الأحمق ضد حمقه

Rachel Baran

Rachel Baran

– قبل أسبوع قرأت كتابا أهدانيه د. علي أبو الحسن، وصف الكاتب نفسه في كتابه قائلا: “أنا أول الحمقى”.

– كتاب [كلنا حمقى] للمؤلف محمد مشكور، هو عبارة اعتراف شجاع، زاخم بالمفاجآت منذ بدايته حين كتب في مقدمته: ” [لا توجد مقدمة .. ولا مؤخرة ..] من وحي الفوضى العربية”.

– من السهل جدا أن يقرر الواحد منا أن يقرأ، ومن السهل أيضا أن يذهب إلى مكتبة ما أو يتصفح الانترنت ليجد كتابا أيا كان. ولكنه من الصعب جدا أن نختار الكتاب المناسب لنا، مع الأخذ في الاعتبار، ما الذي نحتاجه في الوقت الحالي، وما الذي نريد أن نزود معرفتنا به -بغض النظر عن أسباب القراءة. ولهذبن العاملين الأخيرين قوة فائقة في تحديد مدى تأثير الكتاب علينا.

– لذلك قد نجد، في كثير من الأحيان، أن كتابا ما قد أحدث فرقا جوهريا في شخص نعرفه، وبدأ يحدّث به في كل مجلس ويكتب عنه في مواقع الشبكات الاجتماعية .. وربما يأخذ ذاك الكتاب بيده ليصنع مشروعا بسبب فكرة ما في طيات الكتاب. وفي المقابل، نقرؤه فلا نجد سوى معلومات جديدة فحسب.

– في هذا الكتاب، يحاول المؤلف أن يكفر بكثير من المسلمات التي تلقّنها على فترات مختلفة في حياته. مفاهيم عديدة مثل: الجهل، الموت، الحياة، المعرفة، المرض النفسي، الأقوال المأثورة، مصطلحات معهودة … إلخ.

– يقول في ص٢٠: “أن يقرأ أحدهم فماذا يعني ذلك؟، يعني أن يزداد شكا على حساب اليقين، وأن تنتج له المزيد من الأسئلة، وتشرع له المزيد من أبواب البحث، وتوسع له الكثير من مساحة الجهل … والشك من علامات الفراغ الذي تنجبه الأسئلة، لا من علامات الامتلاء الذي توفره المعرفة … وهذا يعني أن القراءة لا تملؤنا بقدر ما تفرغنا من اليقين، وبقدر ما تملؤنا الشك، والذي يعني الجهل أكثر من الامتلاء”.

– في مقالة مطولة يرفع الأستاذ محمد مشكور من احتقارنا للجهل، ويقدمه في أسلوب ثائر يائس من واقع مؤلم، وهو أننا نسعى لأن نكون عارفين -بمعنى لاهثين خلف المعلومة- ونهرب من حقيقة أننا جاهلون. والحقيقة -التي ينتصر لها المؤلف- أن الجهل لصيق ولزين ابن آدم، والجهل هو أمر يجب التصالح معه والإقرار به، والجهل هو وليد القراءة والمعرفة. قال جل وعز ((وفوق كل ذي علم عليم)) سورة يوسف آية [٧٦].

– ويقول ص٢٤: “وبناء على ما تقدم فالجهل لا يعني التخلف، وهو أساس التقدم والانفتاح، والمرونة المطلوبة … والتخلف يكون بادعاء المعرفة، والمتخلف هو الفرد العارف والفاهم، والجاهل يؤمن بالنقص والقصور فيتغير، والمتخلف يبقى ويصرّ على حاله فلا يفعل، والفرق واضح”.

– “عندما يعترف الإنسان بانتقاله من الإيمان بفكرة إلى التصديق بنقيضها، فإنه يشعر بكثير من الخوف والشك، ويزداد خوفه وشكه عندما يتذكر أحكامه التي كان يطلقها على المتخلفين معه بإيمانه ذاك، أو ربما ملاحقاته لهم أو حتى إيذائه لبعضهم فيما لو مان متطرفا حد التسبب بالإيذاء … الانتقال من الإيمان بفكرة إلى التصديق بنقيضها يخيف الباحثين عن الحقيقة، خاصة أولئك الذين يعتقدون بوجود محطة نهائية لها. فمثل هؤلاء سيوقفهم انقلابهم على إيمانهم الذي كان راسخا في يوم من الأيام على مقدار الضعف الكامن بوعيهم، ما سيمنعهم مستقبلا من الركون إلى أية أحكام قطعية صادرة عن هذا الوعي” سعدون محسن ضمد [هتك الأسرار] ص١١.

– ويذهب المؤلف إلى أن تكون القراءة قراءة تفكيكية لا قراءة غرضية، ويصفها ص٣١: “القراءة التي تنتج من الأفكار أفكاراً أخرى، القراءة التي تؤمن باللامعنى واللامكتوب والمسكوت عنه في النص، القراءة التي لا تضع نهايات، ولا تؤمن بفهم أو يقين، القراءة الاي لا توهمنا فهما ولا توصلنا علما، إنها القراءة الوحيدة التي ستمكننا من عيش إنسانيتنا من دون تطرف ومن دون جزم”.

– ويقول ص٣٥: “الجهل هو سبيلنا للتخلص من نرجسيتنا واعتدادنا بأنفسنا، وإذ نعترف بأننا جاهلون؛ نعترف بأننا بشر، والجهل يوردنا الريبة والشك، ولا يوردنا الاطمئنان واليقين”.

– يقتبس المؤلف من فريدرك نيتشه في كتابه [نقيض المسيح] ص١٢٢: “وأصحاب القناعات لا يدخلون في الاعتبار البتة في كل ما يتعلق بمبدأ القيمة واللاقيمة. القناعات سجون. إنها لا ترى بما يكفي من البعد، ولا تري إلى ما تحتها … إن عقلا ما يرغب في ما هو عظيم، ويرغب في الوسائل الموصلة إلى ذلك، لهو عقل رييي بالضرورة. التحرر من كل صنف جزء من القوة … فالمتعصبون جذّابون، والإنسانية تفضل الحركات الاستعراضية على الاستماع إلى براهين”.

– جذبني تفكير هذا الكاتب الثائر والحليم في ذات الوقت، وانتقاءاته الدقيقة الشائكة في مختلف مقالات الكتاب.

– كتب لي في إهدائه: “هنا الأحمق ضد حُمقه .. ووجدته رفيقك القلمي .. هنا رفيق كتب لا ليكتب .. وإنما وجد نفسه متورطا فحسب !” … وأنا أحسبه كذلك أيضا.

Advertisements

عاشق الحياة .. الانتحاري بامتياز

e-m-cioran-540x304
 
– إيميل سيوران Emil Cioran اعتبر نفسه [فيلسوفا بالصدفة]، حيث أنه كان يكتب لأجله لا بغية تجمهر الجماهير وانكباب المعجبين. بل ويعتقد أن تلك الكتب -التي لا تلتفت إلى هوى الجماهير- هي ما يستحق القراءة فعلا دون غيرها.
 
– أصعب النصوص ومحاولات الكتابة هي تلك التي تتسم بـ [الصرامة البهرجية] كما يسميها آدم فتحي مترجم إحدى كتب سيوران.
 
– لسيوران نسيج أفكار يسيل لعاب العقل لها، وتتراقص الدهشة إعجابا، يقول “الكتابة التي لا تقوّض نفسها بعد أن تقوّض كل شيء ليست سوى عبث”
 
– عاش سيوران في بداية حياته مجموعة انسلاخات، والغالب أنها كانت السبب الأساس في تكوين سيوران الذي عرفناه. أقساها كان انسلاخه من العائلة، وانسلاخه من اللغة والهوية.
 
– اعتبر التأليف تداوٍ وأسلوب معافاة من الأرق الذي لم يفارقه لحظة -كما زعم- وكتب كتابه الأول [على ذرى اليأس] في الثانية والعشرين من عمره. وكان بمثابة “نوع من التحرر، ونوع من الانفجار المخلّص”، وقال: “أعتقد أني لو لم أكتبه لوضعت حداً لليالي”.
 
– عرّف الأرق بأنه: وعي مدوّخ قادر على تحويل الفردوس إلى غرفة تعذيب !
 
– تأثّر وأُعجب بنيتشه وشوبنهاور وشخصية هتلر. بكلمات أخرى، كان مولعا وموبوءا بالفاشية .. ولا أستعجب من ذلك !
 
– أغلب مؤلفاته وكتاباته كانت عبارة عن شذرات، أو الكتابة المقطعية/الاعترافات/الحكم المختزلة، وبنى معرفته على التجربة. 
 
– قرأت عدة كتب لسيوران لأسباب شخصية وأسباب بحثية، وما جذبني إلى البحث في تجربته أنه كان تمثيلا لإحدى أنماط سرقة/هدر الإنسان. وأذهلتني جديته محاولا إثبات خطيئة الإنسان الأولى هي الولادة/الزواج. وتكررت محاولات هروبه من نفسه كما كتب في كتابه [مساوئ أن يكون المرء قد وُلِد]: “اللاشعور وطن، والوعي منفى” !
 
 
 
سأقتبس بعضا من الشذرات التي شدت انتباهي في كتابه [المياه كلها بلون الغرق]:
 
“حين كانت البشرية في بداياتها تتمرن على الشقاء، لم يتصور أحد أنها ستقدر يوما على إنتاجه في شكل مسلسل”
 
“لا موسيقى حقيقة غير تلك التي تجعلنا [نجس] الزمن”
 
“لماذا نعاشر أفلاطون إذا كان أي ساكسوفون قادرا هو أيضا على أن يكشف لنا عن عالم آخر”
 
“لا نعرف حجم قوتنا الخاصة إلا عندما نتعرض إلى إهانة”
 
“مع التقدم في السن يتعلم المرء مقايضة مخاوفه بقهقهاته”
 
“صلتي بالناس أفقدتني نظارة عصاباتي كلها”
 
“ضغائننا كلها ناشئة من كوننا ظللنا دائما تحتنا، ولم نستطع اللحاق بنا. وذاك ما لن نغفره للآخرين قط”
 
“الحزن شهية لا تشبعها أي مصيبة”
 
“لا يُهلك الفرح إلا قلة صرامته. لاحظوا في المقابل منطقية الضغينة”
 
“لمعاقبة الآخرين على أنهم أسعد منا حالا، لا نجد أفضل من أن نلقّحهم بوساوسنا .. ذلك أن أوجاعنا، للأسف، ليست معدية”
 
tumblr_n4n2ikkdEr1roilwvo1_500
 
– فضّل إميل الغربة في أعماقه، واعتزال الناس، ورفض فكرة الزواج والإنجاب بحجة أنها الخطيئة التي لا تغتفر -بسبب ماضيه وخوفه من الانتماء ! 
 
– ليس كل ما كتبته عن سيوران أتفق معه، لقد غادر هذا الرجل تاركا كما من الهذيان لا يحتمله بشر !
 
– هذا الكاتب، رأت مؤلفاته النور بعدما مات. فقد كان الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر حينها يصول ويجول ويشغل الساحات والرأي العام.