بابا عدم

  


– بداخل كل واحد منا بركان يأس ضامر، تُفجّره المصائب المتوالية، والتحديات المنتهية بالخسارة، والآمال التي كسرها سجّيل الخيبة .. وربما المحفّز الأعظم لغضب ذلك البركان؛ هو مخالطة فاقدي المعنى وأسباب الحياة. هذا النوع من البشر؛ تُسمّيهم نانسي هيوستن مؤلفة الكتاب الثائر [أساتذة اليأس]: مُعلمو الموت ! هم أناس يبرعون في “تعلّم الموت وتعليمنا إياه، والتقليل من شأن الجسد ونشواته، وانتزاع الروح من كل شكل من أشكال الصلات، خصوصا صلة الحب، إنكار المؤنث المفكّر، الأموميّ الذكي، الزمني المتحرك، المفاجئ، الحيّ، الحاسّ، الهشّ، العابر، وتشويهه .. بكلمة واحدة، القضاء على الحياة الإنسانية: هذا ما يعلمنا إياه هؤلاء الأساتذة، من أعلى قواعد التماثيل التي نصبناها لهم”.

– ممارسة العنف، كل أشكال العنف، من العنف الفعلي، الفكري، الكلامي، هو ضرب من ضروب إنكار المرء انتماءه للبشرية، وهي إحدى ميزات أساتذة اليأس … طريقة التفكير هذه خطرة، إنها لا تعود على المرء إلا بتزايد شعوره بالغثيان.

– بما أن الشطح أو العبقرية هي تجاوز للحدود والأُطر، فإن كثيرا ما يعتقد الناس بعبقرية هؤلاء اليائسين. وسيقولون إن إميل سيوران خارق لأنه لا ينام من فرط الأرق الناجم عن حدة الإدراك. بينما يغرق العاديون من البشر في اللاوعي ساعات طوال. وقد قالها مرة إميل سيوران حين كتب لصديقه غابرييل ليسيانو: “إن الأرق العظيم ينمّي شعورا مُرضياً للغرور على نحو استثنائي بأنه لم يعد جزءاً من البشر العاديين”.

– ما يذهلني حقا في الإنسان أنه قادر، وبشكل مُبهر، على تجاوز نفسه، كما فعل هنا إميل سيوران: “يعتريني إحساس غريب حين أفكر أنني، في هذا العمر، متخصص في الموت”. قد تبدو هذه العبارة عادية لمن يعرف سيوران أو بقية العدميين. ولكن العجيب في الأمر، أنه صدّر بذلك السطر كتابا له، كان قد كتبه وهو في الثانية والعشرين من عمره !! قد يتبيّن لك في بادئ الأمر أنها عبارة اختيال استهلّ بها قلمه مشيته المتعجرفة. ولكنها تبدّلت في عيني بعد ثوان قليلة، إنها عبارة انهزامية، يائسة، لا حول لها ولا قوة .. إنها مجرد تنبؤ بتعاسة حاله. أليس هو من اعترف في فترة من حياته بموقفه النهائي قائلا: “أنْ تكون العزلة خطيئتك، أن تتسبب بالأذى عبر القطيعة، ألا تعرف فرحا إلا في انسحابك. أن تكون في غاية الوحدة” إن تلك هي ثمرة اليأس.

– تقول قصيدة فارسية، ذكرتها نانسي في كتابها السابق، ويا لكمية الرعشة التي خالجتني في كل مرة قرأتها:

“يا لتعاستي إنْ أنا لم أنتشِ

بالشمس،

يا لتعاستنا إنْ نحن لم نتمتّع بالربيع،

إنْ أنت لم تهشّم كأس الحزن على الصخرة،

عما قريب، ستتضاعف ألوانه السبعة

لتصبح سبعين”.

– العامل المشترك الأول بين جميع عشاق السواد وعلى رأسهمآرثر شوبنهاور [بابا عدم] -كما كنّته نانسي هيوستن: كانت لآرثر طفولة مليئة بالتناقض الوجداني، وتحديدا الناتج من ضغط عائلي. ولكن على الرغم من ذلك، لم تكن حياة شوبنهاور هي الأسوأ، كما كان الحال مع بقية أساتذة اليأس: صامويل بيكيت، وإميل سيوران، وتوماس بيرنهارد.

– لا أجد مفراً من أن انبطح ضاحكا عندما أقرأ مثل هذه المقولة لميشيل ويلبيك: “لا تخافوا السعادة، إنها غير موجودة”. وأحمد الله بأن جحيم دانتي الذي كتب بابه “أنتم أيها الداخلون إلى هنا، تخلّوا عن كل أمل” ليس إلا خيالا أسوداً فقط.

– تجد نانسي هيوستن أن هنالك تشابه كبير، على الصعيد النفسي وحسب، بين عشاق السواد ورجال السياسة، تحديدا هتلر. تقول: “بالطبع شتان بين أن يكون المرء رجل سياسة، قائد جيوش وزعيم بلد يغزو العالم، وأن يكون أستاذ يأس منغلق على ذاته، يمضي نهاراته في تحبير الأوراق. إن هتلر مسؤول عن موت ملايين البشر، بينما لم يتسبب توماس بينهارد بموت أحد. كان الأول يختلط بالحشود فيما يعزل الثاني نفسه عن المجتمع. أراد الأول أن يبني دولة كبرى، أما الثاني فأراد أن يبدع أثراً أدبياً، لكن إرادتيهما كانتا تنبعان من الحاجة ذاتها إلى التدمير، وفكريهما ينهلان من العنف ذاته. هنا وهناك جنون عظمة وهذيان، حقد تم الاشتغال عليه بشكل دائم كي يبلغ ذروته الفعالية، ولغة حادة وحاسمة تعمل وفقا لتناقضات مفرطة وثنائيات فظة: نحن والآخرون، أنا والعالم؛ ترفض كل أشكال الحوار والتفاعل والتأثر، وترفع من قيمة العزلة والشعور بالقدرة، بل بكل القدرة ونشوة الحدود القصوى”.

– إنه لأمر كارثي فظيع، أن يعيش المرء مع اليائسين. أنا متيقّن من أننا، نحن بني بشر، نتملّل حينا، وننتشي حينا. ولكنني أتحدث عن أولائك العشاق، عشاق السّواد، و”المرء مع من أحب”. لذلك كثيرا ما قيلت عبارات تشبه: قل لي من تخالل، أقل لك من أنت.

– رفض العالم مطلبٌ، ولا يحق لأحد أن يصف الرفض تشاؤما أو عبثا بإطلاق. فإن الفن تعبير عن الرفض بامتياز. والأدب رفض أنيق لنقصان العالم وقتامته. وصدقت نانسي هيوستن حينما قالت: “إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم ويعشقون الحياة عموما ويرضون عن حياتهم خصوصا لا يحتاجون أبدا لاختراع عالم موازٍ عن طريق الكلمات”.

– هنالك ما يجعل الأدب مختلفا وبعيدا عن العدمية، وأقتبس لنانسي هيوستن، ثلاثية سمّتها [مسلمات العدمية]:

١-النخبوية والأنا: لأن أستاذ اليأس يؤمن بأنه مختلف عن الجموع، وإن أغلب البشر لا يستحقون أن يسمّوا أفرادا، بسبب أنهم يشكّلون كتلة محكومة بغريزة القطيع ومبتذلة وامتثالية وغبية .. فإن أستاذ اليأس يحتمل عزلته ويدللها ويحميها وينمّيها.

٢-الاشمئزاز من الأنثوي الذي يمثّل الوجود الحسي والجسدي.

٣-احتقار الحياة الأرضية: إن أستاذ اليأس يودّ لو أنه لم يولد أبدا أو لو أنه مات منذ زمن، ويحلم بالانتحار لكنه في الآن ذاته يخشى الموت كثيرا ويطمع بالخلود بفضل منجز أو أثر روحي ..

– للمفكر والرئيس الراحل علي عزت بيچوڤيتش في كتابه [الإسلام بين الشرق والغرب] حديث عن القلق / الخوف، وفهم ناضج، يقول: “إن الإنسان لا يسلك في حياته كابن للطبيعة، بل كمغترب عنها. شعوره الأساسي هو الخوف، إلا أنه ليس خوفا بيولوجيا كذلك الذي يستشعره الحيوان، إنما هو خوف روحيّ كونيّ بدائي موصول بأسرار الوجود الإنساني وألغازه. وقد أطلق عليه مارتن هيدجر “العامل الخالد الأزلي المُحدِّد للوجود الإنساني”. إنه خوف ممتزج بحب الاستطلاع والإعجاب والدهشة والنفور، تلك المشاعر المُختلطة التي تكمن، على الأرجح، في أعماق ثقافتنا وفنونا كلها”.

– تحدثت في الجزء الأول من هذه المقالة عن أن مهمتنا في هذه الحياة هي تحويل اليأس إلى انتصار حقيقي .. وليس كل البشر قادرين على تحقيق مثل هذه المهمات. فَهْمُ هذه القاعدة هو أمر جدّ مهم، لأنه من السهل جدا أن يعتقد أحد ما بأن هذه مثالية زائفة، محلّها كتب التنمية البشرية الرخيصة، والدورات التطويرية البهلوانية. هناك أشخاص قد قهروا نسبيّتهم وخلّدهم التاريخ رغما عمن حاربوا لأجل إبادتهم.

– قراءة كتب عشاق السواد/ العدميون، قرار جريء، ومن المفترض أن يكون ذاتيا، لأنه ما يترتّب عليه قد يكون صعبا .. صعبا جدا. ربما لأنه اقتحام الإنسان نفسه، وامتحان لمدى مرونته وذكائه. 

– أجزم بأن لبيچوڤيتش فَهم خارج عن المألوف، هذا الرجل كان يقرأ الأمور بشكل مغاير تماما عما نفعل. كان يؤمن بشدّة أن الازدواجية هي مصدر عذابات وعذوبات الإنسان. وقد ذهب في قوله هذا مع رأي الفيلسوف والمفكر هربرت ماركوز في كتابه [الإنسان ذو البعد الواحد]، يقول بيچوڤيتش : “العدمية وفلسفة العبث، هما ثمرة أكثر بلاد العالم ثراء وتقدما. هذه الفلسفة تتحدث عن عالم بلا منطق، عن فرد منقسم على نفسه سيكولوجيا ومحطم، عن عالم أصمّ أبكم صامت. إنها ليست على الإطلاق فلسفة سامّة، كما يزعم بعض الناس، هي في الحقيقة فلسفة عميقة قادرة على التنوير. إنها تعبير عن مقاومة الإنسان، عن عدم رضاه عن العالم الذي ينمو بعكس الصورة التي أرادها لنفسه، إنها تمرّد على الحضارة ذات البعد الواحد”. إذاً العدمية قد تكون حلا تنويرياً ! … قد يفهم البعض بأن هذا القول يتعارض مع ما قالته نانسي هيوستن سابقا ! تريّث قليلا، فذلك قصور في الوعي لا أكثر. فالوعي “إدراك متزامن”، ومهارة القفز على الأطر، والتجنيح بريش الاستعداد .. وكل ذاك تدريب للإنسان على الوعي بكثرة الفرص والمساحات الإيجابية بين التضاد والتعارضات بين الأشياء في هذه الحياة.

– إتيان الأمور من أبواب متباعدة متضادة لهو من صميم الحكمة. 

– أخيرا، أختم وأقول: نعم لقد “تسارع زوال سحر هذا العالم”، ويبدو أننا نساعد في زيادة سرعة تشوّهه. يكفيك مكوثا في مأوى المحتضرين، قُم ! ففي هذا العالم الكثير لتعيشه.

Advertisements

اكتب .. انتقاما لنفسك

Logan Zillmer

Logan Zillmer

 

– لأن الكتابة فعل نقصده حينما نحتاج للتعبير، وحينما نريد معالجة أمر يستعصي على المرء حله، وحينما نود مشاركة الآخرين بفكرة ما، وحينما يجد المرء منا نفسه على مسافة منه – ولأسباب أكثر مما سبق بكثير .. لم أستطع الكتابة في الأسبوعين الماضيين. إن الحاجة للكتابة هي مصدر الشرر الذي تنطلق به، ولا غيره، نيران حروفي على الورق. هكذا أتمكن من التهام مرارة الأمس دون أدنى ضرر ..
 
– هذه السلسلة من المقالات الأسبوعية المتواضعة -تقريبا- تحوي أفكارا مهمتها إرباك الحراسة المشددة حول أصنامنا العنقاء. بل أظنها كما وصفت كارينا بليكسن كتابات كارلوس ليسكانو “شكل راديكالي من [اللاقبول]، الذي يقود إلى بناء نفسه من جديد، مرة بعد مرة، وإلى أن يتضاعف. ومثل أب مزعج، يسأل نفسه طوال الوقت إن كان ما يفعله يستحق العناء، وإن كان على قدر المعاناة، ولم يقوم به”. شخصيا، لقد سئمت من الكتاب الذين لا ينفكون من تقديم الحلول الرخوة والهشة، والكتاب الذين لا ينفكون من التقليد، أولئك من قصدهم فرانتس كافكا حين قال في يومياته: “الكتاب يتفوهون بأشياء كريهة الرائحة”. نريد مزيدا ممن يحررون الأصوات المحبوسة ويشقون الدروب لها.
 
– لا يساعدك على فهم نفسك، وتموج مزاجيتك، وأحوال شخصيتك مثل الكتابة، وأخص منها كتابة اليوميات. هناك تأثير سحري لكتابة اليوميات. هذا الممارسة تشعرني بشيء من الامتلاء الشعوري، الذي يصعب علي الآن وصفه بأكثر من أنه ترياق معنوي بامتياز. وأنقل مما كتبه كارلوس ليسكانو عن حاله مع اليأس في السجن في كتابه [الكاتب والآخر] ص45: “أعتقد أن ما حال بيني وبين الغرق في اليأس هو أنني أدركت حالتي وأدركت حقيقة أني أملك شخصية علي أن أغذيها: الكاتب الذي ابتكرته في السجن. كرست نفسي من أجله، لقد كان في ذلك خلاصي حتى إن بدا مفرطا وسخيفا قول ذلك، إلا أن ابتكاري هذا الصوت، ابتكاري M، قد أنقذني. نعم، لقد أنقذني، أعتقد ذلك، وأقوله، وأكتبه. ولكن، مم أنقذني؟ من أنني لم أكن أنا، ومن أنني لم أترك لنفسي أن أكون ذلك الذي كان ينبغي أن أكونه بالضرورة؛ والذي ولدت من أجله؟ أي شيء كان يمكن أن أكون لو لم أبدأ الكتابة؟”.
 
– يقول كذلك في ص50 عن آخره (=كما يحب أن يسميه، ويقصد به كيان الكاتب الذي ابتكره): “كل كاتب ابتكار. ثمة فرد هو واحد، وذات يوم يبتكر كاتبا ويصبح خادما له (=آخره). ومنذ تلك اللحظة، يعيش كما لو كان اثنين”.
 
– لابد وأنك تساءلت في مرة من المرات: لماذا يكتب أحدهم إذا لم يكن يقصد نشر كتاباته؟ وما غرض الكتابة إذا؟ .. أجاب عن هذا التساؤل المترجم د. عادل مصطفى في مقدمته لكتاب الحكيم والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس [التأملات] ص16: “الكتابة ارتقاء من الخصوصية إلى العمومية، تحقيق لما هو كامن في العقل، وتحديد لما هو غائم، وتثبيت لما هو هائم. بل هي بحث عن المجهول من خبايا النفس، ومعرفة بما هو ضائع في تضاعيف الذات … لست أعرف بالضبط ما أنا أفكر فيه؛ ربما لذلك شعرت في كتابته … بذلك يتحول [الذاتي] إلى [موضوعي]، فتتملكه الذات بعد أن كان يتملكها! وربما تحوله، بالمران والتكرار، إلى كيانها وبنيتها، فيصير نسيجا من أنسجتها، وعضوا من أعضائها، عضوا جاهزا للاستعمال طوع إرادتها وتحت إمرتها ورهن إشارتها”.
 
– عند الحديث عن اليوميات، يجدر بنا الحديث عن تأملات أوريليوس (توفى 180م). فهي عبارة عن درر نثرت في دفاتر يومياته التي كتبها في خضم المعارك وفوق الجبال أو في أعماق الغابات، أو في قصره الشامخ. والتي اتفق  وقد اخترت منها قوله:
 

*لا تنبت عن إخوانك في البشرية فتكون ورما على جسم العالم.

 

*ألا تصير مثل الذي أساء إليك .. ذلك هو خير انتقام.


*اللحظة الحاضرة هي ملكك النهائي، اقبض على اللحظة؛ أطياف الماضي وهواجس المستقبل تجتمع على التهام الحاضر الذي لا نملك سواه.


*لا تعلق سعادتك على آراء الآخرين فيك ولا تضع هناءك في أيديهم. ذلك [استرقاق] طوعي و[مصادرة] حياة و [نفي] خارج الذات. وما كنت لترضى أيا من ذلك لو كنت تعرف اسمه الحقيقي.


*لا تكن دمية تحركها خيوط الشهوة.


*أثقل الغرور؛ التواضع الزائف.


*ألا تدرك أن هناك حدا لعمرك، فإذا لم تستغله لتبديد غيومك فسوف يذهب العمر وسوف تذهب ولن تعود الفرصة مرة أخرى؟

 
– وكذلك يمكننا اعتبار كتاب الراحل الكبير علي عزت بيچوڤيتش [هروبي إلى الحرية] كان في أصله تأملات يومية، جمعها وحولها إلى لوحة ثقافية وحضارية فائقة الروعة. لم أستطع الكف عن الاندهاش طوال رحلتي مع الكتاب. كتب في مستهل كتابه: “لم أستطع الكلام، ولكني استطعت التفكير، وقررت أن أستثمر هذه الإمكانية حتى النهاية”.
 
– أختم بما وصف به ليسكانو آخره الكاتب [الكاتب والآخر] ص8: “إن الآخر المبتكر؛ الكاتب-الشخصية، يسير في العموم عكس اتجاه الحياة؛ فهو يغذي متطلبات خاصة به، ويختار أساتذة ويصوغ أهدافا. إنه يريد البقاء، وقد يكتفي ذلك الذي يحيا بكونه موجودا، محاولا ألا يخلق لنفسه كثيرا كن المشاكل وأن يعيش راضيا، ولا يروقه أن يكون خادما للكاتب. إن ذلك الذي يحيا [يلد] الآخر. إنه يصنع من حياته الخاصة آخر طفيليا: باحثا أرقا، غير مكتف أبدا ..”.