحول تلقائيا لعذابات هالكة للإنسان !!
اختم بهذا الاستبصار اللا موصوف من الأديب ميخائيل نعيمة يصف فيها الحالة الما قبلية والما بعدية ” غرقت في تأملاتي ، و غابت عني نفسي التي عايشتها و عايشتني سبعة عقةد من السنين ، و أحسستني أتمدد و أتمدد في كل جانب كما لو كنت نجارا ، فأنا هنا ، و هناك ، و هناك و في كل مكان و زمان .. و فجأة شعرت كما لو أن بابا كان مغلقا في داخلي فانفتح .. هنا وجدت نفسي تتفنح على الكون إلى حد ألا تحس أي حاجز أو فاصل بينك و بين أي شيء في الكون ” .