مجتزأ من: رسالة من صديقي المكتئب



لقد مرت قرابة أربعة أشهر منذ بدء حالة الكآبة هذه. أشعر وكأن شيئا لم يتغير فيّ .. وكل شيء قد تغيّر في مَن حولي!
حالتي تزداد سوءاً مع مرور الوقت، إنها تحفر وتحفر، لتنتشر. هذه الفجوة التي تُركَتْ بداخلي تكتظّ بصدى أصوات لا أعرف مصدرها .. تصدع وتضرب شمالا وجنوبا !
كل ذلك، بالنسبة لي، موضوع متفهّم، فالشعور من جنسِ شعور يسبقه ..

دائما ما كنت أتخوف وأرتعب من إتيان يوم، أستيقظ فيه من نومي دون إيجاد سبب ينتزعني من برودة مرقدي، ويلقي بي في حضن العالم، فيبعثني، مع شمس كل صباح، إنساناً حياً ومُحْيِياً، يرى الحياة في كل مظهر من مظاهر هذا الوجود – على أقل المقاييس. وأنشر إكسير الحياة لمن يحيطون بي ومن يختلطون بأنفاسي … وقد تحقق خوفي من ذلك اليوم الكئيب، بل ولا يزال يتردّد يوما بعد آخر. 

يا صديقي، إن الصدر الذي لا يُسمع فيه سوى الصدى، مهجور مهجور مهجور ..

حدثني قلبي مرة فقال: ما زلت أخفق، ولم أفقد الأمل في استعادة أيامنا الأولى، ولحظاتنا البِكْر. كنا هانئين بطريقة عيشنا، كنا نخطو خطوات مرتّبة ومتزنة وخفيفة، ولكن عفوية. كنا نحب المشي أمام بحيرة الحب كل مساء، هكذا تستثير رغبتك في الكتابة، وتتفجر غدد الإحساس عندك. كنا لا نرى الظلام حتى في أشدّ الليالي عتمة. كنا نجول الأرض وحدنا، ولا نخشى افتراس الغربة. وكنا نجيد التغريد بطلاقة، لا أذكر أننا نشزنا عن لحن الكون، ولو لمرة. كنا .. “كنا طيبين وسُذَّجا”. لقد تغيرْتَ كثيراً، حتى أنني لم أعد أعرفك … إنه ليؤلمني كم كان محقا فرناندو بيسوا عندما قال في كتابه المستحيل [لست ذا شأن]: “كم هو قاسٍ أن لا نكون أنفسنا وأن لا نرى إلا ما يُرى”!

كان هذا آخر حوار دار بيننا، قبيل شهر. فقد هجرني قلبي هجراً جميلاً، وقطع عني أحاديث النفس. كان يمكنه أن يتوقف، كان بمقدوره أن يعترض بطريقة أكثر جرأة وأنانيّة، كان يمكنه أن يقفز للمشهد الأخير من المسرحية، ويرتاح. 
ومنذ ذلك الحين، وأنا أتوق سماع لأحاديث قلبي التي كان يزاورني بها وأنا في غياهب جُبّ الحزن.

لقد هجرني الربيع، ولم يسكنني مذّاك إلا الشتاء …

يحتاج الإنسان إلى من يستأنس بوجوده معه. يريد من يسمع حكاياته السخيفة ويستمع إلى أحزانه وخلجاته. يحتاج جليسا يضحك لطرائفه وسخائف مجريات الحياة اليومية. ولا يستغني عمن يتفقّده ويفتّش عنه حين يغيب، أو حين يغيب متعمّداً، بحثا عن سؤال قريب وحنانة حبيب.

دعني أخبرك بأكثر موقف تراجيدي قد مرَّ عليّ طيلة حياتي الكئيبة كلها. كنت صاحب دور البطل والضحية في مسلسل حزني العامر، وكان مشهد الختام مهيباً. ميزان يحمل حزن العالم أجمع في كفّة، وحزني وحده في الأخرى، ورأيت الكفة التي حملت حزني تهوي إلى ما بعد الأرض السابعة .. يا لعذوبة هذا المشهد، لم أتمالك نفسي أمامه. لقد فشلت كل خيبات العالم في الصُّمود أمام خيبتي !

تحكي أحداث المسلسل أسلوب الحياة داخل مدينة الحزن. إنّ كل شيء فيها مُؤمَّنٌ لك، ولكن المعجزة أن تتمنّى! فلا أحد يجرؤ على التمنّي في حضرة الحزن! هذه أحد المفارقات العجيبة التي وجدتها على هذه الأرض. مكتوب على باب المدينة: لا ضحك هنا ولا فرح، واحذروا الابتسامة، ولو كانت صفراء. فإن حساسية كاوس، الإلهة الأولى، مفرطة تجاه الفرح. وفي حال أن حبلت كاوس ، سيولد حزن جديد .. حقاً، إنه موقف لا يُحسد عليه الأب!

في مدينة الحزن، كل شيء يكسوه جلال اللون الرمادي. إن للرمادي سحر لا يضاهى!

فور دخولي المدينة، أتى باص ليقلّني وباقي السُّوّاح إلى الفندق. استقبلنا مدير الفندق، واحتفى بنا على طريقتهم وطبق عاداتهم. لم أعرف أكان شابا يرتدي وجه كهلٍ، أم كهلاً أضاع الموتُ طريقه عنه.
في هذا الفندق، لا توجد نشاطات جماعية أبداً. وكأنهم يقصدون إبقاء كل واحد منا مواجها ذاته …”وليكنْ”، قلتُ في نفسي.
دخلت إلى غربتي، أقصد غرفتي، فإذ بي أجدها ملء الطابق الحادي والعشرين بأكمله. وجدت عدة مفاجآت بائسة بانتظاري. سأذكر لك منها اثنتين، كانتا الأقرب إليّ. حوض جاكوزي العذابات، ومسبح كبير معبأ بالذكريات، واختاروا لي خصيصاً أسوأ الذكريات.
هنا، في مدينة الحزن، أشعر بأني سجين بلا سجن ولا سجّان. لم أعد أحتمل مكوثي في هذا الفندق الزنزانة لدقيقة أخرى. لقد اهتمّ مصممو الفندق بإحباط كل وسائل هرب نزلاء الفندق. فكان تخطيط أدوار النزلاء يبدأ من الدور الثالث عشر. بمعنى آخر أكثر وضوحا، إن من سيغادر هذا المكان، لن يكون بمقدوره أن يعيش سوى في الذكريات.
يا صديقي، إن الإنسان كائن مثير للتعاسة وجالب للمحزنة، ليس لذاكرته نصيب من استرجاع الذكرى الأصدق والأعذب، اللحظة البتول، الصرخة الأولى، ولا تكبيرة الصلاة الأولى. وليس ينفعه تذكر اللحظة الأخيرة، لحظة الرحيل. لذلك اطمئن، سوف أتخلّص من نفسي عما قريب، وسأغادر هذا العالم.

أتذكّر آخر كلمة قلتها لي قبل أربع سنوات، يوم التقينا في الرّيف: “اصرُخْ، يا صاحبي، لأعرف أنك حيّ”. حاولتُ يا صديقي، حاولت مراراً أن أصرخ بكلمة، بآية، بأغنية، بتعويذة، حاولت أن أصرخ بكل اللغات .. كنت أصرخ “ولا يخرج مني صراخي”.

لم أستطع الاستمرار في قراءة بقية الرسالة، فقد كانت موجعة أضعاف الوجع المنثور في الجزء المذكور. وإنْ تمكّنت من ذلك في وقت ما لاحق، فلا أظن بأن نشره سيكون فعلاً أخلاقياً.
بعدما أخذت قراري هذا، عدْتُ لقراءة كتاب شذرات لأديب كان يعيش على كوكب مجاور للأرض. ويا لَلْموافقات السعيدة، وجدتني أمام سطور كأنها كُتبتْ لصديقي المكتئب، فأرسلتها له دونما تردُّد:
يا صديقي المكتئب “كن بسيطاً. ما لي أراك تتحدث كما لو أنك من المرسلين. اخلع عنك مهمازات الترفُّع، وانزل من علياء الألفيات الثلاث المقبلة، عِشْ ما دمت حياً، ولا تُقحم نفسك في حقبة أنت على كل حال لا تنتمي إليها، دَعْ النوايا تخلد إلى النوم، انْسَ الاسم، انس نفسك، وانس موتك!”.
ثم قلتُ له: سأهديك هذه النصيحة التي تعلّمتها من معلمي عندما زرْته في جزيرة سيشل، وهو شيخ طاعن في الحكمة، وأحد تلاميذ بوذا الحكيم. قال لي: لقد ضيّعت نصف حياتي مُحاولاً أن أعثر على الحياة. وفجأة؛ وجدتني. كان الأمر في غاية البساطة والغرابة في آن. كل ما كان عليّ فعله هو أن أُسقِط [محاولاً] من الجملة السابقة. كذلك عثرتُ على الحياة ..
اعلم يا صديقي الحزين أنك عندما تملك نظرة أكثر رويّة وحكمة، ستتفاجأ كم كان القدر سخيّا معك!!


فأرسلت الرسالة له، ولا أدري إن كان ما يزال في غرفته بالطابق الحادي والعشرين، أم أنه قفز في طريقه إلى …
Advertisements

مجتزأ من: رسالة إلى صديقي البعيد الوحيد

 

لكل صديقين مقربين طقسٌ خاص يجمعهما، يختلف تماماً عن الطقوس والعادات التي تجمع الواحد منهما مع صديق آخر. وعندما أتحدث عن طقسي أنا وصديقي البعيد الوحيد هذا، فأنا أقصد مراسلات الصباح. وقد مضى وقت طويل على آخر مرة اجتمعنا فيها، ولا أبالغ إن قلتُ أنني لا أتذكر آخر مرة تلك !

استيقظت ذات صباح وتناولت هاتفي وأرسلت له: 

عندما يصبح كل شيء مألوفاً ..

عندما تتساوى أخبار الفرح والترح ..

أعلم أني قد غرقت في بحر الوحدة !

كل شيء يغدو فاقداً معناه حين تغيب ..

كل مشهد حياة يستحيل عدماً حين تغيب .. 

لا شيء هنا سوى شوق مؤلم …

نعم، إن البعد شتاؤه قارس !

نعم، إن شتاء البعد قارس !


عند الحديث عن المراسلات، هنالك أمر واحد يزعجني، وهي لحظات الترقُّب والانتظار، فأصبح مثل محمود درويش حينما قال: “في الانتظار، يصيبني هَوَسٌ برصد الاحتمالات”. كلنا يجيدُ السباحة في الخيال أثناء الانتظار …


فأرسل لي صباح اليوم التالي، يقول:

منذ صبيحة يوم العيد يا صديقي، وأنا لم أبرح مكاني إلا قليلاً، بسبب المرض. مضى يومان دون أن أحتفل بالعيد، أو أبارك لأحد. لم أهنأ بوجبة فارهة تليق بهذه الأوقات من السنة، كل ما أستطيع تناوله هو نصف رغيف مع كوب دافئ من الشاي.

يمضي اليوم بتثاقل شديد، تمر الساعات ببطئ ممل. أتذكّر أنني لم أتحدث إلى أحد خلال يومين! فأتساءل: هل جُننت أم ليس بعد!؟ ثم أضحك من جرأتي على سؤال كهذا!! … عندما تكون وحيداً، لا سبيل سوى أن تكون حنوناً مع نفسك ..

وتراودني فكرة، تُرى هل هذه بوادر الإقبال على عامٍ جديد!؟


فبعثت له برسالة قلت فيها:

لقد مضى وقت طويل يا صديقي على عزلتك. وقد يكون سبب حالك هو إصرارك على أن تبقى بعيداً وحيداً ..

جرّبت الوحدة لأسبوع ثم كفرت بها، ففي الوحدة كل شيء يصبح بارداً. مشاعري باردة. نبرة صوتي، نظراتي، ردود أفعالي. الأمر لا يشبه سكون العزلة في شيء. ففي حضرة السكون تصبح الأفكار متّسقة وأكثر انتظاماً، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر. إن تردّد إحساسي بهذا البرود، صقل فيّ براعة التنبؤ بقدومه. أشعر بنبضات قلبي وهي تصارعه، ألم أقلّ لك سابقاً إن النّبض أُمِّيٌّ في تزوير المشاعر!؟ .. إن جمود المشاعر حربٌ يقيمها القلب علينا لكي نستيقظ، لكي نتحرّر من حالة الموات التي أحقمنا أنفسنا فيها.

أنا الآن في المقهى، للتو فرغت من كتابة مقالتي الأسبوعية. أنظر من حولي، فأرى مجموعات عديدة. هنالك ستة شبان يتحدثون عن مشروع يدرّ المال عليهم. وعن يميني، ثلاثة كهول، عبثت الحياة بملامحهم أيما عبث، فقرّروا عقد هدنة مع مسؤولياتهم، ويمضون وقتهم بلعب الورق … ما زال شعور البرد يحاصرني. صوت عن شمالي يوسوس لي: ذلك هو برود الوحدة يا عبدالرحمن! .. فأضحك هازئا منه، وأقول: أظن أنه كلما غرقت في الوحدة أصبحت أقل عنفا .. وأكثر صبراً.

ولكن يا صديقي، متعةٌ هُمُ الناس .. يعرف هذا جيداً من سُلبت منه الفرصة، رغماً عنه، لا باختياره. وأذكر الكاتب المصري مصطفى أمين أنه قد صدّر كتابه [مسائل شخصية] بمقدمة رائعة تناول فيها مختلف المعاني التي وجدها من الناس الذين خالطهم طيل حياته، فهنالك من هم كقطع الشطرنج يُحرّكون ولا يتحرّكون، وهنالك من تمر الرياح وألوان قوس قزح من خلالهم من شدة شفافيتهم .. أقتبس منه: “أجمل ما في الدنيا هم الناس، متعتي الكبرى في هذه الحياة أن أعرف الناس، أن أعرفهم من الخارج والداخل، أن أدرسهم وأحبهم، أحببت الكثيرين ولم أكره أحداً، كنت أعامل الذين يكرهونني كأنهم مرضى، وأدعو لهم بالشفاء، وكنت أعطي عذراً للطبيعة البشرية، وأعذر الفاشل الذي يحقد على الناجح، وأعذر الضعيف الذي يكره القوي، وأجد مبرراً للفئران عندما تمقت السباع! 

عرفت أقزاماً كالعمالقة، وعمالقة كالأقزام. عرفت أقواماً طوالاً عراضا من خارجهم، وصغاراً متضائلين من داخلهم، عاشرت الملوك والصعاليك، وعرفت صعاليك لهم طباع الملوك، وملوكاً لهم أخلاق الصعاليك، عشت مع النجوم في سمائها، ورأيت حولها الشياطين أكثر من الملائكة، وعاشرت الفاشلين… ورأيت مواكب النصر تحف بها الطبول والزمور والهتافات والزغاريد، وشهدت مآثم الهزيمة تنهمر منها الدموع وأصوات البكاء والعويل”.


فتركني صديقي قرابة أسبوع دون أن ينطق بحرف واحد. ثم عاد وبعث لي برسالة في آخر الليل، على غير عادتنا، قال فيها: 


أبحث عن حروف .. أبحث عن كلمات أنثرها على صفحة رسالتي البيضاء، ولكن الفوضى تعبث برأسي. لا شيء سوى الفراغ. الأمر يكاد يزج بي في سجن الجنون.

قلبي يرفرف لا أعلم ما شأنه. عقلي فارغ يلهث من شدة الجوع. يداي الهزيلتان تحاول التقاط الأفكار من الهواء بلا فائدة.

في الليل لا أجيد سوى النواح، وأحاديث النفس. أفكر فيما سأفعله في الغد؛ لا شيء جادّ بانتظاري. أنظر مليّا داخلي .. فأتيقّن مجدداً أن انشغالي قد استنزف مني الكثير. كنتَ محقا يا صديقي، لقد أتلفتُ عديداً من اللحظات الفاخرة بسبب إفراطي في التفكير والوحدة.


ولكن حقٌّ هو ما أنشده محمود درويش حين قال: “يكفي أن تكون وحدك لتصبح قبيلة”، فالجنة حينما تكون بقربك وبصحبتك فرحا، لا شيء يعكر صفو مزاجك، على الرغم من كل ما يحدث في محيطك وفي أرجاء البسيطة.

يا صديقي .. “في داخلي شُرْفَةٌ لا يَمُرُّ بها أَحَدٌ للتَّحيَّة” ..

وقد قررت أن أحيا في تلك الشُّرفة، دون أن أتزحزح عنها شبرا ..

فالوحدة دواء المكتظ بالعبث .. ونداؤها؛ إذعان لترتيب داخلي !

وفي الوحدة كل شيء يبدو جميلا .. عدا الوحدة ذاتها ..

لقد حملتُ نفسي على الوحدة بعدما أيقنت بأن لدي لسان لاذع! .. لقد غرسَت الحياة في لساني الشوك.


ولا تثقل عليّ يا صديقي بالمواعظ، فأنا أوبّخ قلبي كل ليلة على هذه القسوة التي حملني عليها. وسألت نفسي: ما أعظم ما أخشاه!؟ فأجبت دونما أي تردد: الوحدة .. أقصد بها؛ أن يأتي يوم أحتاج فيه إلى صديق أصيل، يحتاج فيه قلبي إلى جاره القديم. تلك لحظة الوحدة الحقيقة!


من اكتفى برفقة الوحدة .. لن يجد مستقبلا سوى الشيطان !

مجتزأ من: رسالة إلى صديقي العجول

  

إنْ تريّثت قليلاً وتأملْتَ في الأمر، لوجدتَ أنك قد مررت كثيراً بتلك الحالة، فهي أمر غير مستغرب ولا مستبعد .. ولست أنا من جزم بأن العجلة مركب إنساني بامتياز !

صدقني يا صديقي إن عجلتك هذه نادراً ما تأتيك بخير .. فانظر إلى حالك في استصغارك للفرحة، وفي تعميمك للتعاسة. حتى وإنْ كنت محاطاً ببستان ممتلئ بالنعم والخيرات، فبمساعدة من جزعك، وبأقل مجهود منه، يستطيع أن يحرق ذلك البستان، لتستحيل خضرته رماداً. ويكأن جزع الإنسان إعصار جبّار جارف، قادر على اقتلاع أعمق جذور الأمل !!


مهموم أنت يا صديقي بحال الناس، تنكسر لكسرهم، وتُجرح لجرحهم، ، ولكن جرحك يعود ليُزهر ويزهو لفرحهم وسلواهم .. هذا أعذب وأعجبُ ما فيك !


ولكنك تستعجل كل شيء، حتى أنك تستعجل مستقبلك. يوماً قلت لي أنك ترى في نفسك أنك ستدرس في تلك الجامعة المخملية بأمريكا، وستتزوج من امرأة هي أجمل من جميع عارضات دور الأزياء، وستنتقم من زملائك الذين جعلوا منك أضحوكة في مقاعد الدراسة، وستثبت لوالديك وللناس أجمعين أنك فوق ظنونهم، بل فوق طموحاتهم الذاتية .. تخدّدت راحة يدي وقلت لك أنني أتخيّل نفسي أغنيةً … نصمت لدقيقة .. وأعود فأقول: ولكنني تراجعت بعدما قرأت فرناندو بيسوا يقول: “روحي أوركسترا سريّة، أجهل أي آلات سأنقر وأي منها ستصرّ داخلي. لا أعرف نفسي إلا بصفتي سمفونية” … وضحكتَ ليلتها مما قلتُه حتى بكيتَ. 


يا صديقي العجول، إنما الأمر كما قال الحكماء: إنما الحِلم بالتحلّم، والعلم بالتعلّم، والصبر بالتصبّر .. فروّض عجلتك حتى لا تغدو مركبة لها !


سأتلو عليك قصة تركتها في يومياتي، وزيّنت تلك الصفحة بألوان الصبر والشجاعة.

في إحدى ليالي المناوبات في المشفى، قابلت الممرضة “شيجي” من الهند، تبدو وكأنها في أواخر الأربعينات من عمرها، كنا نعمل معا من أجل إصلاح عطل في جهاز يمرر مسكّن الألم “مورفين” إلى السيدة تهاني، بعد عملية مرعبة دامت ست ساعات. 

 “سأصبر ولن أجزع، سأظلّ أعمل هنا في هذا المشفى تحديداً، حتى أتمكن فقط من تغيير ما يحدث من ظلم وتشوّيه” هكذا قالت لي الممرضة “شيجي”، وأخبرتني بأنها لا تريد لأجيال التمريض القادمة أن تُعامل بهذا الأسلوب المهين اللاإنساني الذي نعاني بسببه. إنهم يُقايضون كرامتنا بمرتبنا الشهري المتدنّي، الذي بالكاد يصل إلى نصف ما تتقاضاه، وأنت ما زلت في أول سنة لك كطبيب مقيم.

أنا أعرف حق المعرفة، بأن صديقاتي في أماكن أخرى يعيشون حياة سعيدة ورغدة. وأنا هنا أشبه بِعَبْدةٍ أحياناً، أو شاة في أحيان أخرى، يُسيّرونها كيفما شاؤوا .. ولكنني لست من النساء الضعيفات، اللواتي يهزمْنَ بكلمة، فلن أنسحب ولن أجْبُن أمام بؤرة الفساد الواهنة هذه. سأفعل ما بوسعي، من عمل، وقول، ودعاء ..

لنا رب واحدٌ، جميعنا يؤمن بوجوده، وليس لأني لست مسلمة مثلكم لن يسمعني، هو يسمع دعائنا كلنا، فكيف بدعاء مكروب يكدح ليفرّج عن مرضى أبرياء لا يعرفون مصيرهم. أنا حقا مشوشة، ولا أدري كيف يذهب هؤلاء الخونة إلى مرقدهم مرتاحين البال، وقريري الأعين!؟ أي صلاة تلك، وأي إيمان يتحدثون عنه، وأي دين يعتنقون !! .. ولكنني متيقّنة بأن ثمة شيء يمكنني تغييره. ربما تسرّعت في اتخاذ قرار المجيء إلى هذه البلدة، ولكنني لن أغادر سريعا ..

أذكر أني لم أتفوه بكلمة إلى طلوع شمس اليوم التالي. ما فعلته الممرضة ليلتها ذكّرني بتقاليد الهنود الحمر قديما. كانوا بعد أي هزيمة أمام معتد، يلقي زعيم الهنود الحمر خطاباً أبيّاً أمام شعبه والأغراب المعتدين. لا أظنني سأنسى خطاب “شيجي” ذاك، لقد كان خطابا انتصاريا عقب هزيمة نكراء … 

وقبل أن أغادر الجناح الجراحي، ملأت عيني بهذه المرأة الحكيمة .. وقلت لنفسي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن التضحية والحكمة والجلْد !

وها أنا الآن أقول لك يا صديقي: ما زلتَ صغيراً لتتحدث عن الصبر، وما زلت ليّنا أمام العجلة !

قد تتساءل الآن: ما علاقة هذه القصة بك؟ لا توجد علاقة مباشرة، ولكنني أعاقبك على عجلتك التي جعلتك لا تستمع لشيء مما أقول أو أشعر .. نعم إنّ هذا تصرفٌ أنانيّ مني.


كي تعيش ..

يتوجّب عليك فعل أشياء عادية، تماما كالأشياء التي يفعلها معظم الناس، يستطيع أي أحد أن يسديك إياها كخدمة ..

ولكن .. ليَثْبُتَ لك أنك قد عشت حقاً !! فينبغي عليك ألا تحس اليوم مثلما أحسست بالأمس.

عجلتك هذه ستسرقك إحساسك باللحظة التي انشغلت فيها بطلب أخرى .. ويا حسرتك إن لم تجدها، فتكون قد سلبت عمرك لحظتين !


لاحظتُ عليك، في أيامك الأخيرة، أنك بدأت تفقد لياقة العيش في هذا العالم .. فانسحابك قد كثُر، وعبوسك فاض وانتشر، وألوانك تكدّرَت بالشؤم. وبهذه المناسبة، كتبتُ لك هذه الترنيمة، فخذها، وانطلق بها صوب البحر، واهمس: يا روح أيوب .. خذي بيديّ إلى آخر شوكة في هذا المنعطف، والقِ بي عند التقاء الطريقين .. فإني ضقت بي منذ أن اتسعت العجلة !

شيء يسمّونه سعادة

Jean-Francois

 


والسعادة حالة من خَدر الآلام ..

يتحول فيها الوقت إلى زمن .. والدقيقة إلى يوم !

وعادة ما تَصْحبُ طلَّة حبيبٍ بعد عهد طويل ..


السعادة شعورٌ في لُبّه عشق اللحظة ..

وطلبُ مزيداً مِن المَزِيد، بل والطمع فيه !

وللاستغراق في السعادة علامات من بينها: إدمان النظر من عدساتٍ ورديَّة، ودهشة مستمرة، وعودة جلافة الطّبع إلى عمر نُعومة الظّفْر ..


وتأكد من أمر مهم .. أنها حين تَحِلُّ، فهي تَفرِض كُلَّها ولا تَقْبَل بالمناصفة !!

في السعادة يا صديقي .. تفتر الحواس لتَسْكن، فتشعر بنغمات كل ما اقترب من روحك ..

وأوصيك: بُثَّ عبيرها في حديقتك .. ولا تستأثر ..


لا تبخل على نفسك يا صديقي، وردّد حين تحزن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” ..

وتذكر حين تفرح؛ لا سبيل لهذه الحياة إلا بالحياة ..


السعادة يا صديقي ثوريّة .. أما الحزن فطوعيّ !