فن أن تكون دائماً أحمقاً

  


– لو أننا تأمّلنا أكثر، وتريّثنا أكثر، وقرأنا أكثر، لازددنا يقينا من أننا لم نعرف شيئا. لكن هذه المعرفة القليلة والضحلة؛ هي سبب كثير من معاناتنا المؤلمة.


– كم من الأفكار تقفز في الوقت ذاته بكل اتجاه! لكننا لا نقدس سوى فكرة واحدة.


– هذا هو التعصب الأعمى تجاه أمر وحيد. إن العصبية مزيج بين عاملين: الفكري والسلوكي. فحدّيّة في الأفكار، كاستخدام طريقة التفكير بـ [أو]، وطريقة التفكير بأسلوب الحل الوحيد. ويتمثّل العامل السلوكي عامة في ضعف إمكانية انسلاخ الشخص عن الأنا، فيصبح رقاً لها، فتعجنه كيفما شاءت، وتكسره حينما تريد. عند هذه الفئة من الناس، لا مجال ولا مكان للشك، فهو باعتبارهم خطيئة عظمى، ومناط ضعف لا قوة. كمثل من يسلّم رقبته لحد السيف.


– يقول محمود منقذ الهاشمي في تقديم كتاب عالم النفس والاجتماع إريك فروم [تشريح التدميرية البشرية]: “الشك هو أساس أي تقدّم فكري. ولكن هؤلاء الناس يعيشون على المسلّمات التي لا يملّون من تكرارها، وهم بدلا من الشك يعتمدون على التصديق القَبْلي والتكذيب القبلي”. إن فضيلة الشك هي في إرغامه إيانا على مراجعة أنفسنا في كل مرة يتم ضبطنا في موقف ارتباك من معتقادتنا ومبادئنا. وبذلك فسنكون أقدر على ملاحظة التغيّرات على المستوى الداخلي/الجواني .. كل هذا لن يكون ما دمنا أقرب للحجر، ثابتين دون إرادة، ضد التغيير والحركة، لا نقوى على مجابهة أنفسنا، ونخاف الوحدة .. مُصْمَتين ومُصَمّتين. ولا جزاء يليق بنا سوى النفي في جزيرة الوهم.


– إن أشرس خصلة في الوهم؛ أنه متخفٍّ وملتبس. لن نقبل بيسر وسعة صدر أننا جانبنا الصواب في خيار اتخذناه، أو في تصرّف تجاه موقف ما. إن الوهم عدو الوعي. ومتى ما كبّلنا الوهم بأصفاده، فلا مفر لنا إلا أن نتهجّم وننقلب إلى ما أشبه بحيوانات متوحّشة.


– إن هذا السلوك، بأن يتصرف الشخص بتوحّش، بل ويستلذّ بإطلاق توحّشه على من حوله، هو ما يسمّونه علماء النفس بالسادية. إنه حب سفك الدماء لأجل المتعة. وشنق الابتسامة في مهدها. وحرق ألوان الحياة لتُمسخ، وتتحول سوداء.


– لقد تمكّنت الساديّة، بلا شك، مِن دخول بيوتنا وأماكن عملنا وجلسات الأصدقاء. استطاعت أن تتبوّأ مقعداً مخصصاً على كل طاولة طعام، وطاولة اجتماع، وطاولة المدرسة. أصبحت السادية أحد الظواهر المرضيّة المميِّزة لمجتمعي الصغير حولي، بل وحتى المجتمعات العربية أجمع – كما عبّر عالم النفس د. مصطفى حجازي. أما عن وصف السادية، فأقتبس – بتصرف – من كتاب أستاذ الفلسفة عبدالإله بلقزيز [نهاية الداعية] قوله: “أما ترجمتها – أي السادية – فتكون في صورة سلوك عدواني من شخص أو مجموعة تجاه أفكار وآراء آخرين على نحوٍ لا يتوازن فيه السادي إلا متى الْتَذَّ بالتجريح الذي أصاب به ضحاياه”.


– يُعرف السادي بحبه – بل وبشغفه – لامتلاك السيطرة المطلقة على كل كائن حيّ. كبيراً كان أم صغيراً، رجلاً أم امرأة. وفي لُبّها حرص على استمرارية موضوع السيطرة وعدم القضاء عليه، خلافاً للنكروفيليا [حب الموت]. و”السيطرة الكاملة على إنسان تعني شلّه، وخنقه، وإحباطه” … وتاريخ السادية الشهير يُنسب إلى الأديب الفرنسي ماركيز دو ساد، الذي صورت أعماله اللذة السادية في الأفعال الجنسية لدى شخوص رواياته. 


– قد يتبادر إلى ذهن أحدهم أن السادية محصورة في الجنس. إن السادية في أصلها عدوان قبل أن تكون جنساً، كما يقول الدكتور مصطفى حجازي. ويفهمها على أنها – أي السادية – هرباً من مازوشية داخلية، من مشاعر الذنب التي تهدد وجوده.


– إن العدوان الذي هو سبب للنتيجة (=السادية)، هو في الأصل نتيجة للقهر الذي يعيش في جحيمه الفرد. القهر الذي نتج عن كبت عدوان خارجي، وتسبّب هذا الأخير بإحباط واضطراب في تحقيق الإنسان نفسه. ونقصد بتحقيق الإنسان نفسه أي قدرته على إيجاد معنى/قوة من حياته الفيزيقية والروحية والفكرية، وكذلك إمكانيته على خلق هذا المعنى/القوة من ذاته وفي ذاته. ومتى ما حصل اختلال في أي من الثلاثية السابقة، فقد أعلن القهر سطوته، وبدأ في عملية تحول الإنسان السّويّ إلى إنسان مقهور. يقول الدكتور حجازي في كتابه [التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور]: “إن فشل تحقيق الذات، فشل الوصول إلى قيمة ذاتية تعطي للوجود معناه، يولّد أشد مشاعر الذنب إيلاماً للنفس، وأقلّها قابلية للكبت والإنكار. هذه المشاعر تفجّر بدورها عدوانية شديدة تزداد وطأتها تدريجياً بمقدار تراكمها الداخلي. وعندما تصل العدوانية إلى هذا الحد لا بد لها من تصريف يتجاوز الارتداد إلى الذات وتحطيمها، كي يصل حد الإسقاط على الآخرين”.


– يُشير الدكتور حجازي في ذات المصدر إلى ما أسماه [قلق الخصاء]. يحصل بتأثير خارجي (=أي قوة خارجية مسيطرة)، ويسبب شعوراً دائما بالتهديد، كذلك مشاعر العجز والنقص وعدم الاكتمال، وتأخذ فرصتها في الزيادة، حتى تصبح تلك المشاعر ما يميّز ذلك الإنسان المقهور، إنسان المهانة. فليس بوسعه أن ينزل نفسه منزلة المتسلّط، ولا حتى المقارنة. وأقتبس مما قال في ذلك: “قلق الخصاء يزعزع كيان الإنسان المقهور ويخل بتوازنه، فهو يولّد الآلام المعنوية التي لا تحتمل والتي تمس صورة الذات وقيمتها، وتصيب الاعتبار الذاتي في الصميم. ولذلك فإنه يميل إلى فقدان الالتزام تجاه هذه الذات التي لا تحظى بالاعتبار من خلال الغرق في الرضوخ والتبعية والاستسلام، التي تأخذ جميعاً معنى عقاب هذه الذات المبخسة وتحطيمها”.


– في هذا المقام، كم يبدو نيتشه محقا حينما قال في كتابه [إنسان مفرط في إنسانيته – الجزء الثاني]: “نكره الشيء الجيد حين لا نكون في مستواه”. فالعدوان والكراهية، وإنْ اختلفا في أصلهما، ولكن فيهما تترعرع الأنا وتتضخم.


– يعدد علماء النفس أنواعاً كثيرة للسادية، فهناك السادية الجنسية، والسادية اللفظية، والسادية التملّكية … إلى آخره. في هذا المقال تحديداً، قصدت تحديداً السادية اللفظية أو الكلامية.


– إن الجدال السقيم، الممرض، العقيم، الذي لا يُرجى منه سوى إحباط الآخر، وممارسة القوة والضغط عليه، هو ما نرمي إليه هذا المقال. نحن بحاجة ماسة إلى نتعرّف على السبب الذي يقوم عليه النقاش الذي نحن بصدده، كي نتخذ قرار المتابعة؛ إنْ كان جدالاً هادفاً خاليا من أجندة مريضة، أو قرار الانسحاب. أو ربما، كما يذهب شوبنهاور، تدمير الآخر الذي، يعي أو لا يعي، ممارسته للسادية في الجدال.


– إن إحدى الإشكالات المتعلّقة بالجدل، وتحديداً عندما يتحوّل إلى مبارزة كلاميّة، هي عندما يتحول تفكير أحد الطرفين أو كلاهما، إلى ما أسماه إريك فروم بـ[التفكير الزائف]. وخطورته تكمن في أن التفكير الزائف قد يكون عقلانياً ومنطقياً، وليس يظهر عليه أي ملمح تشوّه أو تتخلله ثغرات، في غير مرّة. ولكنه أشار إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي ضرورة الأخذ في الحسبان الحالة السلوكية والشعورية والدوافع السيكولوجية لدى الشخص نفسه، عندها نستطيع التعامل مع الموضوع بشكل أكثر شمولية. يقول فروم في كتابه [الخوف من الحرية]: “ليست النقطة الحاسمة هي ما يجري التفكير فيه، بل كيف يجري التفكير فيه”. وكذلك يقول مؤكداً على ما سلف في كتابه [تشريح التدميرية البشرية]: “إن القاعدة السلوكية العامة التي فحواها أن السلوك القابل للملاحظة هو المعلومة التي يُعتمد عليها علمياً ليست صحيحة على الإطلاق. فالحقيقة هي أن السلوك نفسه يختلف اعتماداً على الدوافع الاي تحرّصه، ولو أن هذا الاختلاف قد لا يكون بائناً لدى المعاينة السطحية”.


– إن الشعور والدافع الداخلي لدى ذلك الإنسان المقهور -الذي قد يكون أنا وأنت- على أن يكون دائما على صواب، بأي ثمن كان، ودونما كثير تحقق وتأمل عن حيثيات الموضوع، ليس شيئا آخر، حسب رأي آرثر شوبنهاور، غير التعبير عن [فساد النوع الإنساني].


– إن طبيعة الحوار السادي الذي يقوم بين اثنين ساديين هو مجرّد محاولة للسيطرة على الآخر وإثبات الذات، وتغليب ما يسميه شوبنهاور [الكبرياء الفطرية] على حساب الموضوعية. “إن الكبرياء الفطرية سريعة الانفعال لاسيّما في ما يخصّ الملكات العقلية، إذ ليست تقبل أن يظهر إثباتنا كاذباً، وليست تقبل أن بكون إثبات الخصم صحيحاً” … إن ذلك الحوار ما هو إلا جدل مرائي [مشاغبي]. يستخدم في الطرف المسيطر كل السبل، المشروعة وغير المشروعة، الأخلاقية وغير الأخلاقية، الصادقة والكاذبة، من أجل شيء واحد، وهو الإطاحة بالآخر. “بهذه الطريقة يتعاضد ضعف ذكائنا وفساد إرادتنا تعاضداً تبادلياً”.


– أن تكون منقاداً بفعل العدوان نحو العمى، يعني أنك لا تهتم بصلب موضوع الجدال، بل بطعم وحلاوة الانتصار وقهر الآخر وإحباطه .. يعني أنك لا تكترث سوى لحلاوة أن تكون دائما على صواب. لذلك فقد أُعجبت بما قاله شوبنهاور ملخّصا المسألة: “أي شيء هو فن أن نكون دائما على صواب، إن لم نكن في أعماقنا على صواب أو لا؟ إذن، إنه فن الوصول إلى ظاهر الحقيقة دون الاهتمام بموضوع المطارحة”.


– للفيلسوف المتشائم آرثر شوبنهاور كتاب غير مشهور عنوانه [فن أن تكون دائماً على صواب]، وهو عنوان ساخر بامتياز. ابتدأ كتابه بتأصيل عميق عن سبب قيامه عليه، وتفصيل شديد عن ميكانيزم الجدل المرائي العبثي. وقد أحصى شوبنهاور ثمانية وثلاثين طريقة أو حيلة يتذرّع.


– كلمة على هامش الموضوع: كنت عند نهاية شرح كل حيلة والأمثلة عليها، أضحك. إن ما يقدّمه هذا الكتاب يُشبه الجدل اليومي الذي نشهده، أو نكون طرفاً فيه. يمكن أن أُلخّص تجربتي مع هذا الكتاب في جملة واحدة [ضحك هرباً من البكاء].   


-في كل مرة يزداد يقيني بما قاله جان جاك روسو -كتاب [أصل المساواة بين البشر]- يزداد معه ألمي، يقول: “لقد وُلد الإنسان حرّاً؛ لكنه مُقيّد بالسلاسل حيثما كان”.


– باتت مهمة الشخص اليوم صعبة للغاية؛ يتحتم عليه إدلاء رأيه في كل خبر! العالم بحاجة ماسّة إلى رأيك، فأنت خبير في جميع المجالات يا صاح! .. ولكنك -بكل أسف- قد نسيت أنّ “الاقتصاد في الكلام هو الاحترام الذي يقدمه الشخص لأعماق ذاته اللامتناهية”.


– وإذا كنت يا صاح من محبي اللهث وراء الحلول، ولا تعجبك هذه الطريقة في طرح الآراء، فابحث عن مقال سابق كنت قد كتبته بعنوان [فلتقل خيراً] عن العفة اللفظية .. ففيه قد تجد ضالتك.

– نهاية أقول: مما يستدعي السخرية ويثيرها، أن كل واحد سيسعى إلى الدفاع عن قضيّته مهما تطلّبه الأمر .. وإن بدت له كاذبة أو مشكوكاً فيه.

Advertisements

نشيد الكُتّاب اليومي

 


– ما من شيء جديدٍ في المكان الذي أعيش فيه، كل شيء كما هو، لم يتغيّر منذ أن خُلقت. ولكن الغياب، هو ما يضع نظارات أمام عينيّ. فأرى بها الواقع بشكل مختلف، أرى صورة أكثر وضوحاً .. كذلك الأمر مع الكتابة، فهي تُعلّمك مشاهدة الأشياء بطريقة أخرى، طريقة جديدة .. الكتابة تُعلّمك التجريد.


– لقد فقدتُ السيطرة على ما أكتب، وأعني بذلك تحديداً، هذه السلسلة من المقالات، ما أسميتها [مقالات الامتياز]. وأنا لا أُزكِّيها على غيرها، ولا أزعم بأنها تمثّلٌ للحقيقة .. فالحقيقة، شئنا أم أبينا، خارج نطاق قدرتنا أو إمكانياتنا. سأكون كاذباً من العيار الرخيص، إنْ قلتُ يوماً أنني -بهذه المقالات- أحلّ مشاكل العالم. وسأكون أكذب إنْ زعمْتُ أنها موجّهة لأحدٍ سواي. إن الكاتب الأصيل لا يبحث عن المشاكل ليحلّها، بل يبتكرُ سبلاً جديدة للعيش، ويخلق حيوات أخرى يحيا فيها وبها، وله -دون غيره- رئة ثالثة ورابعة ومائة … وبعد كل ذلك يتساءل “إنْ كان ما يفعله يستحق العناء”!


– أكتب كلاما كثيرا، ولا أعبأُ بالتفكير إنْ كان ذاك الكلام لم يعثُر على الكلمة، “تلك الكلمة التي تقول كل شيء، وتبرّر كلّ شيء”، كما قال الأديب كارلوس ليسكانو. 


– هامش: إنني أتضايق كثيراً في كل مرة تقترف يداي ذنْب كلمة [كُل]. إنّ قداسة هذه الكلمة أكبر مما ظننت أبداً. إنّ [كُل] لا تليق بالبشر، فهم هزيلون ونسبيون أمامها!


– عندما تصبح طموحاتي ككاتب أكثر تواضعا، تتحول المهمة إلى موضوع يسير. فالكتابة بشكل أو بآخر، تعرف على الذات. والتعرف على الذات لا يحتاج إلى احتفالات ومهرجانات …


– إن من يدعو نفسه كاتباً، من خلال إثارة الأخبار، وزفّ الجعجعة إلى أسماع الناس، قد ابتعد عن السبب الذي بدأت من أجله الكتابة .. إنه بفعلته تلك قد صنع من نفسه رمزاً ليّناً، يتلقفه فم عابر طريق، فيلوكه حتى يكلّ أو يملّ، ثم يبصقه علناً دون أدنى اكتراث. كم أنت تستحق الشفقة أيها الكاتب المأجور بهتاف الجمهور، فقد أهنت نفسك. أما الكتابة، فلا خوفٌ عليها، فهي تَمْكر وتَكِيد لنفسها.


– يحتاج المرء لأن يتجرّأ ويتفوّه بحماقات قد تؤخذ عليه مستقبلا! ولكن ما يتبقّى له من عزاء، أن يقول لنفسه: ما زلتُ أشقُّ طريقي نحو النضج ..


– لطالما كنت أمقُت الكتاب الذين يستخدمون أسماء مستعارة ليكتبوا من خلالها. ألست تملك شجاعة كافية لتظهر باسمك الحقيقي؟ هل تخشى أن يرى الناس تاريخ كتاباتك المهترئة؟ ألستَ تراهن على النهاية؟ … ولكنني مؤخراً اكتشفت أن الأمر يتجاوز ذلك. أن تكون قادرا على خلق آخركَ الكاتب، هو أعظم تحدٍّ قد يواجهه أيّ كاتب !! وكما قال كارلوس ليسكانو في [الكاتب والآخر]: “الكاتب هو العمل الأعظم للكاتب. الكاتب هو اختلاق. لأنه يبني صورته، ويعيد بناءها بلا توقف. لأنه هو ذاته عمله الأساسي”، فكيف بمن يقوم بخلق أكثر من شخصية كاتب داخله!؟


– لقد فقدت توازني عندما قرأت هذا النص لليسكانو وهو يصف الكاتب وعلاقته بآخره: “أن تكون كاتبا يعني أن تتوقف عن أن تكون ذلك الذي كنته دوما من أجل أن تصبح شخصيّة. أما الآخر، الغريب عن ذاته إلى الأبد، فسيمضي فاقداً ملامحه، وحضوره، وصوته. لن يتكلّم بعد الآن أبداً باسمه إلا أحيانا، حين تكون الشخصية ضعيفة، حين تسهو. وعندها، للحظة، يُحدِّث الآخر نفسه، وحيداً، ينظر إلى نفسه، يرى ذاته كما هي، لأنه يعرف في أعناق روحه أنه كائن. يشعر الآخر أن أحداً احتل حياته، لكنه لا يملك أن يُغرق الشخصية في الصمت، إلا إذا غير حياته، واسمه، ومكانه. وحتى هذا قد لا يجدي نفعاً. ففي كل لحظة تعود الشخصية لتمسك مرة أخرى بزمام الأمور. لأن الآخر يحتاج له. لأنه يحتاج إلى طريقته في رؤية الأشياء، وفي الوجود في العالم. لأن الخادم (=الكاتب) لا يعيش لابتكاره فقط بل بفضله أيضاً. لأن المُبْتَكَر هو الذي يمنح الأشياء معناها”. 


– يمكن تعريف أي كاتب بريبورتاج قصير من جزئين. فأما الأول، فمشهد الكاتب وهو يتحدث عن رغبته في “ترك شهادة على الحياة، من أجل الإمساك باللحظة، من أجل الصراع ضد انسياب الزمن، كي لا يشعر بأن لا شكل له”. وأما الثاني، فمشهد يصوّر امتنان الكاتب للمعاناة التي يمرّ بها.


– كارلوس ليسكانو: “الكاتب محكوم بالتأرجح بين الاندفاع الطفولي والإحباط المدمّر”.


– إذا أردْت أن تكسب قلب كاتب بجملة واحدة، فكل ما عليك فعله الآتي: “إن أعظم مديح يمكن أن يوجّهه كاتب لآخر: كنتُ أودّ أنْ أكتب ذلك”.


– تذكرت الآن، كنت أريد كتابة مقال عن مدى سادية الناس في هذه الأيام، وأنّ العنف بات هو المسيطر على طبيعة العلاقات. ولكن الكتابة، والكتابة عن الكتابة قطعت طريقي. فلتذهب الساديّة إلى جمعة ثانية، أو إلى الجحيم …

لا أحب المثقفين .. ولست منهم

/home/wpcom/public_html/wp-content/blogs.dir/71f/43427515/files/2014/12/img_6114.jpg

– “إن الأفكار لا تتحول إلى قوة مادية إلا حين تمتلكها الجماهير” ماركس

– يعتقد الكثيرون منا أن القراءة الحرة -غير التخصصية أو خارج حدود التخصص- هي أمر كمالي ينعمُ به البرجوازيون والمخمليون ولا يَلْزَم غيرهم. وهذا فكر خاطئ.

– بالمناسبة، للقراءة مفهوم واسع، تتداخل معه أكثر من حاسة، فالبصر يقرأ الحروف والكلمات، والبصر يقرأ ما يشاهد ويلاحظ، وكذلك السمع يقرأ .. كما ذكر الناقد عبدالله الغذامي في كتابه [اليد واللسان].

– للكاتب وأستاذ الفلسفة عبدالإله بلقزيز كتاب قيم [نهاية الداعية]. قدّم فيه طرحا فيه هادما لأصنام ما زلنا نعبدها [الدعاة].

– يقول في تقديم الكتاب: “آن للداعية أن يصمت، وأن ينسحب من المشهد بهدوء، كي يفسح فرصة للمثقف الباحث كي يزود ثقافته بمساهمة هي في عوز إليها. آن له أن يحترم دوره، وأن لا يتعدى حدود المعرفة فلا يظلم نفسه. لم تعد المرحلة تتحمله، أو تتحمل ثرثرته الببغاوية ومهاتراته الكلامية. فالدعاة أدعياء بلا زيادة ولا نقصان”.

– كتب كتابه هذا ليدافع عن الباحث والمتسائل الجاد بداخل كل إنسان حي. الذي لا يأخذ الأمور مسلمات على طبق من هراء. بل يتأنى، ويفكر، ويتفكر، حتى له كلفه الأمر الكفر بكل ما تعلق به سابقا .. وهذه صيرورة [عملية مكررة مستمرة] لا بداية لها ولا نهاية.

– لا أمان للمسلمات في هذا الوجود، وما منا إلا واردها. ففي كل مرة تظن أنك قاربت الحقيقة أو وقعت في حضنها، تأكد أنه ما زال بداخلك ولو نقطة من وهم. ذلك أننا كلما اعتقدنا بتحررنا من الأوهام، كنا في وهم جديد !

– “الأوهام ملذات باهظة الثمن بكل تأكيد، ولكن تحطيمها أبهظ ثمنا منها؛ إذا اعتبر لذة هو بدوره ! وإنه لكذلك ولا شك لدى الكثيرين” فريدريك نيتشه ص٢١٢ [إنسان مفرط في إنسانيته – الجزء الثاني].

– نحن -البشر- نطّلع ونبحث ونتسائل ونقرأ، لا لنقترب من الحقيقة، بل لنتيقّن أكثر بأننا أكثر جهلا مما ظننا سابقا – كما يقول محمد مشكور في كتابه [كلنا حمقى].

– صفة المثقف عندنا، كمجتمع برجوازي منشغل بالوظيفة واللهو واللعب والقيل والقال، مناط نكتة ودعابة، وأمر مثير للضحك والاستنكار. وهذا أمر قد نتفهّمه. ذلك لأننا “نكره الشيء الجيد حين لا نكون في مستواه” فريدرك نيتشه ص١١٠ [إنسان مفرط في إنسانيته – الجزء الثاني].

– هذا هو فهمنا للمثقف، وقد أقول أننا أصبنا في وصفه وإنزاله منزلته ! .. فالمثقف الحقيقي هو الذي يتخطى التفكير وتحليل ظاهرة ما، ويذهب لما وراء ذلك، ينزل بهذه الفكرة إلى الواقع، إلى الشارع، إلى الجمهور .. ليجد مكانها المناسب، ويوظفها ويفعّلها.

– تفعيل الفكرة وتوظيفها يعني شيئا واحدا؛ يعني خلودها !

– وعرّض عبدالإله بلقزيز في كتابه على أمراض المثقفين -وأحببت تسميتها متلازمة. النرجسية الثقافية، والسادية الثقافية “أما ترجمتها … فتكون في صورة سلوك عدواني من مثقف أو مثقفين تجاه أفكار وآراء آخرين على نحو لا يتوازن فيه المثقف السادي إلا متى الْتَذَّ بالتجريح الذي أصاب به ضحاياه من المثقفين !”، ومازوشية المثقفين، وأخيرا، رُهاب المثقف (فوبيا).

– إشكالية الداعية أو الثقافة الدعوية تكمن في أنها لا تقدم إدراكا ما للعالم، تصورا ما عنه، إنها تنتج مواقف منه، بل هي تنتجها في لغة استنهاضية حركية هي التجييش الإيديولوجي. وكذلك يتمحور تأثير هذا النوع من الخطاب بأنه يخاطب وجدان الجمهور لا عقله – حسب رأي عبدالإله بلقزيز.

– أقولها مجددا: أمر جدُّ مقرف .. كيف يتحمّل البشر تفاقم قدرتهم على الكلام !؟

– يا أيها المثقف المتعجرف .. كيف لك أن تحرق العالم، وكلماتك لم تشعل نفسها !

الصورة مأخوذة من موقع: http://budeco.nl

الأحمق ضد حمقه

Rachel Baran

Rachel Baran

– قبل أسبوع قرأت كتابا أهدانيه د. علي أبو الحسن، وصف الكاتب نفسه في كتابه قائلا: “أنا أول الحمقى”.

– كتاب [كلنا حمقى] للمؤلف محمد مشكور، هو عبارة اعتراف شجاع، زاخم بالمفاجآت منذ بدايته حين كتب في مقدمته: ” [لا توجد مقدمة .. ولا مؤخرة ..] من وحي الفوضى العربية”.

– من السهل جدا أن يقرر الواحد منا أن يقرأ، ومن السهل أيضا أن يذهب إلى مكتبة ما أو يتصفح الانترنت ليجد كتابا أيا كان. ولكنه من الصعب جدا أن نختار الكتاب المناسب لنا، مع الأخذ في الاعتبار، ما الذي نحتاجه في الوقت الحالي، وما الذي نريد أن نزود معرفتنا به -بغض النظر عن أسباب القراءة. ولهذبن العاملين الأخيرين قوة فائقة في تحديد مدى تأثير الكتاب علينا.

– لذلك قد نجد، في كثير من الأحيان، أن كتابا ما قد أحدث فرقا جوهريا في شخص نعرفه، وبدأ يحدّث به في كل مجلس ويكتب عنه في مواقع الشبكات الاجتماعية .. وربما يأخذ ذاك الكتاب بيده ليصنع مشروعا بسبب فكرة ما في طيات الكتاب. وفي المقابل، نقرؤه فلا نجد سوى معلومات جديدة فحسب.

– في هذا الكتاب، يحاول المؤلف أن يكفر بكثير من المسلمات التي تلقّنها على فترات مختلفة في حياته. مفاهيم عديدة مثل: الجهل، الموت، الحياة، المعرفة، المرض النفسي، الأقوال المأثورة، مصطلحات معهودة … إلخ.

– يقول في ص٢٠: “أن يقرأ أحدهم فماذا يعني ذلك؟، يعني أن يزداد شكا على حساب اليقين، وأن تنتج له المزيد من الأسئلة، وتشرع له المزيد من أبواب البحث، وتوسع له الكثير من مساحة الجهل … والشك من علامات الفراغ الذي تنجبه الأسئلة، لا من علامات الامتلاء الذي توفره المعرفة … وهذا يعني أن القراءة لا تملؤنا بقدر ما تفرغنا من اليقين، وبقدر ما تملؤنا الشك، والذي يعني الجهل أكثر من الامتلاء”.

– في مقالة مطولة يرفع الأستاذ محمد مشكور من احتقارنا للجهل، ويقدمه في أسلوب ثائر يائس من واقع مؤلم، وهو أننا نسعى لأن نكون عارفين -بمعنى لاهثين خلف المعلومة- ونهرب من حقيقة أننا جاهلون. والحقيقة -التي ينتصر لها المؤلف- أن الجهل لصيق ولزين ابن آدم، والجهل هو أمر يجب التصالح معه والإقرار به، والجهل هو وليد القراءة والمعرفة. قال جل وعز ((وفوق كل ذي علم عليم)) سورة يوسف آية [٧٦].

– ويقول ص٢٤: “وبناء على ما تقدم فالجهل لا يعني التخلف، وهو أساس التقدم والانفتاح، والمرونة المطلوبة … والتخلف يكون بادعاء المعرفة، والمتخلف هو الفرد العارف والفاهم، والجاهل يؤمن بالنقص والقصور فيتغير، والمتخلف يبقى ويصرّ على حاله فلا يفعل، والفرق واضح”.

– “عندما يعترف الإنسان بانتقاله من الإيمان بفكرة إلى التصديق بنقيضها، فإنه يشعر بكثير من الخوف والشك، ويزداد خوفه وشكه عندما يتذكر أحكامه التي كان يطلقها على المتخلفين معه بإيمانه ذاك، أو ربما ملاحقاته لهم أو حتى إيذائه لبعضهم فيما لو مان متطرفا حد التسبب بالإيذاء … الانتقال من الإيمان بفكرة إلى التصديق بنقيضها يخيف الباحثين عن الحقيقة، خاصة أولئك الذين يعتقدون بوجود محطة نهائية لها. فمثل هؤلاء سيوقفهم انقلابهم على إيمانهم الذي كان راسخا في يوم من الأيام على مقدار الضعف الكامن بوعيهم، ما سيمنعهم مستقبلا من الركون إلى أية أحكام قطعية صادرة عن هذا الوعي” سعدون محسن ضمد [هتك الأسرار] ص١١.

– ويذهب المؤلف إلى أن تكون القراءة قراءة تفكيكية لا قراءة غرضية، ويصفها ص٣١: “القراءة التي تنتج من الأفكار أفكاراً أخرى، القراءة التي تؤمن باللامعنى واللامكتوب والمسكوت عنه في النص، القراءة التي لا تضع نهايات، ولا تؤمن بفهم أو يقين، القراءة الاي لا توهمنا فهما ولا توصلنا علما، إنها القراءة الوحيدة التي ستمكننا من عيش إنسانيتنا من دون تطرف ومن دون جزم”.

– ويقول ص٣٥: “الجهل هو سبيلنا للتخلص من نرجسيتنا واعتدادنا بأنفسنا، وإذ نعترف بأننا جاهلون؛ نعترف بأننا بشر، والجهل يوردنا الريبة والشك، ولا يوردنا الاطمئنان واليقين”.

– يقتبس المؤلف من فريدرك نيتشه في كتابه [نقيض المسيح] ص١٢٢: “وأصحاب القناعات لا يدخلون في الاعتبار البتة في كل ما يتعلق بمبدأ القيمة واللاقيمة. القناعات سجون. إنها لا ترى بما يكفي من البعد، ولا تري إلى ما تحتها … إن عقلا ما يرغب في ما هو عظيم، ويرغب في الوسائل الموصلة إلى ذلك، لهو عقل رييي بالضرورة. التحرر من كل صنف جزء من القوة … فالمتعصبون جذّابون، والإنسانية تفضل الحركات الاستعراضية على الاستماع إلى براهين”.

– جذبني تفكير هذا الكاتب الثائر والحليم في ذات الوقت، وانتقاءاته الدقيقة الشائكة في مختلف مقالات الكتاب.

– كتب لي في إهدائه: “هنا الأحمق ضد حُمقه .. ووجدته رفيقك القلمي .. هنا رفيق كتب لا ليكتب .. وإنما وجد نفسه متورطا فحسب !” … وأنا أحسبه كذلك أيضا.

جاري المضغ/اجترار الهراء

من المعلوم وبعد تطور العلوم وتفرعها لتخصصات أدق وأدق، أصبح البشر يكترثون لما يمسهم من قشور العلم فقط، وكل ما لا يحتاجونه في مجال عملهم اليومي هو بالنسبة إليهم مجرد [إكسسوار] التحلِّي به يعتبرونه ضياع وقت لا أكثر .. ونمط الحياة السريع الذي نعيشه يعزز فكرة القصور أو [التقلص المعرفي]، ولو أنني أفضل الأولى على الثانية، فالتقلّص قد يحمل مرات معنى المشمِّر والمتأهِّب، عكس لفظة القاصر فهي أقرب للعجز والإهمال وارتخاء العزائم. وقد أشبه حالتنا فائقة التخصصية -وليتنا نُحسِن بحق- فقيرة الشمولية بكمَّامة أو غَمَامة الحصان، التي توضع على جانبي عينيه لكيلا يرى إلا أمامه. وفي حالتنا نحن الآدميون، فقد يصح القول، حين انعدام البصيرة يبقى المرء رهين ما يُبصر !!

قرأت كتاباً في الفترة الماضية وقد كان بمثابة ريح اقتلعت غمامة العين تلك عني، فقد طرح الأستاذ الدكتور الكبير عبدالله الغذامي في كتاب [اللسان واليد] تفسيراً مختلفاً مُجدِّداً لما نتصوره حين نلفظ بكلمة [القراءة]، وأكثر ما اتسم به كان حيادية الحجاج في طرحه. وقد ذكر أن القراءة هي اسم وسيلة إرسال واستقبال، “والوسيلة لا تكون غاية في ذاتها”، فهي ببساطة القدرة على التعبير قولا أو كتابةً من ناحية، ومن الناحية الأخرى استطاعة فك الرمز المكتوب أو اللغة المسموعة. واستند في ذلك على أنه لا يمكن لأحد أن يشكك في طه حسين وأبي العلاء المعري وامرؤ القيس .. مع أن ثلاثتهم كانوا فاقدي البصر لا البصيرة !! ولذا نستطيع أن نزعم أن الأذن تقرأ والحجة علينا هم أولئك الرجال ..
إذن “فالقراءة صيغة من صيغ التفاعل وليست سر التفاعل” !!
وتحدث الغذامي عن المصطلحات الثقافية الثلاث [يسمع/يقرأ/يبصر] .. حيث (يسمع) تعبّر عن الثقافة السمعية والشفاهية، في حين (يقرأ) تمثل الكتابة، والأخيرة (يبصر) ممثلة لمرحلة الثقافة البصرية والمرئية وهو زماننا الحالي الذي نعيش فيه. وقد يكون الميل اليوم باتجاه [ثقافة الصورة] تفسره طبيعة اليوم الذي نعيشه بين السرعة والمشغولية وتعدد المهام في ذات الوقت (Multitasking) .. فالمحاولات لا تزال قائمة لتصوير الكلمات على هيئة صوت [كتب مسموعة] أو [أغنية] أو حتى تحويل الروايات لأفلام ومسلسلات ومسرحيات .. ومنذ فترة انتشرت ظاهرة الأفلام القصيرة في كل مكان. ويقول الغذامي أيضا أن عوامل أخرى تدعم الكاتب وتقوِّي طرحه مثل المتعة والإثارة والمباشرة .. وضرب مثالاً لا يزال قريباً وهو شاعر القضية الفلسطينية محمود درويش. فنجد الاختلاف الشاسع بين واحد يستمتع وهو يقرأ مقطعاً من قصيدة لدرويش وبين آخر اقشعرَّ من أول نَفَس لآخر حرف لذات المقطع، إلا أنه سمعه بدلا من أن يقرأه !

ولا زال يغلب الظن اليوم بأن الشعوب التي تعج بالأمية هي -دائما- في المؤخرة، وأقول أن [أمية القراءة والكتابة] كانت أخف وأهون علينا بكثير من الأمية الجديدة [الأمية القيماتية والقدراتية] . لأن الأميين الأُوَل كان سلوكهم يتسم بالإنسانية، ويتجمَّلون بالبساطة والاحتمالية، بينما يرتبط بالصنف الجديد من الأميون -وبمساعدة من المنظومة التعليمية اليوم- الادعاء والفوقية والقطعيَّة، فخلَّف أناسا هشة وباهتة معادنهم ..

فالعلة واضحة، لأن الأمية الأولى لم تكن عائقا لكثير من البشر وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل العلة في الفشل الذريع من تحقيق التمكن التخصصي، وفتور الأخلاق، وضعف الرابط الإلهي، وإن شاء أحد فليطلق عليها [ثلاثية سفاهة العيش]. ويقول الدكتور عبدالله الغذامي في نفس الكتاب “إن الأمية ليست رديف الجهل ولا نقيض الثقافة، لكن البلوى في ما يسميه الأستاذ إبراهيم البليهي بـ [علم الجهل وبُنْية التخلف]، وهم عندي أنصاف المتعلمين الذين حرموا أنفسهم من طيبة الأمية وتواضعها وفي ذات الوقت لم يدركوا الوعي المعرفي وأخلاقيات الابتكار”

ولهؤلاء الذين لم يكتفوا بعد .. أنصحهم بمشاهدة حلقة [اقرأ] ضمن حلقات برنامج رمضان المنصرم [ومحياي] للدكتور وليد فتيحي.

تحية طيبة

قلم أدمن الأسر

لا شيء يخلد ذكرانا كسطر مقولة كتبناها فحركت إحساسا وفكرة ، أو هدت من بعدنا ، فالكلمة تعيش لتُؤْثر دائما على نفسها بأن تترك الأثر الأكبر في قارئها !! والحقيقة المنغرسة في مكان ما فينا ، أننا نكتب بسبب عارضٍ  جرحَ عمقا مقدسا داخلنا ، فتنهمر العبارات بثراءٍ وصدق وافر ، حينها تتفاقم احتمالات دقة التصويب وعذوبة الإصابة .. وإذا كنت ممن يكتبون لمجرد تلميع أسطح المفاهيم ، وسرد ما تم سرده ، فيجب أن تعي انتفاء أصول الكتابة فيما فعلت ويمكنك تسميته ما شئت !!
الحركة الفاعلة للقلم تشترط استبصارا مستقبليا أو عمقا نافذا ، هي فتح نافذة جديدة تزامنت مع انسكاب مداد الكاتب .. والكتاب الحقيقيون هم كما يُقول العارفون “من يديرون العالم من وراء قبورهم !!” ..

نحن نحب أن نقرأ ما يبقينا مندهشين كلما مضينا في الصفحات ، ما يُشعِرنا بتلك اللحظة الملائكية في خضم ضجيج نواقيس السلام ، ما يفتّح أذهاننا ويوسع مداركنا .. ومع ذلك نحن لا نعرف القراءة !! فهي أوسع من أن تكون عبورا في مجموعة ورقات ، هي تفكر وتأمل في كون مفتوح على مصراعيه لمن شاء أن يقتبس ..

 

نحن لا نقرأ لأننا لا نريد أن نعترف .. ولا نكتب لأننا أدمنا الاستسلام !!