مجتزأ من: رسالة من صديقي المكتئب



لقد مرت قرابة أربعة أشهر منذ بدء حالة الكآبة هذه. أشعر وكأن شيئا لم يتغير فيّ .. وكل شيء قد تغيّر في مَن حولي!
حالتي تزداد سوءاً مع مرور الوقت، إنها تحفر وتحفر، لتنتشر. هذه الفجوة التي تُركَتْ بداخلي تكتظّ بصدى أصوات لا أعرف مصدرها .. تصدع وتضرب شمالا وجنوبا !
كل ذلك، بالنسبة لي، موضوع متفهّم، فالشعور من جنسِ شعور يسبقه ..

دائما ما كنت أتخوف وأرتعب من إتيان يوم، أستيقظ فيه من نومي دون إيجاد سبب ينتزعني من برودة مرقدي، ويلقي بي في حضن العالم، فيبعثني، مع شمس كل صباح، إنساناً حياً ومُحْيِياً، يرى الحياة في كل مظهر من مظاهر هذا الوجود – على أقل المقاييس. وأنشر إكسير الحياة لمن يحيطون بي ومن يختلطون بأنفاسي … وقد تحقق خوفي من ذلك اليوم الكئيب، بل ولا يزال يتردّد يوما بعد آخر. 

يا صديقي، إن الصدر الذي لا يُسمع فيه سوى الصدى، مهجور مهجور مهجور ..

حدثني قلبي مرة فقال: ما زلت أخفق، ولم أفقد الأمل في استعادة أيامنا الأولى، ولحظاتنا البِكْر. كنا هانئين بطريقة عيشنا، كنا نخطو خطوات مرتّبة ومتزنة وخفيفة، ولكن عفوية. كنا نحب المشي أمام بحيرة الحب كل مساء، هكذا تستثير رغبتك في الكتابة، وتتفجر غدد الإحساس عندك. كنا لا نرى الظلام حتى في أشدّ الليالي عتمة. كنا نجول الأرض وحدنا، ولا نخشى افتراس الغربة. وكنا نجيد التغريد بطلاقة، لا أذكر أننا نشزنا عن لحن الكون، ولو لمرة. كنا .. “كنا طيبين وسُذَّجا”. لقد تغيرْتَ كثيراً، حتى أنني لم أعد أعرفك … إنه ليؤلمني كم كان محقا فرناندو بيسوا عندما قال في كتابه المستحيل [لست ذا شأن]: “كم هو قاسٍ أن لا نكون أنفسنا وأن لا نرى إلا ما يُرى”!

كان هذا آخر حوار دار بيننا، قبيل شهر. فقد هجرني قلبي هجراً جميلاً، وقطع عني أحاديث النفس. كان يمكنه أن يتوقف، كان بمقدوره أن يعترض بطريقة أكثر جرأة وأنانيّة، كان يمكنه أن يقفز للمشهد الأخير من المسرحية، ويرتاح. 
ومنذ ذلك الحين، وأنا أتوق سماع لأحاديث قلبي التي كان يزاورني بها وأنا في غياهب جُبّ الحزن.

لقد هجرني الربيع، ولم يسكنني مذّاك إلا الشتاء …

يحتاج الإنسان إلى من يستأنس بوجوده معه. يريد من يسمع حكاياته السخيفة ويستمع إلى أحزانه وخلجاته. يحتاج جليسا يضحك لطرائفه وسخائف مجريات الحياة اليومية. ولا يستغني عمن يتفقّده ويفتّش عنه حين يغيب، أو حين يغيب متعمّداً، بحثا عن سؤال قريب وحنانة حبيب.

دعني أخبرك بأكثر موقف تراجيدي قد مرَّ عليّ طيلة حياتي الكئيبة كلها. كنت صاحب دور البطل والضحية في مسلسل حزني العامر، وكان مشهد الختام مهيباً. ميزان يحمل حزن العالم أجمع في كفّة، وحزني وحده في الأخرى، ورأيت الكفة التي حملت حزني تهوي إلى ما بعد الأرض السابعة .. يا لعذوبة هذا المشهد، لم أتمالك نفسي أمامه. لقد فشلت كل خيبات العالم في الصُّمود أمام خيبتي !

تحكي أحداث المسلسل أسلوب الحياة داخل مدينة الحزن. إنّ كل شيء فيها مُؤمَّنٌ لك، ولكن المعجزة أن تتمنّى! فلا أحد يجرؤ على التمنّي في حضرة الحزن! هذه أحد المفارقات العجيبة التي وجدتها على هذه الأرض. مكتوب على باب المدينة: لا ضحك هنا ولا فرح، واحذروا الابتسامة، ولو كانت صفراء. فإن حساسية كاوس، الإلهة الأولى، مفرطة تجاه الفرح. وفي حال أن حبلت كاوس ، سيولد حزن جديد .. حقاً، إنه موقف لا يُحسد عليه الأب!

في مدينة الحزن، كل شيء يكسوه جلال اللون الرمادي. إن للرمادي سحر لا يضاهى!

فور دخولي المدينة، أتى باص ليقلّني وباقي السُّوّاح إلى الفندق. استقبلنا مدير الفندق، واحتفى بنا على طريقتهم وطبق عاداتهم. لم أعرف أكان شابا يرتدي وجه كهلٍ، أم كهلاً أضاع الموتُ طريقه عنه.
في هذا الفندق، لا توجد نشاطات جماعية أبداً. وكأنهم يقصدون إبقاء كل واحد منا مواجها ذاته …”وليكنْ”، قلتُ في نفسي.
دخلت إلى غربتي، أقصد غرفتي، فإذ بي أجدها ملء الطابق الحادي والعشرين بأكمله. وجدت عدة مفاجآت بائسة بانتظاري. سأذكر لك منها اثنتين، كانتا الأقرب إليّ. حوض جاكوزي العذابات، ومسبح كبير معبأ بالذكريات، واختاروا لي خصيصاً أسوأ الذكريات.
هنا، في مدينة الحزن، أشعر بأني سجين بلا سجن ولا سجّان. لم أعد أحتمل مكوثي في هذا الفندق الزنزانة لدقيقة أخرى. لقد اهتمّ مصممو الفندق بإحباط كل وسائل هرب نزلاء الفندق. فكان تخطيط أدوار النزلاء يبدأ من الدور الثالث عشر. بمعنى آخر أكثر وضوحا، إن من سيغادر هذا المكان، لن يكون بمقدوره أن يعيش سوى في الذكريات.
يا صديقي، إن الإنسان كائن مثير للتعاسة وجالب للمحزنة، ليس لذاكرته نصيب من استرجاع الذكرى الأصدق والأعذب، اللحظة البتول، الصرخة الأولى، ولا تكبيرة الصلاة الأولى. وليس ينفعه تذكر اللحظة الأخيرة، لحظة الرحيل. لذلك اطمئن، سوف أتخلّص من نفسي عما قريب، وسأغادر هذا العالم.

أتذكّر آخر كلمة قلتها لي قبل أربع سنوات، يوم التقينا في الرّيف: “اصرُخْ، يا صاحبي، لأعرف أنك حيّ”. حاولتُ يا صديقي، حاولت مراراً أن أصرخ بكلمة، بآية، بأغنية، بتعويذة، حاولت أن أصرخ بكل اللغات .. كنت أصرخ “ولا يخرج مني صراخي”.

لم أستطع الاستمرار في قراءة بقية الرسالة، فقد كانت موجعة أضعاف الوجع المنثور في الجزء المذكور. وإنْ تمكّنت من ذلك في وقت ما لاحق، فلا أظن بأن نشره سيكون فعلاً أخلاقياً.
بعدما أخذت قراري هذا، عدْتُ لقراءة كتاب شذرات لأديب كان يعيش على كوكب مجاور للأرض. ويا لَلْموافقات السعيدة، وجدتني أمام سطور كأنها كُتبتْ لصديقي المكتئب، فأرسلتها له دونما تردُّد:
يا صديقي المكتئب “كن بسيطاً. ما لي أراك تتحدث كما لو أنك من المرسلين. اخلع عنك مهمازات الترفُّع، وانزل من علياء الألفيات الثلاث المقبلة، عِشْ ما دمت حياً، ولا تُقحم نفسك في حقبة أنت على كل حال لا تنتمي إليها، دَعْ النوايا تخلد إلى النوم، انْسَ الاسم، انس نفسك، وانس موتك!”.
ثم قلتُ له: سأهديك هذه النصيحة التي تعلّمتها من معلمي عندما زرْته في جزيرة سيشل، وهو شيخ طاعن في الحكمة، وأحد تلاميذ بوذا الحكيم. قال لي: لقد ضيّعت نصف حياتي مُحاولاً أن أعثر على الحياة. وفجأة؛ وجدتني. كان الأمر في غاية البساطة والغرابة في آن. كل ما كان عليّ فعله هو أن أُسقِط [محاولاً] من الجملة السابقة. كذلك عثرتُ على الحياة ..
اعلم يا صديقي الحزين أنك عندما تملك نظرة أكثر رويّة وحكمة، ستتفاجأ كم كان القدر سخيّا معك!!


فأرسلت الرسالة له، ولا أدري إن كان ما يزال في غرفته بالطابق الحادي والعشرين، أم أنه قفز في طريقه إلى …
Advertisements

ربما..

للمصور: Leo Bugaev

في ليلة جالست آخري على مسافة هامسَيْن .. فوجدته في حالة مليئة باللا أدريائية البكماء. تتعالى داخل أرجائه أصوات الصدى، دون أدنى استطاعة مني لتمييز مصدرها. فأشرتُ له أن انصت لما سأقوله الآن -آملا فيه وعلّه يفصح كي يرتاح. “فما أسأم العيش لولا فسحة الأملِ” كما قال العالم الكيميائي الطغرائي .. وأقول متبعا لما أنشده: “ما أضيق العيش لولا فرصة البوحِ” ..

فقلت له: تعال أحدثك بشيء مما أفهمه عني ..

فأنا لا أصنِّف وأستهجن أن أُصنَّف، فقد هجرت تصنيف البشر منذ عرفت أن الآدمية تكبرني عمراً وحجماً وحباً.

وتغلب ملامح وتقاسيم وجهي الجديّة والجلف، وذلك أمر بدهيّ لمن يعرفني، وبائن لمن يملك بصراً منزوع البصيرة.

وأشعر بنشوة الحب حين تتراقص دقات قلبي جنونا، وأعرف أنني أهيم حين يصرخ قلبي، ويتعنّى بالكتمان عن صرخاته لساني.

أكره فيّ حزني للفرح، ويرهقني ركضي خلف الإنجاز. ولي دماغ ثرثار لا ينظر إلا أمام. لا يحرّكني إلا ساكن. وبداخلي إنسان ما زلت أجهل كنهه ..

فمد آخري يده يهدؤني بصوت الحكيم ويربت على كتفي بحياء ..

وقلت له: أعلم أننا ورطنا بقدرنا .. والمستقبل يقلقني مثلما يقلقك .. ولكن امنحني فرصة أُجمِّل فيها حالي وأنظم أنفاسي ..

فقال لي: الصحو عليل، والأمل ألِف الغياب، والحلم يتبع سرابا مخادعا الطرف .. ما من ملجأ ولا مأوى غير الملاقاة والمجابهة !!

هناك خطب ما يخنقني ولم أعقله ..

فربما تراكم تجاهلي لحال يائس سابق أوصلني لهذه المآل ..

وربما ادعائي بأن كل شيء على ما يرام هو سبب هذه الهالة الفخارية الجوفاء ..

وربما هو شعور مكسور، كبُر مع ذات الطفل قديما .. يأخذ ثأره بتكرار عزف اللحن الحزين .. يردد ناقما: “تحيا الأغنيات” ..

وربما يكون بسبب السعي نحو غاية ما .. وقد أحتاج لمزيد من التجرد المادي والمعنوي، كي تتكشّف الحقيقة، كي تتضح الطريقة. كي أحيا مناضلا، فيولَدُ  من المعنى معان .. وكي أموت في مطلع كل قصيدة !!

وربما تكون حالة بينيَّة انتقالية لا أصل لداومها .. فلا أكثر من الصبر والتحلّم والتمنُّع بالنسيان !

تنهَّدتُ بعدَ صمت عارم .. وابتسمَ ابتسامة المنتصر، ومكافح الوهم. وأتْبعته قائلا: وربما .. أنا منهك الآن، وبقي على انتهاء ورديّتي في طوارئ المشفى دقائق معدودة. فهنا كل شيء مصاب بالجنون والعجلة ..

جالسك ..

ترددت على مسامعنا أقوال كثيرة عن صفات الخيار من الناس لمجالستهم، وترددت على أسماعنا كثير من المأثورات عما يغنينا مكوثا مع الناس، و تواترت الاختراعات و المفاخر الإنسانية لمؤانسة الآخرين منهم .. إلا أنها جميعها قابلة للتبديل أو التغيير ، وفي بعض المرات نلجأ لها بغرض الاستغناء !! .. في أثناء عاصفة المغايرات هذه ، ترتطم بنا أحد علامات الاستفهام يتيمة الجذور، أهميتها هامشية، رسمها و تفصيلاتها مشبوهة .. تسألنا مستنكرة: هل مر عليك [أنت] بلباس خليل لك أو جليس !؟ .. هذا السؤال -أو جوابه- هو ما يبدو لي أننا نتآمرنا عليه، ولا يهم طوعا كان أم كرها، المهم أننا خُيّرنا فاخترنا غيرنا .. و عدنا أخيراً لننكر فعلتنا.

الحقيقة أنك أنت المهم لك .. !!

اكتشاف الإنسان نفسه ليس بالأمر الهين ، فما هو حال من يستطيع الترحال داخل نفسه !! .. ولا يقوى الإنسان فينا تجاوز هذا الخط إلا بعد هدنة يرتضي و يتقبل فيها إنسانه. ويبقى نقيض ذلك عبارة عن قنبلة موقوتة تنفجر حولنا في كل الأرجاء على شكل خصومات ضد الجميع متضمنة أنفسنا.
توجد فجوة كبيرة بين الهجر أو الارتحال عن الناس وبين تحيُّن الخلوات مع النفس .. فهناك عالم جنَّتي داخل كل إنسان ، لا مفتاح له ولا شفرة للعبور، كل ما في الأمر هو [منك إليك] وهو مختلف تماما عن ماهية وطريقة ما هو [منه إليه] أو [مني إلي] .. فالكل يختلف وإن كان يتفق !! ..

أمنيتي في ختام هذه السنة أن نعقد صلحا صافيا وإقامة علاقة جديدة مع ذواتنا .. وألا نهرب منا -مجددا- بإرادة منا .. خوفا منا !!