مجتزأ من: رسالة إلى مشرّد لم تجد طريقها إليه

kelas-sosial-1

مع مرور السنوات، علاقتي مع ساعتي البيولوجية تتحسن تدريجيا، وخبرتي في الاستيقاظ من النوم قبل إزعاج المنبه كذلك تحسنت. أنهض متثاقلاً عن سريري الضيّق. وأنظر إلى ساعة الحائط بخفّة، أجد الوقت ما يزال مبكّراً على النهوض، فأتسوّل مزيداً من الدقائق أتمرّغ فيها على فراشي أو أغمض عيني وأطلب غفوة تعيسة … أستيقظ مجدداً، ولكنني أرتعش هلعاً هذه المرة. ها قد حان موعد النهوض، أقول لنفسي. أرتّب ملامحي ووجهي بما يليق بمزاجي لهذا اليوم، وأذهب لارتداء زي العمل، اقتنيت عدداً منها بنفس المقاس واللون. لا وقت أضيّعه هنا. أخطو مسرعاً نحو سيارتي .. وأنا أمسك بمقبض باب السيارة، أتذكر أني نسيت المفتاح، فأشتم الغباء، وأتساءل: هل هذه بوادر ألزهايمر؟ .. أعود خافضاً رأسي لآخذ مفاتيحي. وأنا في طريقي إلى الخارج للمرة الثانية، آخذ قراراً جريئاً. قررت ببساطة أني سأتغيّب عن الدوام لهذا اليوم. فلا بأس أن نأخذ قرارات طائشة في بعض الأحيان. ليس للأمر علاقة باللامبالاة أو الإهمال، كل ما في الأمر أني أشعر بالحياة أكثر حينما أكون عفوياً وبسيطاً. أريد أن أكون أقل آلية .. وأقل وفاء للواجب .. فأنا لا أنتمي للأرض والطين والعشب، أنا ابن الصوت والنسمة والنَّفَس والسماء. إن نصف العفوية، على الأقل، حب المغامرة واستكشاف المجهول. وبعد عشرين سنة عشتها على نفس الوتيرة، سبعة آلاف وثلاثمائة يوم كلها تشبه بعضها .. أشعر بأنه يمكن ألا يؤْثر الشخص على نفسه شيئا، في يوم غائم جميل كهذا. 
يزورني أحياناً شعور بأني لم أعد أعرفني، فقد تغيّرت جميع الملامح التي اعتدها عليّ. عبث يعلوه عبث. وهذا أمر مألوف عند الذين يعرفون أنفسهم جيداً. ليس أمراً شيّقاً أن “أتابع في داخلي حفلات التنكّر المتعددة، التي تجعلني على قيد الحياة”، ولكنني -كغيري من الناس- مرغم على ذلك. إنه ليؤلمني أني لا أملك الاستطاعة على البقاء على حالي، فالعيش في هذا العالم المشوّه لا يمكن سوى للمتغيّر .. والمتقلّب .. لمن يشبه الحرباء. 
تركت تلك الأصوات خلفي ومضيت قائلا: فلنعيش هذا اليوم بكل ما أوتيت من حياة .. نُبعثر التوتر والقلق والاعتياد، ونتنفس هواء الحرية الفاتن.
تذكرت أني أنهيت ليلة أمس كتاب [تجوال] لهرمان هيسه، وأظنه من قام بترك باب زنزانتي مفتوحا قبل مغادرته، أظن أنه هو سبب هذه الجرأة. أذكر أني لم أتحمل عذوبة اللوحة التي رسمها برشح الحب وريش الحرية، عندما قال: “إني لأستشعر الحياة ترتعش في كياني، على لساني، وحتى أخمص قدمي، في رغباتي أو عذاباتي، أريد لروحي أن تكون روحاً دائمة الترحال، قادرة على العودة في مئات الأشكال، أريد أن أحلم بنفسي قسّاً وجوّالاً، ##طاغية## وقاتلاً، طفلاً وحيواناً، وأكثر من أي شيء آخر طائراً وشجرة؛ ذلك أمر بالغ الضرورة، وإني لأريده، وأحتاج إليه لأتمكن من مواصلة العيش، وفي الآن الذي يعتريني فيه الشعور بضياع هذه الإمكانات، وبأني مقبوض فيما يدعى بالواقع، فإني آنئذ أفضل الموت”.
فقررت أن أخرج هذا الصباح لأتجول بصحبة العالم، المهم هو أن أرى كل شيء، وأن أراه كأني أرى لأول مرة، المهم أن أترك التفكير وأشاهد. قررت الخروج لآتي بفصل الربيع، فتتفتّح أزهار لساني، وينثر الغبار والشوك عنه. قررت الخروج لأصير شاعراً، ولو لنهار واحد، ولو لساعة، ولو للحظة، أريد “قول ما أحسّ به .. من دون أن أقول إني أحسّه”.
“حياة الجوّال الحقيقية، الحياة التي أحب، التجوال دون أية وجهة محددة، بيسر وسهولة تحت أشعة الشمس، حياة متشرد كامل الحرية” .. فشبكنا أيدينا أنا وقراري، وأخذنا نبدأ يومنا بهذه الجولة الصباحية في شوارع المدينة …
إنه لمشهد يفطر القلب، رؤية المتشردين يمنة ويسرة في كل زقاق. على حافة الرصيف. بجانب سكة القطار. في الأنفاق وتحت الجسور. عند أبواب المتاجر. وفي محطات المترو.
رأيت أحدهم صباح هذا اليوم، وأنا أنتظر إشارة المرور لأعبر الشارع. هيئة الرجل المتشرد الأسود غاية في الحزن، جالبة للشفقة، وتستدعي التعاسة. قرر أن يعبر الشارع دون أدنى اعتبار لإشارة المرور. يمشي الرجل ببطء وهو يغني بطريقة مريبة مزعجة، ويرفرف بكلتا يديه بطريقة غير متكلّفة وشاذة. رأيت فيه علامات الجنون بغزارة. حينها، لو أن لي أمنية واحدة، لكانت لصالح هذا الرجل المسكين، قلت لنفسي. لو أن للجنون درجة تبخر الإيثانول، لكان الرجل الأذكى في المدينة وقتها. قيل أن بين العبقرية والجنون خيط رفيع. لكن ما شاهدته صباح اليوم، لم يكن قرب الخط الفاصل، بل كان جنوناً تامّاً. يقف عن يساري رجل بكامل الثقة، يرتدي زياً فائق الأناقة، وفي يمينه سيچار كوبي كثيف الدخان، يكاد لا يرى ما حوله من شدة علوّه … هذا التناقض العظيم السخيف، سوف يجعل مني مجنونا .. مجنونا إلى درجة تجعل الرجل الأسود المتشرد يضحك ويقهقه حتى يسقط أرضاً، ثم يتلحّف بالسحابة التي تعلوه، وينام من شدة الإرهاق …
أسمع صوتا يرتد بعد صدى كلمات ذلك الرجل، وهو يقتبس من هرمان هسه، يقول: “العيش مع الآخرين، بالنسبة لي، هو العذاب. وكل الآخرين موجودين داخلي. حتى لو كنت بعيداً عنهم، أنا مضطر للعيش معهم. وحدى، تطوقني الحشود. لا أعرف إلى أين أهرب، على الأقل لأهرب من نفسي … أريد لكل شيء أن يتبخر مني. حياتي بأسرها، ذكرياتي، مخيلتي وما تحتويه، شخصيتي .. أريد لكل شيء أن يتبخر مني الآن .. أنا رجل يبحث لا رجل يدّخر”.
إن أجمل ما في حياة الشارع أنها بالغة في العفوية. ولكن هكذا يراها من هو مثلي، من اختار أن ينزل الشارع كي يشاهد ويستمتع ويعود لمنزله متى شاء. ولكن ربما كان من الهيّن أن أركز على الجوّال الذي يسكن داخل ذلك المتشرد وكل المتشردين. 
وأنا عائد في طريقي إلى البيت، وجدتني أردد سطر فرناندو بيسوا دون تعب أو ملل:
“تضاعفت كي أُحسّني،
ولأحسّني، احتجت إحساس كل شيء؛
فِضت، انتهى الأمر بي بأن أنتشر …”.
آه .. لو كان بمقدوري رؤية ما لا أريد رؤيته، لكنت إنساناً! .. ولو كان بمقدوري رؤية كل ما لم أقصد رؤيته، لصرت إنساناً كاملاً!!
آه .. لو كان بمقدوري اختيار ما أريد، لكنت إنساناً! .. ولو كان بمقدوري رفض كل ما لا أريد، لصرت إنساناً كاملاً!!

خاطرة في حضن الوداع

/home/wpcom/public_html/wp-content/blogs.dir/71f/43427515/files/2014/12/img_6171-0.jpg


واحدة من تحديات الإنسان في الحياة هي تغلبه على الاعتياد على الأشياء. فالعادة عند أصحاب الوَجْد موت مُعجّل. والمضحك أن الإنسان نادرا ما يَعْقِل الحكمة في الأمور إلا بعد فواتها ورحيلها .. فكّر مع نفسك قليلا وراجعها، وستجد كم هو حقيقي ما أقول.
وما أخاف أن اعتاد عليه هو: الاعتياد على خروج الرمق الأخير من روح البشر على طاولة العلميات، الاعتياد على العبوس في وجه سائل، الاعتياد على النظر في وجه طفل دون تبسّم، الاعتياد على المرور بجانب زهرة دون أن أشم عبيرها، الاعتياد على الحياة خنقا، الاعتياد على المعتاد ليصبح هو الطبيعي ! .. أريد قدرة السباحة في شطآن السراب، أريد قدرة القفز هربا من أسوار البلادة، أريد قدرة الكتابة بقلم الشهود، أريد قدرة الابتسامة الهادية، أريد قدرة النطق بالكلمة الشافية، أريد قدرة الحياة، أريد قدرة البحث عن الدهشة … وكما قيل في الجدارية: “ربما ما زلت حيّا في مكان ما .. وأعرف ما أريد .. سأصير يوما ما أريد”.

لا أميل كثيرا إلى مشاركة الناس الخواطر، لأنني كنت أظنه أمرا دون فائدة، وضرب من ضروب الاستعراض، وأمر فيه من الخصوصية. ولكنني حين تأملت قبل أن أنْشر هذه الخاطرة، وجدت أنها أقرب لذواتنا [الذات] من أنواتنا [الأنا]. نريد أن نتحرر أكثر من الأشياء التي تقيّدنا، من الأشياء التي ليست منا .. ولكننا أصبحنا جزءا منها.

وهذا الوداع يخاطبني … ووثّقت ما دار بيننا يومها:

وعظني الوداع فحدثني: لا تثق بأحد ثقة عمياء .. ولا تنتظر -لطرفة عين- حرفا أو كلمة، فتندم مرتين !

وعظني الوداع فحدثني: ليس الحب وسيلة للعيش ولا هو آخر الأماني .. فتسول الحب بؤس وخطيئة، كما هو الحال في تسول اللقمة. ومن حرم نفسه من فرصة الفناء ما قارَبَ طعم الوَجْد !

وعظني الوداع فحدثني: ما الحياة إلا لحظة .. فاسعَ لتصميمها بنفسك ولا تقف منتظرا ولا مترددا، فيعمّها الهراء ويشوبها القبح. فتخسر فرصة العيش، وتُذَلّ بصنيعة غيرك !

وعظني الوداع فحدثني: في هذه الحياة لا شيء يُعطى دون مقابل .. عدا اليأس والإحباط !

وعظني الوداع فحدثني: لا تؤتى الحكم إلا بانشغالك بالعِلْم وتحمل الألم ..

وعظني الوداع فحدثني: الرضا مقدم على الواجب ..

وعظني الوداع فقال لي: بائس ذاك من حك القشور عن ندب الذكريات ليعيش في جحيمها .. والحكيم من استدرك نفسه وابتسم فور نزفها ..

وعظني الوداع فحدثني: يا هذا ! .. أمْسِك عنك فلتات السخط، تؤت أسباب التوفيق ..

وعظني الوداع فحدثني: لا تنشغل بوسوسات الطريق .. فتحرم حلاوة صحبة الرفيق.

وعظني الوداع فحدثني: الهلاك كله كامن في [إما] و [أو] .. والجنة أصلها في بحبوحة [و].

وعظني الوداع فحدثني: المعاناة لزيمة الحياة .. والمعنى موروثها المفقود.

وعظني الوداع فحدثني: الطريق إلى الذات محفوف بالهناء .. والطريق في رفقة الأنا محفوف بالشقاء.

وعظني الوداع فحدثني: لا شيء أقسى على الإنسان من أن يموت مرتين .. فمرة يموت في الحياة .. ومرة يموت عند الموت !

وعظني الوداع فهمس لي: لا تجزع للحزن أو اليأس، وتذكر نزار قباني حين أنشد: “إن الدمع هو الإنسان، إن الإنسان بلا حزنٍ .. ذكرى إنسانْ !”

2014/7/19
جدة