مجتزأ من: رسالة إلى صديقي الكاتب

  

في يوم ميلادي، أستقبلُ رسالةً من أحد الأصدقاء. أفتحُ الظرف، فلا أجد سوى ورقتين. تبيّن لي – فيما بعد – أنها هدية. لقد أهداني نصاً فارهاً كتبه منذ وقت طويل. وكنتُ قد مدحتُ نصَّه هذا، حتى أنه ظنّ بأنّي أسخر منه … إنّ هذا لَمِثال معبّر عن الصديق الوفيّ، فقد احتفَظَ بقصاصة الورقة تلك لمدة تقارب العام، ليهديني إياها لاحقاً، في يوم فريد ..
أما الورقة الثانية، فكانت رسالةً شكى وحكى لي فيها معاناته مع قَفْلة في الكتابة. لقد وقع في فخّ الصفحة البيضاء. فما عادت أصابعه تطاوعه. واستحضاره للكلمات بات أمراً صعباً مستحيلا، إنه تائه عن بوابة الإلهام. قال لي: في كل مرة أعْزِمُ على الكتابة، كنتُ أشعر بأنّ وحياً ما يَتنزّل عليّ، يُحدّثني، ويُملي عليّ ما أفعل. حينها يُفلَت مني زمام الأمور، وأخضع مستسلماً دون أدنى محاولة للمقاومة .. لا شيء في حياتي كلها يُساوي النشوة التي أحسّ بها حين أكتب.
وعندما أعود لقراءة ذات النص في وقتٍ ما لاحق، أتفاجأ، بل أكادُ أُجَنُّ، وأتساءل: هل كتبتُ هذا النص حقاً!!؟ .. ومرة تلو مرة، يزداد إيماني بأن شخصية أخرى، أو كائن آخر، أو كاتب آخر، يتلبّسني، ويقوم هو بإدلاء دلْوه. أما أنا، فأحظى بشرف أنّي كنت مَعْبَرَاً لذلك الرزق، فحسب ..
إن آخري الكاتب مُرهف وعاطفيّ. يتعفّف عن الإصرار في نسبة الكتابات إليه. لكنه يتمنّع عندما أُعجَبُ بنفسي وبما كتبتُ. وسريعا أشعر بجفاف غيابه، تلك هي طريقته في التربية، الهجر الجميل! وكأنه بصدّه يُعلّمني درساً من منهج أخلاقيات الكاتب، وأهمية تجاوز الكاتب نفسه …
فكتبتُ إلى صديقي الكاتب:
إني لأجد رسالتك الأخيرة مضحكة جداً، فكثيراً ما يعْلَقَ الكتّاب في شباك قفلة الكتابة. ومعظمهم يجدونها أمراً مزعجاً، وربما قَدَراً مرعباً ..
أما أنا فأعتبرها نقطة تحوّل للكاتب، لا أكثر.
إن الخطر الأعظم الذي يهدد أي كاتب، هو فقدانه للسبب/المعنى الذي يحثّه على اقتراف الكتابة، والمتابعة في اقتحامها مرة تلو الأخرى … وقد اخترت لنفسي هذه الثلاثية، ترنيمة أتلوها قبل الشروع في الكتابة: 
أحمل نفسي على الكتابة؛ كي أنسى ..
كي أغرس بذرة المعنى في صحرائي ..
كي أشدّ وشاح الأمل حول عُنق اليأس ..
وسأخبرك يا صديقي عن طقسي في الكتابة، لإيماني العميق بأنه لا بد للكاتب أن يكوّن طقسه الخاص به حين يكتب، ويعرفه جيداً، ومن ثم يحترمه ..
أبدأ طقسي بكوب قهوة ساخن. أصطحب معي كناشة جديدة وقلم رصاص، لا أستخدمهما عادة، ولكن هكذا أحب أن تكون الأشياء متواجدة أمامي على الطاولة. وهاتفي الذكي؛ هو ضحية محاولاتي في الكتابة. موسيقى كلاسيكية، أُفضِّل بيتهوڤن وشوبن وتشيكوڤسكي على البقية، وفي مرات أنتقي الجاز، لأنها موسيقى مشاغبة وشاعرية في آن واحد، هذه الأخيرة محببة لديّ جداً. عادة ما أتّجه صوب الأماكن المزدحمة بالناس للكتابة، فهم يساعدونني على التركيز أكثر.
اِعلمْ أن الكتابة نداء الطبيعة للكاتب. وعندما يتعلّق الأمر بالكتابة، لن تستطيع تأجيل فكرة ما أو الانشغال بغيرها، وإلا فستتبخر الفكرة، وتهجرك، ستذهب لتختار قلماً غير قلمك، أكثر جدية، وأقل انشغالا! فاخترْ طقسك وحدّد مهمتك، ثم اُمكثْ داخل الكهف حتى يأتيك النداء ..
لا تظن، ولو للحظة واحدة، أنّ حروفك ستبقيك بعيداً عن مشاكل الآخرين، إن الكتابة حربٌ، وليس لك حق فيها سوى تحديد درجة خشونة أو نعومة رصاص أسلحتك. إنها فعل هجومي، فعل ابتداء. ومتى ما كانت ردة فعل، فقدت معناها الأساس!
يا صديقي الكاتب، ما سبق وأسلفت، لا يعني ألا تُجيد الدفاع عن نفسك .. ولكن الدفاع، في هذا السياق، حيلة الضعيف، حيث أن حجم تقرّحات جسدك الناجمة عن شتائم الناس، هي دليل – صارخ ومؤلم – على تطوّر طريقتك في الكتابة. كذلك ستُساعدك على تذكّر عمرك في الكتابة، في كل مرة ترى فيها نفسك أمام المرآة – كما يعرف الرّيفي عمر الشجر المجاور لمنزله.  
ليس أمراً يعيب الكاتب، أن يكون مثالياً، بل هكذا ينبغي أن يكون الكاتب الأصيل، هناك – في المثاليّة – سيجد مستراحاً لعقله. يهرع للكتابة لأنه يؤمن بأنها سبيل للخلاص. ذلك أن خيال الكتابة أصدق من واقعية الواقع/الحياة. نعم، إن واقعية المثالية في كتاباته أقوى من أي واقع.
إن الكاتب الذي يكتب كثيراً، ولا يجد مهربا له سوى الكتابة .. والكاتب الذي لا تفارق يده قلمه وكناشته ..
هو مجرد إنسان يحلم كثيراً. والأحلام بطبعها لا تموت. ولكنها طفيلية، تحتاج إلى كائن حيّ تعيش بداخله، حتى تتسنّى لها الاستدامة. وكذلك فهي أنانية، لا مكان للولاء عندها .. إن الأحلام تختار الأشخاص الأكثر جرأة وإصراراً!
الكاتب هو شخص يعتقد أنه لا يزال ممكناً وصف العالم بطريقة جديدة. يبحث عن الفكرة وراء النص الذي هو بصدد كتابته، يختارها بعناية شديدة، ثم يترك لهيجان إحساسه حرية التعبير عن الفكرة.
تحسّب يا صديقي الكاتب، فالكتابة ستجعلك منك شخصاً مقربا للوحدة، فهي ستستوقفك، وتأسرك، وتُغويك، وستجعل منك مدمنا على كأسها، ومِنْ ثمّ ستعشقها دون ملاحظة. الكتابة ستُرغمك على أن تعيش حياتك مُقِلّاً اختلاطك بالناس؛ إنها فكرة تبدو غاية في الجمال والإثارة .. ولكن، صدقني، أنت لا تريدها أن تتعدى ذلك الحد!!
تأمل في شذرة إلياس كانيني هذه “أنْ يُولَد الإنسان مرات كثيرة أمر عادي بالنسبة له، إنه يريد أن يعيش في مخلوقات كثيرة في الوقت نفسه”. وأنت، بالكتابة، يا صديقي البريء، تقوم بتدوين تاريخ وحالة وآلام كل مخاض وولادة! لذا، فاكتب كلما سنحت لك الفرص، واصنع الفرصة عندما تتآمر عليك الظروف.
إنّ كانيني لم يُجانب الصواب حين نصح صديقه قائلا: “أنت ذكي جدا، عليك أن تخسر أكثر!”. أحمق هو مَنْ ظنّ أن النضج ثمنه بخس! إن النضج ثمرة التجارب، ولن يجده، أي إنسان، مرميّاً على رصيف شارع بيته. إن النضج وليد التأمل والتريّث والوقت! فاصبر على الكاتب الذي يعيش في عروقك وتحت بصمات أصابعك، حتى يظهر.
بعدما فرغتُ من رسالتي إلى صديقي الكاتب. وبمناسبة يوم ميلادي، لَمحْتُ فتحة تخترق سحابة بيضاء فوقي، وإذ بكومة من الأسئلة تتساقط عليّ: هل تشعر بأنك كبُرت عاماً كاملا؟ هل ترى ما يدل على ذلك؟ هل يراودك شعور بأنه ما يزال هنالك طيش كثير لم تجربه بعد؟ هل يليق بك إسبال ثوب الحكمة؟ ألا زلت تتوهم بأنك كاتب؟ هل جرّبت أن تعيش حقاً؟ هل مررت بتجربة حب؟ هل ثملْتَ من حلاوة كلمة؟

نشيد الكُتّاب اليومي

 


– ما من شيء جديدٍ في المكان الذي أعيش فيه، كل شيء كما هو، لم يتغيّر منذ أن خُلقت. ولكن الغياب، هو ما يضع نظارات أمام عينيّ. فأرى بها الواقع بشكل مختلف، أرى صورة أكثر وضوحاً .. كذلك الأمر مع الكتابة، فهي تُعلّمك مشاهدة الأشياء بطريقة أخرى، طريقة جديدة .. الكتابة تُعلّمك التجريد.


– لقد فقدتُ السيطرة على ما أكتب، وأعني بذلك تحديداً، هذه السلسلة من المقالات، ما أسميتها [مقالات الامتياز]. وأنا لا أُزكِّيها على غيرها، ولا أزعم بأنها تمثّلٌ للحقيقة .. فالحقيقة، شئنا أم أبينا، خارج نطاق قدرتنا أو إمكانياتنا. سأكون كاذباً من العيار الرخيص، إنْ قلتُ يوماً أنني -بهذه المقالات- أحلّ مشاكل العالم. وسأكون أكذب إنْ زعمْتُ أنها موجّهة لأحدٍ سواي. إن الكاتب الأصيل لا يبحث عن المشاكل ليحلّها، بل يبتكرُ سبلاً جديدة للعيش، ويخلق حيوات أخرى يحيا فيها وبها، وله -دون غيره- رئة ثالثة ورابعة ومائة … وبعد كل ذلك يتساءل “إنْ كان ما يفعله يستحق العناء”!


– أكتب كلاما كثيرا، ولا أعبأُ بالتفكير إنْ كان ذاك الكلام لم يعثُر على الكلمة، “تلك الكلمة التي تقول كل شيء، وتبرّر كلّ شيء”، كما قال الأديب كارلوس ليسكانو. 


– هامش: إنني أتضايق كثيراً في كل مرة تقترف يداي ذنْب كلمة [كُل]. إنّ قداسة هذه الكلمة أكبر مما ظننت أبداً. إنّ [كُل] لا تليق بالبشر، فهم هزيلون ونسبيون أمامها!


– عندما تصبح طموحاتي ككاتب أكثر تواضعا، تتحول المهمة إلى موضوع يسير. فالكتابة بشكل أو بآخر، تعرف على الذات. والتعرف على الذات لا يحتاج إلى احتفالات ومهرجانات …


– إن من يدعو نفسه كاتباً، من خلال إثارة الأخبار، وزفّ الجعجعة إلى أسماع الناس، قد ابتعد عن السبب الذي بدأت من أجله الكتابة .. إنه بفعلته تلك قد صنع من نفسه رمزاً ليّناً، يتلقفه فم عابر طريق، فيلوكه حتى يكلّ أو يملّ، ثم يبصقه علناً دون أدنى اكتراث. كم أنت تستحق الشفقة أيها الكاتب المأجور بهتاف الجمهور، فقد أهنت نفسك. أما الكتابة، فلا خوفٌ عليها، فهي تَمْكر وتَكِيد لنفسها.


– يحتاج المرء لأن يتجرّأ ويتفوّه بحماقات قد تؤخذ عليه مستقبلا! ولكن ما يتبقّى له من عزاء، أن يقول لنفسه: ما زلتُ أشقُّ طريقي نحو النضج ..


– لطالما كنت أمقُت الكتاب الذين يستخدمون أسماء مستعارة ليكتبوا من خلالها. ألست تملك شجاعة كافية لتظهر باسمك الحقيقي؟ هل تخشى أن يرى الناس تاريخ كتاباتك المهترئة؟ ألستَ تراهن على النهاية؟ … ولكنني مؤخراً اكتشفت أن الأمر يتجاوز ذلك. أن تكون قادرا على خلق آخركَ الكاتب، هو أعظم تحدٍّ قد يواجهه أيّ كاتب !! وكما قال كارلوس ليسكانو في [الكاتب والآخر]: “الكاتب هو العمل الأعظم للكاتب. الكاتب هو اختلاق. لأنه يبني صورته، ويعيد بناءها بلا توقف. لأنه هو ذاته عمله الأساسي”، فكيف بمن يقوم بخلق أكثر من شخصية كاتب داخله!؟


– لقد فقدت توازني عندما قرأت هذا النص لليسكانو وهو يصف الكاتب وعلاقته بآخره: “أن تكون كاتبا يعني أن تتوقف عن أن تكون ذلك الذي كنته دوما من أجل أن تصبح شخصيّة. أما الآخر، الغريب عن ذاته إلى الأبد، فسيمضي فاقداً ملامحه، وحضوره، وصوته. لن يتكلّم بعد الآن أبداً باسمه إلا أحيانا، حين تكون الشخصية ضعيفة، حين تسهو. وعندها، للحظة، يُحدِّث الآخر نفسه، وحيداً، ينظر إلى نفسه، يرى ذاته كما هي، لأنه يعرف في أعناق روحه أنه كائن. يشعر الآخر أن أحداً احتل حياته، لكنه لا يملك أن يُغرق الشخصية في الصمت، إلا إذا غير حياته، واسمه، ومكانه. وحتى هذا قد لا يجدي نفعاً. ففي كل لحظة تعود الشخصية لتمسك مرة أخرى بزمام الأمور. لأن الآخر يحتاج له. لأنه يحتاج إلى طريقته في رؤية الأشياء، وفي الوجود في العالم. لأن الخادم (=الكاتب) لا يعيش لابتكاره فقط بل بفضله أيضاً. لأن المُبْتَكَر هو الذي يمنح الأشياء معناها”. 


– يمكن تعريف أي كاتب بريبورتاج قصير من جزئين. فأما الأول، فمشهد الكاتب وهو يتحدث عن رغبته في “ترك شهادة على الحياة، من أجل الإمساك باللحظة، من أجل الصراع ضد انسياب الزمن، كي لا يشعر بأن لا شكل له”. وأما الثاني، فمشهد يصوّر امتنان الكاتب للمعاناة التي يمرّ بها.


– كارلوس ليسكانو: “الكاتب محكوم بالتأرجح بين الاندفاع الطفولي والإحباط المدمّر”.


– إذا أردْت أن تكسب قلب كاتب بجملة واحدة، فكل ما عليك فعله الآتي: “إن أعظم مديح يمكن أن يوجّهه كاتب لآخر: كنتُ أودّ أنْ أكتب ذلك”.


– تذكرت الآن، كنت أريد كتابة مقال عن مدى سادية الناس في هذه الأيام، وأنّ العنف بات هو المسيطر على طبيعة العلاقات. ولكن الكتابة، والكتابة عن الكتابة قطعت طريقي. فلتذهب الساديّة إلى جمعة ثانية، أو إلى الجحيم …

لا تهرطقوا محمود درويش !!

IMG_0201.JPG

– بادئ ذي بدء، لنتفق على أمر واحد مهم، وهو أنه لا يمكن لمقالة واحدة أن تختزل عالم محمود درويش أو تحيط به !

– تأخرت في كتابة هذا المقال كثيرا، وأظن بأني استنفدت كل فرصي في التفاوض مع القدر بغرض التأجيل. ولكن يبدو أنه حان موعده.

– لست من أولئك الذين يفنون عمرهم في سبيل إثبات أو دحض آراء الآخرين، ومحاربة من يحاربونهم، ومناصرة من يناصرونهم. وإنما أؤمن بالانتصار للأفكار، لا بالانتصار للأشخاص. ذلك أن الفكرة هي الباقية وليس صاحبها، وإن التعلّق يزداد اطّرادا مع التعصب، مما يجعل التجرد أمرا صعبا، أو ربما مستحيلا، عندما يتعلق الأمر بالأشخاص لا بالأفكار. ومع ذلك كله .. استأذنت نفسي لأتجاوزها هذه المرة، فأذنت لي، ففعلت.

– أنا لست بشاعر، وإنما أتذوق الشعر. ولي شاعري المفضل، كما يختار غيري لونه المفضل.

– يقول الشاعر والأديب ت. س. إليوت: “لأن كل شاعر كبير هو ثائر كبير بالضرورة دون أن يكون العكس صحيحا في كثير من الحالات”.

– لا يجرؤ الكثير من الكتاب والشعراء على تدوين البوح والمساررة والمونولوچ ورثاء النفس والعالم علناً .. وتلك إحدى أسباب حبي لمحمود درويش.

– [هكذا تكلم محمود درويش] كتاب نفيس، كتبه جمهرة من الأصدقاء والأقارب لدرويش، بمناسبة مرور عام على رحيل محمود درويش. وقد أشرف على إعداده أستاذ الفلسفة عبدالإله بلقزيز، وشاركهم الموسيقار مارسيل خليفة، أحد الأصدقاء المقربين جدا لدرويش.

– مما دفعني إلى قراءة الكتاب إبتداءً، هو تشكل تحزّبات شبابية طائشة، فريق يقدّس حرف درويش أيما تقديس، وفريق يهزؤون به وبقصيدته. وفي الحالتين، الأمر أقرب لأن يكون إهانة لا يستحقها كل من الفريقين، لأن الشرط العلمي انتفى، وبقي الحاكم المزاجي أو الذوقي. خصوصا إذا كان الهجوم على غير بينة -وهذا ما يحدث غالبا- ولمجرد عدم الفهم.

– هذا العصر هو عصر المنهجية والتخصصية العلمية، فقد انتهت مهلة الارتجال العبثي – بالمناسبة، حتى الارتجال أصبح علما.

– وقبل ذلك، أن نكون إنسانيين يعني أن نكون أكثر أخلاقية. ومن ذلك، إنزال الناس منازلهم.

– هذا الكتاب هو عبارة عن سيرة ذاتية، ودراسات في أعمال محمود درويش الشعرية والنثرية، ووجدت فيه ضالة علمية مقدمة من قِبَل مختصين في مجالات مختلفة: فلسفة، نقد، بلاغة ..

– رسالة أو مقالة مارسيل خليفة التي كتبها بعد مقدمة الكتاب، من أنبل ما قرأت في رحاب الصداقة. فهي تارة تشبه هذيان ناي، وتارة بيانو مشاغب، وتارة أخرى رجفان طبول. يقول مخاطبا محمود: “كيف اخترقت قلوبنا؟ سنحمل قمح روحك ونزرعه فينا. نشتهي بريق حضورك لنستعيد الدهشة الأولى. أحن إلى صداقة تأخذ عذوبة الحب يا محمود، أحسّ بالمطر يخترق أعماقي … في هذا الليل الحاني، يقودني حلمي إليك وأهرب من نعاسي لأدوس على عشب السماء كي أصل إليك … أحس بطعم الغياب ويغمرني نورك. أناديك لحناً، همساً، حباً، حلماً، قصيدةً، فهل تسمعني؟ كم ضاق هذا العالم برحيلك” ص٢٣-٢٤.

– وصف كهذا يجعلني أشعر بالغبطة. هكذا صداقات يجب أن تُحنّط بشكل من الأشكال، أو تدرّس. هكذا صداقات، تُعقَد خارج الزمن، في سماء الأبدية البيضاء ولا غير ذلك ..

– يقول عبدالإله بلقزيز في مقدمة الكتاب ص٩: “ما اكْتَهَلت القصيدة حين بدأ محمود يكتب شعراً، لكنها عثرتْ في صوته على إكسير الحياة”.

– ويقول: “السياسة لا تَلِدُ قصيدةً، لكن الشرط السياسي زوَّده بمادة الكتابة. أما هو، فهو من صنع لغته وقصيدته وزفَّها في لغةٍ ملحميةٍ مهذبة، عذْبة، تكاد تُفرِج عن نفسها في رداء رومانسي، في لغة زاوجت بين الرومانسية الطبيعية والتصوف” ص٩.

– محمود درويش هو أحد أقوى الأمثلة على مدى أهمية أن يكون للشخص قاموسه الخاص. لنعود مجددا وننظر في مراد درويش حين يذكر المنفى أو الموت أو الأرض .. كل مفردة تعني شيئا غير الذي نعرفه جميعا .. هذه هي حياكة اللغة وصناعتها !

– ويرى عبدالإله بلقزيز بقابلية النص الشعري الدرويشي بأن يُقرأ كسيرة ثقافية، وسياسية، واجتماعية، وشخصية أو إنسانية. هو أقرب لأن يكون تدوينا شخصيا لما رآه، خاليا من الأسلوب السردي التاريخي الممل المألوف العادي .. في النص الدرويشي تجد الدراما، والفانتازيا، والمحاكمة، والعاصفة، والحب، والتؤدة، والابتسامة السوداء !

– نجد في شعر محمود درويش: فكرة الالتزام، فكرة الثورة، الفكرة الوجودية، صراع الخير والشر، الحب، الإيمان، اليقين، وكذلك الإثبات والنفي ..

– صوّر عبدالإله بلقزيز التَمَرْحُلات والمنعطفات في النص الشعري الدرويشي في أربع صور، وأجاد في تحليل حيثيات كل مرحلة. وقال في ذلك السياق ص١٣: “كلما سيق محمود إلى سجن، أفرجَتِ القصيدة عن مفاتنها أكثر، كأنها لا تُزَفُّ بهيَّة إلا كلما ذكّرها السجان بوجوده”.

– عني أنا، فما أحببتُ محمود درويش كما أحبه بعدما فُتح قلبه جراحيا للمرة الثانية. وأوشك في تلك المرة أن يغادر الحياة، توقّف قلبه أثناء العمليّة وأعلنت ساعة الوفاة، لكنه عاد إلى الحياة مرة أخرى. ولهذا السبب، عندما يخوض محمود درويش حوارا مع الموت في ديوان [جدارية] -وهي المفضلة عندي، والأقرب إليّ- فهو حوار جاد لا هزل فيه .. أو ربما هو حوار هزليٌّ شديد الجدية !

– يقول عبدالإله بلقزيز في [جدارية] ص١٦: “لو لم يكن محمود قد كتب في حياته سوى هذه القصيدة/الديوان، فقد كتب كل شيء وأوصل الشعر إلى الذروة”.

– لا تعتذر عما فعلت، ذاكرة للنسيان، كزهر اللوز أو أبعد، في حضرة الغياب، أثر الفراشة، ولا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي .. كل هذه الدواوين والنصوص النثرية كانت بعد الحادثة.

– يقول الناقد الأدبي فيصل درّاج ص٤٩: “كل كلمة فيها (=قصيدة محمود) تنصر غيرها، ومستبدلا بالمعنى الواضح الكلي معنى أكثر عمقا يأتي من شظايا الأشياء والمعنى”.

– محمد جمال باروت الكتاب والباحث، يقدم في الفصل الثاني من الكتاب مقاربة في الرمز الديناميكي والرمز التعبيري في شعر درويش. على اعتبار الرمز الديناميكي بأنه صورة نشطة، بينما الرمز بمعناه [المألوف] أو [الاستعمالي] صورة خاملة. ويقول ص٥٤: “الفعل الشعري مفهوم معرفي يعني فعل الخلق. فكما خلق الله بواسطة الكلمة العالم يخلق الشاعر بواسطة اللغة عالما جديدا. ليس الشعر في ضوء هذا المفهوم تعبيراً عن العالم بل خلق لعالم جديد بواسطة الرموز الديناميكية”.

– الشاعر ليس من وظيفته نقل الأخبار وسردها، وإنما صقل ورسم النص اللذيذ، المليء بالمتعة، والزاخم بالجماليات المسكرة.

– التحدي الذي يجده معظم من لا يتقبل شعر محمود درويش -في ظني- كامن في عدم مقدرتهم على استخدام إحدى ملكات الإنسان الفطرية وهي الخيال. وكذلك افتقادهم إلى الشطح، الذي يعرفه عبدالوهاب الشعراني في [تأويل الشطح] ص١١: “عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته وهاج بشدة غليانه وغلبته”.

– ولديهم كذلك إشكالية [معنى المعنى]، والتي تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر” حسب النحوي الكبير عبدالقاهر الجرجاني.

– يقول محمد جمال باروت ص٦٢: “لم يقتنع درويش باستثمار التقانات البلاغية -اللغوية الجمالية الكلاسيكية فحسب بل حاول أن يبدع جماليات بلاغية- لغوية جديدة ليس لها خانة أو تلقيب أو تصنيف في الفهرسة البلاغية الكلاسيكية”. وذكر بعدها مجتزأ من قصيدة درويش [أحبك أو لا أحبك]: “يوم كانت كلماتي / تربة .. / كنت صديقا للسنابل / يوم كانت كلماتي / غضباً .. / كنت صديقا للسلاسل / يوم كانت كلماتي / حجرا .. / كنت صديقا للجداول”.

– وكثير من التقنيات التي حللها الباحث في شعر محمود درويش من امتصاص لغة المقدس، وعلم البديع، والمشاكلات الصوتية والحروفية. ويرى كذلك أن الهندسة التركيبية لشعرية درويش “تتخطى المفهوم العلمي لاعتباطية العلاقة بين الصوت والمعنى، ويكتشف علاقات شعرية ما بين الصوت والمعنى في ما هو أبعد من [لعب اللغة]. يستخدم درويش التراكم الصوتي لتكثير المعنى، ولبناء علاقات جمالية – شعرية جديدة ترتكز على مخزون رمزي معرفي”.

– المثال الأقرب على هذا الكلام في مقطع من قصيدة درويش [رب الأيائل يا أبي .. رُبه]: “أنا من هنا .. أنا ههنا .. وأمشط الزيتون في هذا الخريف / أنا من هنا. وهنا أنادي أبي: أنا من هنا / وأنا هنا. وأنا أنا … إلخ”. يقول محمد جمال باروت في هذا: “تتكون التشاكلات الصوتية – المعنوية هنا مما تسميه السيميولوجيا الأدبية [المعنيات]، وهي كل ما يحيل على هيئة الخطاب الشعري، وما يتصل بها من زمان – مكان: [أنا، هنا، الآن]” ص٧٨.

– واجهتني موجة قشعريرة هائجة عندما قرأت هذا الحوار الذي دار بين منير العكش أستاذ الإنسانيات ومحمود درويش، يقول منير العكش ص١٦٤: سألته: “تصور أنك ولدت في مكان آخر غير الوطن المحتل، ألن يكون لك وزن آخر في الشعر العربي؟”. فأجاب: “أدمتُ الاعتراف بأن المصادفات أو الظروف الصدفية أسهمت في خلق ما أسعى دائماً إلى التحرر منه. لا أريد أن أطفو على الصدفة. أريد أن أتجاوزها بقوة أخرى، قد تكون موجودة لدي وقد لا تكون. لكنني أول متضرر من حصري في هذه المصادفة، وأول متمرد عليها، وأول من أعلن الاعتراف بها. إنني أطمح إلى أن أصدق أن المصادفة لم تخلقني وحدها، لكنها عجّلت عمر وصولي إلى الناس. لقد سهّلت علي تقديم نفسي وتنميتي. وهنا تلاحظ مفارقة غريبة وهي أنني مدين للمصادفة لكنني متمرد عليها”.

– هناك ثلاثة درجات متتالية للدخول في التجربة الشعورية لنصوص محمود درويش. النص المقروء، ثم المسموع [الصوت]، ثم المُشاهد [الڤيديو]. في كتاب الناقد عبدالله الغذامي [اليد واللسان]، ذكر أن النصوص تعزز قوتها من تحويلها إلى صورة، ولكن محمود درويش حولها إلى مشهد كامل. حضوره الفاقع والكاريزما الثائرة، الفونيات والتقنيات الصوتية .. الأمسية الشعرية لدرويش هي بمثابة مسرحية ثقافية.

– لا شك بأن محمود درويش قد خلّد ذكراه .. رحمة الله عليك يا محمود.

 

IMG_0200

 

عاشق الحياة .. الانتحاري بامتياز

e-m-cioran-540x304
 
– إيميل سيوران Emil Cioran اعتبر نفسه [فيلسوفا بالصدفة]، حيث أنه كان يكتب لأجله لا بغية تجمهر الجماهير وانكباب المعجبين. بل ويعتقد أن تلك الكتب -التي لا تلتفت إلى هوى الجماهير- هي ما يستحق القراءة فعلا دون غيرها.
 
– أصعب النصوص ومحاولات الكتابة هي تلك التي تتسم بـ [الصرامة البهرجية] كما يسميها آدم فتحي مترجم إحدى كتب سيوران.
 
– لسيوران نسيج أفكار يسيل لعاب العقل لها، وتتراقص الدهشة إعجابا، يقول “الكتابة التي لا تقوّض نفسها بعد أن تقوّض كل شيء ليست سوى عبث”
 
– عاش سيوران في بداية حياته مجموعة انسلاخات، والغالب أنها كانت السبب الأساس في تكوين سيوران الذي عرفناه. أقساها كان انسلاخه من العائلة، وانسلاخه من اللغة والهوية.
 
– اعتبر التأليف تداوٍ وأسلوب معافاة من الأرق الذي لم يفارقه لحظة -كما زعم- وكتب كتابه الأول [على ذرى اليأس] في الثانية والعشرين من عمره. وكان بمثابة “نوع من التحرر، ونوع من الانفجار المخلّص”، وقال: “أعتقد أني لو لم أكتبه لوضعت حداً لليالي”.
 
– عرّف الأرق بأنه: وعي مدوّخ قادر على تحويل الفردوس إلى غرفة تعذيب !
 
– تأثّر وأُعجب بنيتشه وشوبنهاور وشخصية هتلر. بكلمات أخرى، كان مولعا وموبوءا بالفاشية .. ولا أستعجب من ذلك !
 
– أغلب مؤلفاته وكتاباته كانت عبارة عن شذرات، أو الكتابة المقطعية/الاعترافات/الحكم المختزلة، وبنى معرفته على التجربة. 
 
– قرأت عدة كتب لسيوران لأسباب شخصية وأسباب بحثية، وما جذبني إلى البحث في تجربته أنه كان تمثيلا لإحدى أنماط سرقة/هدر الإنسان. وأذهلتني جديته محاولا إثبات خطيئة الإنسان الأولى هي الولادة/الزواج. وتكررت محاولات هروبه من نفسه كما كتب في كتابه [مساوئ أن يكون المرء قد وُلِد]: “اللاشعور وطن، والوعي منفى” !
 
 
 
سأقتبس بعضا من الشذرات التي شدت انتباهي في كتابه [المياه كلها بلون الغرق]:
 
“حين كانت البشرية في بداياتها تتمرن على الشقاء، لم يتصور أحد أنها ستقدر يوما على إنتاجه في شكل مسلسل”
 
“لا موسيقى حقيقة غير تلك التي تجعلنا [نجس] الزمن”
 
“لماذا نعاشر أفلاطون إذا كان أي ساكسوفون قادرا هو أيضا على أن يكشف لنا عن عالم آخر”
 
“لا نعرف حجم قوتنا الخاصة إلا عندما نتعرض إلى إهانة”
 
“مع التقدم في السن يتعلم المرء مقايضة مخاوفه بقهقهاته”
 
“صلتي بالناس أفقدتني نظارة عصاباتي كلها”
 
“ضغائننا كلها ناشئة من كوننا ظللنا دائما تحتنا، ولم نستطع اللحاق بنا. وذاك ما لن نغفره للآخرين قط”
 
“الحزن شهية لا تشبعها أي مصيبة”
 
“لا يُهلك الفرح إلا قلة صرامته. لاحظوا في المقابل منطقية الضغينة”
 
“لمعاقبة الآخرين على أنهم أسعد منا حالا، لا نجد أفضل من أن نلقّحهم بوساوسنا .. ذلك أن أوجاعنا، للأسف، ليست معدية”
 
tumblr_n4n2ikkdEr1roilwvo1_500
 
– فضّل إميل الغربة في أعماقه، واعتزال الناس، ورفض فكرة الزواج والإنجاب بحجة أنها الخطيئة التي لا تغتفر -بسبب ماضيه وخوفه من الانتماء ! 
 
– ليس كل ما كتبته عن سيوران أتفق معه، لقد غادر هذا الرجل تاركا كما من الهذيان لا يحتمله بشر !
 
– هذا الكاتب، رأت مؤلفاته النور بعدما مات. فقد كان الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر حينها يصول ويجول ويشغل الساحات والرأي العام.