مُجتزأ من: رسالة إلى صديقي المَلُول

  


قد يكون كلامي هذا غريباً عليك، إنها المرة الأولى التي أصارحك في أمر يخصك إلى هذا الحد. وينطبق علينا ما ينطبق على سائر البشر، نحن نعرف أشياء كثيرة عن الناس الذين نحبهم، ولكننا لا نؤمن بها ! .. لذلك عادة لا نراها !!


سأخبرك بما تراءى لي وأنا أنظر إليك خلسة، وأنت تتمَلْمَل وسط جُلّاسك، الذين هم عادة ما يؤدّون دور المرآة .. أقصد أنهم يعكسون إحساسك.

فمرَّةً، تحتسي قهوة مُرّة، تماما كتلك التي ينشدها الشعراء، ومرة تختار الشاي. كلاهما منبّه، لكن المنتبه غير مرحّب به هنا! ..

تتجاذب معهم أطراف حديث يُخال لك أنه قد تَكرّر من قبل. كلٌّ يحاول الظهور وإثبات وجوده، وتحقيق ذاته، وإرضاء أناه، عن طريق اختيار الشخصية الأقرب إليه، ثم يبدأ بالدفاع عنها. أنت تعرف مدى ضرورية الحوار، وكنت تؤيد رأي مارتن بوبر؛ في أن الحوار شكل من أشكال الوجود الإنساني. ولكني لا أبالغ إنْ قُلتُ أنك تجهل كلّ ما سوى ذلك …

في وهلة، ينقلب ذلك الحوار إلى مراء، ثم إلى سفسطة، وأخير إلى شجار أبله. هناك جملة عليك أن تتنبّه لها في حال ان قيلت في منتصف أي نقاش جاد، إذا سمعت طرفا وهو ممتعض كلام آخر يقول “حرية رأي/تعبير”. عندها يجب عليك أن تنسحب حالاً من ذلك الحوار، وإنْ كنت تهتم لشأن صحتك، فالأولى أن تترك المكان، وتعيد ترتيب مسائك، بدِّد وقتك كما تشاء، ولكن دون تتحسّر عليه لاحقاً.

يا صديقيَ القريب إلى قلبي .. لقد نبّهتك غير مرّة على سلوكك المُنفّر. ما زال الوقت مبكراً على محاصرة طريقك بالصبار. أنصاف الأصدقاء هم تماماً كذلك، أو ربما دون الصبار، في كثير من الأحيان. ولطالما قلت لك: ما زالت خطواتك خفيفة، رضيعة في المهد، فلا تتعجّل ولا تتجبّر!


فجأة أنتبه لنفسي .. وأصيح ويلك! لقد أصبحتُ فماً لا أكثر، وأطلْت الحديث والوعظ ..

أنا أعلم جيداً بأن هنالك لحظات عسيرة لا يريد الإنسان فيها إلا جزءاً من أُذُنَي بوذا، يريد شخصا يجيد الاستماع له.

فإنْ كان وحصل ما أمِلْتَ، يا صديقي التعِب، فتعلّق به بشدة، كما يتعلّق السجين بلحظةٍ تحت الشمس.


الملل، يا صديقي، شعور صادق لا خيانة فيه ..

لا يعرف الكذب والمراوغة .. ولا التخفّي والمناورة ..

إنه أصيل وصادم ..

ولكنه غثّ!

لن يسمح لك بدقيقة راحة، لن يتلعثم ويغادر إنْ فاضَ بك الأمر، حتى ولو فتحت له الباب وأشرتَ له بالمغادرة ..

لم يكن الملل ضيفاً مرغوباً به قطاً، إنه الشعور اللئيم بامتياز ..

لا يقبل المناصفة ولا يجيد التفاوض ..

هو المتسلّط الفاحش ..

في حضرة الملل، ستؤثر على نفسك كل شيء ..

في حضرة الملل، كأنك درويش بلا حبيب ..

كأنك زاهد بلا نية ..

تعاني في مخاض بلا ولادة ..

وإنْ حاولْتَ أن تسلك مسلكا جديداً، تجده قد أظلَم عليك الطريق وصرفك عنه .. لتعود سيرتك الأولى .. ملولاً ..


حينها يهتف لك: أهلا بك في جحيم الملل !


إنه الطوفان الذي لا يطاوع أحداً ..

إنه الطوفان الذي سيُبقيك في حالة بين البين ..

فلا أنت لاحقٌ بالسفينة .. ولا كنت مع الغارقين ..

لن يعرفك سوى أحفادك، وإنْ حالفك الحظ، فستنتهي سيرتك عند أحفاد أحفادك. وسيولد مِن بعدهم، مَن يكذبُ أسطورتك ..

احذر يا صديقي الملول .. “إن طوفان نوح لم يصبح مأساة إلا لأن نوح قد وُجِد!” ..

أخبرني يا صديقي، ما فائدة المعاناة إنْ ظللتَ حبيسها !؟


وبعد ترانيم النوم، تتعاهد وإياك بالبقاء في المنزل لعدة أيام. بداعي حاجتك للاسترخاء أكثر من أي وقت مضى .. تعود في الليلة التي تليها لِتُنكر العهد الذي بَرمْته في اليوم السابق. تقول: لا فائدة من أن يُهادن الإنسان نفسه .. كم هو سخيّ العقل في التدجيل !!


يا صديقي الملول، سأدلّك على حل بسيط لحالة الملل هذه ..

فليس على وجه البسيطة هذه ناجٍ منه. اذهب لمكتبتك السرابية، وخذ الكتاب القرمزي، عنوانه [وداعا أيها الملل] لأنيس منصور. ستجد فيه طريقة تزيح بها بعض الغيوم من فوقك ..

وخالط الأصدقاء المليئين بالحياة، فثمة الأمل.


الملل، يا صديقي، هو قناع اللامبالاة المفضّل ..

ففتّش عن بوادرها فيك، واحرقها بلا هوادة !

لأنك إن تهاونت في الأمر، سرعان ما سينزع الملل منك كل أسباب الحياة، ويتركك حائراً دون حرقة ..


هنالك أمور، يا صديقي، نعقلها، ولا نتردد في الابتعاد عنها، بل ونحذّر منها من نحب. ولكن وحدها المشاعر، تمدنا بالقوة الكافية لنتخذ قرارات لم نكن نجرؤ على التفكير بها من قبل ! … بالتأكيد ستسألني: ما العمل إذاً!؟ وأجيبك: لا شيء، فالإنسان دون مشاعر، موضوع إنشائي عقيم.


وعلى الرغم من جميع ذلك، تذكر بأني حذّرتك من التساهل في أمرك، واعلم أن “الإنسان منّا يغيّر معنى الكون بمجرّد حضوره في الكون” ..

Advertisements

غيبوبة مستعجلة !

 
– أكاد أجزم، تحققا لا مدعيا، أن اللامبالاة هي أشرس وأقبح الأحاسيس التي يكنها الناس. وخطورتها كامنة في تحولها ومرونتها، كالحية تجيء وتروح، بلا أثر تتركه سوى في لدغتها. ويا لها من لدغة .. قد تساوي حياة بكاملها !
 
– ومن خطوراتها، أيضا، أنها تظهر كحيلة نفسية رخيصة. ولتقريب المعنى، فهناك أمثلة كثيرة لبشر غرقوا في اللامبالاة حد الظلم، وهناك من الظلم ما هو متعد للنفس. وأختار منهم، افتراء وشراسة الأساتذة الجامعيين والمعلمين في المدارس.
 
– لا للتناوم والتماوت: واحدة من أهم مهام الإنسان هي محاصرة/تقويض اللاوعي بالوعي !
 
– من قال أن للانتحار شكل واحد !؟ .. المشنقة يا سادة هي تذكرة خلود في مستنقع البؤس.
 
– اللامبالاة هي تقديم الموت على الحياة.
 
– من قال إن البشرية في انحدار !؟ .. البشرية قد سقطت.
 
– الانتماء غريزة بشرية، وسره كامن في البحث عن حماية وحصانة .. ويا خيبة من اتخذ اللامبالاة مسكنا.
 
– حتما إن اللامبالاة مطية اليائسين، واليأس -في حد ذاته- موت معجّل. “إن المحبطين أكثر الناس قدرة مع أن يكونوا أتباعا مخلصين” المؤمن الصادق – إريك هوڤر
 
– ليست مصادفة أن مترجم الكتاب السابق هو د. غازي القصيبي، رحمة الله عليه، وهو ممن كانت لهم علاقة إيجابية ومنتجة ومزهرة مع اللامبالاة، فقد ساعدته لأداء عمله كوزير وأديب كتب ٦٠ مؤلفا.
 
– كما يعجبني إميل سيوران في وعيه بعدميته، فكذلك كان حالي مع آرثر شوبنهاور .. يحتاج الإنسان جرعات من القبح أحيانا. كي يعود، ولو حبوا، ويستلّ الأمل من غيابة الخيال !
 
– هناك أسماء أقترح على الناس أن يبدؤوا التفكير باستخدامها لمواليدهم القادمين .. منسي، طالح، غافل، شاحب، فارغ. ويلنا ! ما عاد من أسمائنا شيء ينسب لنا .. أظنها كلّت الصراخ، ففقدت قدرتها على إسباغ البشر بألوانها وصفاتها.
 
– رسالة إلى سميح القاسم: صدقّ بأني لم أشعر بمرارة رحيلك .. لأنه مجاز “كامل التكوين” في وعيي .. ولأنك وتوأمك الذي أسميه [سيد الأضداد] محمود درويش؛ تبوّأتما في قلبي قلعة .. تطل على ربيع لا ينتهي، رسمتموه برذاذ الولاء .. وقافية الحرية .. منقوش على بابه: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” !
 
– “إن فكرة [الغيرانية] و [نكران الذات] هي العلامة المميزة للانحطاط، الانجذاب إلى ما هو مهلك، وفقدان القدرة على تمييز ما هو نافع” هذا هو الإنسان – فريدرك نيتشه
 
– وللنابهين منهج ومسلك هم أدرى به، حظنا منهما الادعاء. فليست اللامبالاة دوما غرق في وحل الوهن، وإنما هي غض عن التدني .. قال محمود درويش في إحدى قصائده “ولكن في اللامبالاة فلسفة، إنها صفة من صفات الأمل !”
 
– العمل الفني السابق هو إحدى أعمال الفنان Bensky .. عرفته صدفة، وهو رسام وفنان يفكر ويعمل خارج الصندوق. أغلب أعماله مرسومة على جدران المباني وأرصفة الشوراع في نيويورك. هو عجيب وقصته كذلك. ولا زال القانون يبحث عنه ليلقي على القبض بتهمة التخريب. أيّ زمن أصبح هذا .. فيه الفنان مجرما: والمجرم فنانا !
– النهاية