الوعاظ الجدد

image

– أقولها مرة أخرى: أمر جد مقرف .. كيف يتحمل البشر تفاقم قدرتهم على الكلام !؟

– والمضحك في الأمر، أنه مع تزايد قدرتهم على الكلام، يتزايد امتناعهم عن الفعل ! .. المُبَرْقِلون بامتياز.

– يقول الدكتور علي الوردي في كتابه [وعاظ السلاطين] ص6: “إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده. فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة. ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جُبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة” … لا أدري لماذا عندما يتفوه أحدنا بـ [الوعاظ] يتبادر لنا على الفور أن المقصد هم الدعاة وأصحاب اللحى .. الأمر أشمل وأعم. نحن نتحدث عن سلوك وممارسة أكثر من أشخاص بعينهم !

– لا ينفك البشر اليوم من أن يتحدثوا، لقد أصبح الكلام إدمانا، حاجة أساسية للاستمرار، نسي ماسلو إضافتها لهرمه. وعادة ما يحصل، أننا لا نقصد به مساعدة غيرنا أكثر من إثبات استحقاقنا للقب المخلص والمدبر.

– ولا ضرر من من الحديث إن كان جزءا من حوار ناضج. وأقصد بالحوار الناضج؛ أن يكون خاليا من الدوغمائية والنسبوية (relativism)، حيث أن النسبوية تجعل الحوار غير مفيد، وتجعله الدوغمائية مستحيلا، كما يذهب الناقد ميخائيل باختين.

– من المؤشرات الدالة على احترامك للحوار والرأي الآخر عدم وقوعك في المقولة الساخرة لتشومسكي: “إذا كنت تؤمن بحرية التعبير، فأنت تؤمن بحرية التعبير عن الآراء التي لا تعجبك” !

– إن النسبوية لا تعتقد بوجود أي حقيقة، هي النفي المطلق لكل شمول، أو كما يعبر ت. تودوروف، فعندها “إن كل شيء نسبي إذا .. إلا مذهب النسبوية، فهو شمولي !” … فالنسبوية هي تطرف في النسبية أو تجاهلها كليا، كما يمكن لنفي النسبية أو تجاهلها أن يدعى الشمولية. وكلاهما تطرف؛ فالشمولية تؤدي حتما إلى الدوغمائية، والنسبوية إلى السلبية والانتهازية وتقهقر الفكر وانعدام الحوار، كما ذكر الفيلسوف المجتمعي إريك فروم في كتابه [فن الإصغاء] ص8-9.

– نحن نشهد هذا ونسمعه في أماكن عملنا ودراستنا بشكل شبه يومي. نجد من يعلّمنا الأنظمة والبروتوكولات هو أول من يعتليها ويخالفها. ونجد من يعلمنا الكيفيات والأساسيات هو أمهر من يخالفها؛ بحجة خبرته وعلمه وكذا. ونجد من يعلمنا الأخلاقيات والسلوكيات هو أو من يسفك دمها ويسيل بها الأرض، ويشرب منها ! … الأمر غريب جدا، وكثيرا ما أشكك في ما يحصل، وأقول: هل أنا ساذج لكي أبتلع الطعم في كل مرة بابتسامة ملء وجهي، أم أنهم حربائيون ماهرون في التلون والتخفي؟ .. فأعود وأطمئن نفسي: الأمر بسيط، الكل يفعل ذلك ويتقنه، سأنسى الأمر مع حلول الصباح أو مساء الغد .. وسأقرأ فصلا من كتاب مدرسي عن تعلم الثقة، وأحتسي القهوة المُرّة، وأتذكر حديثا قديما لجدتي عن سماع نصائح الكبار .. وكأن شيئا لم يكن.

– وللوعظ والواعظين -الذي ابتدأت بهم- أشكال كثيرة، أذكر من ضمنها التدريب والمدربين أو من أسمّيهم الوعاظ الجدد. بمجرد الحديث عنهم، تظهر أمامي ثلاثة تساؤلات:
1/ لماذا تفتقر مادة الأطروحات التدريبية إلى المراجع؟
2/ لماذا تكون المادة المقدمة في الدورات التدريبية يغلب عليها السمة الغير علمية؟
3/ لمعظم المدربين المهرة حقيبة تدريبية تفترض تصورا وقالبا يقبل احتواء العالم كله ضمنه بارتياح تام، فهل فهم المدربون الحياة؟ ونَكَر العالم أفضالهم؟
4/ إذا استبعدنا الجانب الحركي الترفيهي الذي دائما ما يشغل وقتا مخصصا من البرنامج التدريبي .. ترى ماذا ستكون عليه الآراء حينها؟ وهل سيؤثر ذلك على الإقبال عليها؟

–  أقتبس من كتاب إريك فروم ذاته ص158 قوله: “ما من شيء مفيد يمكن أن يعمله المرء أو يتعلمه من دون أي جهد، ومن دون بعض التضحية، ومن دون تدريب. وكل الفكرة حول تعلم العزف الموسيقي أو أي شيء آخر في ستة دروس سهلة هو مجرد انتزاع مال نالس من جيوبهم. وهي لغو كامل. ولكن هذه هي الروح التي تنتشر على ما أعتقد في كل السكان”.

– جل تلك الدورات جعلت لإنهاء المشكلات، وقتل الملل والكآبة، ومحاصرة الوقت بدلا من أن يحاصرنا، امتلاك الحاسة العشرين .. والكثير الكثير من المواضيع المزينة بالهراء والمحشوة به. 

– هناك أمر آخر بالغ الأهمية. أتحدث عن ذلك القطاع صاحب الكذبة الكبرى والأكثر حساسية بالنسبة لي؛ الكذب في مجال الإنسان، وخلاص الإنسان، وكينونيته المثلى، وتطوره الجواني، وسعادته. يقول إريك فروم في كتاب مهم له بعنوان [فن الوجود] ص34-35: “لم يعد هنالك من عبارات في هذا المجال لم يتم استغلالها تجاريا، وتم تشويهها، وإساءة استخدامها. عبارات مثل: التطور الإنساني وإمكانية التطور، تحقيق الذات، التجربة في مواجهة الفكر، الآن، والكثير سواها من العبارات التي أفقدها العديد من الكتاب والجماعات قيمتها، حتى أنها استخدمت في كتب ترويجية. أفلا يجب علي أن أخشى أن يقوم القارئ بربط أفكار معينة مما أكتبه عنا مع ما كتبه الآخرون بالمعنى المعاكس، فقط لأن بعض الكلمات التي أستخدمها هنا هي في ذاتها التي يستخدمها سواي هناك؟ … أتمنى من القارئ أن يكون مدركا لحقيقة أن تلك الكلمات منفردة، ليست حقيقية، ولا تحصل هذه الكلمات على حقيقتها إلا بحسب السياق الذي يتم استخدامها فيه … إذا تمت قراءتها من وجهة نظر واحدة، ومن منظور غير عميق، فإنها تخفي الأفكار أكثر مما تنقلها إلى قارئها”.

– ويتابع حديثه قائلا: “هناك في الحقيقة سبب صغير يكمن وراء هذه الهجومات الشخصية، إذ أن هؤلاء المتاجرين بالخلاص لا يقبلون سوى بالطلب الواسع على بضائعهم. وكيف يمكن لهذه البضائع أن تكون مختلفة؟ والناس مرتبكون ومترددون، يبحثون عن إجابات توصلهم إلى السعادة والسكينة ومعرفة الذات والخلاص – لكنهم أيضا يريدون أن يكون التعلم سهلا … وأن يحصلوا على النتائج بسهولة”.

– لست هنا في محل قاض كي أحكم عليهم بالنفي أو السفه المؤبد، ولكنني أزعم أن هذه الجماعات تقف على أرضية هشة جدا. كل ما يستدعيه الأمر، هزة بسيطة، جرعة جيدة من خيبة الأمل، أو تحد حقيقي، أي عامل من تلك العوامل كفيلة بانتزاع الغطاء من على بصرهم، وتعريتهم أمام أنفسهم. كفيلة لتقنعهم بأنهم كانوا على خطأ جسيم بحق أنفسهم ..

– الأمر الذي لا أستطيع تفهمه: لماذا لا يريد البشريّ اليوم أن تكون لديه تجربته الخاصة .. التي لا يمليها عليه أحد ؟! … والحق في أنه “لابد من النزول إلى الشارع كي يمتلك الرؤية”.

– ختاما أقول: في عمق كل تجربة .. لحظة انفجار كوني للمعنى في داخل الإنسان

Advertisements

جاري المضغ/اجترار الهراء

من المعلوم وبعد تطور العلوم وتفرعها لتخصصات أدق وأدق، أصبح البشر يكترثون لما يمسهم من قشور العلم فقط، وكل ما لا يحتاجونه في مجال عملهم اليومي هو بالنسبة إليهم مجرد [إكسسوار] التحلِّي به يعتبرونه ضياع وقت لا أكثر .. ونمط الحياة السريع الذي نعيشه يعزز فكرة القصور أو [التقلص المعرفي]، ولو أنني أفضل الأولى على الثانية، فالتقلّص قد يحمل مرات معنى المشمِّر والمتأهِّب، عكس لفظة القاصر فهي أقرب للعجز والإهمال وارتخاء العزائم. وقد أشبه حالتنا فائقة التخصصية -وليتنا نُحسِن بحق- فقيرة الشمولية بكمَّامة أو غَمَامة الحصان، التي توضع على جانبي عينيه لكيلا يرى إلا أمامه. وفي حالتنا نحن الآدميون، فقد يصح القول، حين انعدام البصيرة يبقى المرء رهين ما يُبصر !!

قرأت كتاباً في الفترة الماضية وقد كان بمثابة ريح اقتلعت غمامة العين تلك عني، فقد طرح الأستاذ الدكتور الكبير عبدالله الغذامي في كتاب [اللسان واليد] تفسيراً مختلفاً مُجدِّداً لما نتصوره حين نلفظ بكلمة [القراءة]، وأكثر ما اتسم به كان حيادية الحجاج في طرحه. وقد ذكر أن القراءة هي اسم وسيلة إرسال واستقبال، “والوسيلة لا تكون غاية في ذاتها”، فهي ببساطة القدرة على التعبير قولا أو كتابةً من ناحية، ومن الناحية الأخرى استطاعة فك الرمز المكتوب أو اللغة المسموعة. واستند في ذلك على أنه لا يمكن لأحد أن يشكك في طه حسين وأبي العلاء المعري وامرؤ القيس .. مع أن ثلاثتهم كانوا فاقدي البصر لا البصيرة !! ولذا نستطيع أن نزعم أن الأذن تقرأ والحجة علينا هم أولئك الرجال ..
إذن “فالقراءة صيغة من صيغ التفاعل وليست سر التفاعل” !!
وتحدث الغذامي عن المصطلحات الثقافية الثلاث [يسمع/يقرأ/يبصر] .. حيث (يسمع) تعبّر عن الثقافة السمعية والشفاهية، في حين (يقرأ) تمثل الكتابة، والأخيرة (يبصر) ممثلة لمرحلة الثقافة البصرية والمرئية وهو زماننا الحالي الذي نعيش فيه. وقد يكون الميل اليوم باتجاه [ثقافة الصورة] تفسره طبيعة اليوم الذي نعيشه بين السرعة والمشغولية وتعدد المهام في ذات الوقت (Multitasking) .. فالمحاولات لا تزال قائمة لتصوير الكلمات على هيئة صوت [كتب مسموعة] أو [أغنية] أو حتى تحويل الروايات لأفلام ومسلسلات ومسرحيات .. ومنذ فترة انتشرت ظاهرة الأفلام القصيرة في كل مكان. ويقول الغذامي أيضا أن عوامل أخرى تدعم الكاتب وتقوِّي طرحه مثل المتعة والإثارة والمباشرة .. وضرب مثالاً لا يزال قريباً وهو شاعر القضية الفلسطينية محمود درويش. فنجد الاختلاف الشاسع بين واحد يستمتع وهو يقرأ مقطعاً من قصيدة لدرويش وبين آخر اقشعرَّ من أول نَفَس لآخر حرف لذات المقطع، إلا أنه سمعه بدلا من أن يقرأه !

ولا زال يغلب الظن اليوم بأن الشعوب التي تعج بالأمية هي -دائما- في المؤخرة، وأقول أن [أمية القراءة والكتابة] كانت أخف وأهون علينا بكثير من الأمية الجديدة [الأمية القيماتية والقدراتية] . لأن الأميين الأُوَل كان سلوكهم يتسم بالإنسانية، ويتجمَّلون بالبساطة والاحتمالية، بينما يرتبط بالصنف الجديد من الأميون -وبمساعدة من المنظومة التعليمية اليوم- الادعاء والفوقية والقطعيَّة، فخلَّف أناسا هشة وباهتة معادنهم ..

فالعلة واضحة، لأن الأمية الأولى لم تكن عائقا لكثير من البشر وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل العلة في الفشل الذريع من تحقيق التمكن التخصصي، وفتور الأخلاق، وضعف الرابط الإلهي، وإن شاء أحد فليطلق عليها [ثلاثية سفاهة العيش]. ويقول الدكتور عبدالله الغذامي في نفس الكتاب “إن الأمية ليست رديف الجهل ولا نقيض الثقافة، لكن البلوى في ما يسميه الأستاذ إبراهيم البليهي بـ [علم الجهل وبُنْية التخلف]، وهم عندي أنصاف المتعلمين الذين حرموا أنفسهم من طيبة الأمية وتواضعها وفي ذات الوقت لم يدركوا الوعي المعرفي وأخلاقيات الابتكار”

ولهؤلاء الذين لم يكتفوا بعد .. أنصحهم بمشاهدة حلقة [اقرأ] ضمن حلقات برنامج رمضان المنصرم [ومحياي] للدكتور وليد فتيحي.

تحية طيبة