فإنها منتنة

1065

– “لكي تُهيء شخصا ما للتضحية بالنفس فلا بد من سلخه عن هويته الذاتية وعن تميّزه. يجب أن يكف عن كونه جورج أو هانس أو إيفان، أي يجب أن يكف عن الشعور أن خلية بشرية مستقلة لها وجود يحده المولد والوفاة. وأكثر الطرق فاعلية في الوصول إلى هذا الهدف هو صهر الفرد كلية في الجسم الجماعي. إن الفرد المنصهر في الجماعة لا يعدّ نفسه ولا الآخرين كائنات بشرية فعلية. عندما تسأله من هو؟ فإن جوابه التلقائي هو أنه ألماني أو روسي أو ياباني أو مسيحي أو مسلم، أو عضو في قبيلة معينة أو عائلة ما. ليس لهذا الفرد من معنى أو هدف أو مصير إلا من خلال الجسم الجماعي” إريك هوفر [المؤمن الصادق] ص115.

– ألهمني كتاب الباحث الدكتور هاني الجزار [أزمة الهوية والتعصب] الذي يهدف إلى اختبار العلاقة بين رُتب الهُوِيَّة والاتجاهات التعصبية، واقتبست منه عددا من المقولات.

– عندما نتحدّث عن المفارقات في ردات الفعل البشرية، ومدى تأثير التعصُّب على البشر: “إذا اعترفت أنني في الأسبوع الماضي قتلت شخصين من أجل مصلحتي الخاصة أو مصلحة أسرتي، فلن يختلف اثنان في أي من المجتمعات التي نعرفها على أنني مجرم. أما إذا اعترفت بأنني في الأسبوع الماضي قتلت أو تسببت في قتل ألفين من البشر لصالح جماعتي الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو العنصرية أو القَبَليَّة أو الوطنية، فأقل ما يمكن قوله أنه في إطار بعض المجتمعات سيكون هناك اختلاف على مدى أخلاقية سلوكي. أما في باقي المجتمعات فقد لا يكون اللوم على هذا السلوك مطروحا أصلاً” هنري تاجفيل (Henry Tajfel) بروفيسور علم النفس الاجتماعي.

– ويقول كارل بوبر: “إن التعصب إثم دائما، وإن من واجبنا أن نعارضه في شتى صوره، حتى عندما لا يكون ثمة اعتراض أخلاقي على أهدافه ذاتها بل وعلى وجه الخصوص عندما تتفق أهدافه مع أهدافنا الشخصية. إن أخطار التعصب وواجبنا نحو معارضته تحت كل الظروف، هما درسان من أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من التاريخ”.

– التعصب في اللغة هو مصدر مشتق من عَصَبَ، ومعناه طواه ولواه وشدّه. وذكر الباحث زكي الميلاد في مقالة بعنوان [في نقد التعصب]: “التعصب هو نمط من السلوك يتّصف بالتحيز الظاهر، والميل الشديد الذي يتداخل فيه ويتمازج العامل النفسي مع العامل الذهني، ويتمحور حول شيء ما، إما تجاه فكرة أو مبدأ أو معتقد، وإما تجاه شخص أو عشيرة أو جماعة، وبشكل يكون ظاهراً ومنكشفاً عند الآخرين”. لذلك فذهنية التعصب لا تحتمل إلا التفاضل وعدم المساواة وصورة منقوصة عن الآخر، ولا تتقبل تناول صورة الآخر بنزاهة وموضوعية.

– جون دكت، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة كيپ تاون، صاغ في إطار موحّد ما وصلت إليه التصورات المختلفة عن أسباب نشأة وتطور الاتجاهات التعصبية: ١-ثمة عمليات سيكولوجية أساسية تشكل الاستعداد الإنساني الكامن للتعصب. ٢-المسؤول الأول عن نشاط تلك العلميات السيكولوجية هي عوامل معينة في البيئة الاجتماعية، يمكن تسميتها بـ [الديناميات الاجتماعية] للتعصب، فصراع المصالح وعلاقات القوة والمكانة كلها معايير اجتماعية محفزة للتعصب. ٣-تبنّي أفراد المجتمع -أيا كانوا- تلك المعايير التي اتخذها مجتمعهم، من خلال وسائط وآليات معيّنة. وهنا يبرز دور التنشئة الاجتماعية بميكانزماتها المختلفة ودور المجاراة كعمليتين قادرتين على تفسير كيف ينتقل التعصب إلى الأفراد. ٤-مع ذلك، فإن التعصب لا ينتقل آليا وبالتساوي الى كل أفراد المجتمع، فلا تزال العوامل الفردية هي المحدد الأول والأخير لمدى قابلية الفرد لتبنّي تلك المعايير وتمثّل تعصب الجماعة واكتسابه.

13635438

– يصف د. هاني الجزار التعصب قائلاً في ص١٦: “التعصب في مجمله إجراء دفاعي ضد الشعور بتشتُّت الهوية أو ارتباك الدور، بما يعني أن الاتجاهات التعصبية قد تمنح الشخص نوعا من الهوية، هذه الهوية، وإن كانت زائفة، فإنها تجنِّبه ألم الشعور باللاهوية أو على الأقل تمكّنه من التهرب من إلحاح الحاجة إلى هوية”. ولذا، تجد كثيراً من الناس يختبئون خلف عباءة أي شعار/جماعة/مؤسسة/وظيفة/دين/جنس يمكن أن يضمهم إلى حضنه، ويمكنك فقط فهم المقولة السابقة حين تهاجم ما يتعصبون له.

– والهوية ليست أزمة بقدر ما هي موقف .. نقطة تحول في مسار النمو يمكن أن تنفرج عن النضوج بوصفها تعكس كفاح الشباب نحو بلوغ الرشد .. نحو تحديد ماهيته ووجهته ومعنى حياته. وكذلك يصف الكاتب أهمية دور الهوية بأنها قضية ذات قيمة كبرى في كل مراحل نمو الإنسان، وتحديداً في مرحلة الشباب، لأنها مرحلة حرجة يمثّل فيها تحقيق الهوية تحدياً ومطلبا أساسيا للنمو، على اعتبار أن كل مرحلة من المراحل تتضمن مهام ومطالب رئيسة للنمو يؤدي النجاح في إجادتها إلى مزيد من النضوج النفسي والاجتماعي وتقدم النمو باتجاه السواء.

– إلا أن جزءاً من تلك الهوية لا يتحقق إلا إذا اعترف به الآخرون. فالإنسان [يرغب] ويتطلع إلى [رغبة الآخرين]، بمعنى أنه يرغب في نيل الاعتراف والتقدير من قِبَل الآخرين .. الاعتراف به [كائنا بشريا] له قدره وكرامته. وقد يصل بالواحد أن يخاطر بحياته ويضعها على المحك لمجرد الحصول على ذلك الاعتراف. وأقتبس من فرانسيس فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ، هذا المقولة: “الفرد الذي لا يخاطر بحياته قد يُعْتَرف به فرداً، غير أنه لم ينل حقيقة هذا الاعتراف باعتباره وعيا مستقلا بالذات”.

– وفي كثير من الأحيان، عندما لا يتلقى الفرد ذلك القبول والاعتراف من مجتمعه، يتحول فجأة إلى فرد مُحبَط ومُحبِط، وينمو لديه وبشكل عفوي، رغبة في العمل الجماعي، وفي الوقت نفسه، رغبة في التضحية بالنفس. وهكذا فإنه من الممكن تفهّم هذه النزعات والأساليب التي تبع لغسل الأدمغة إذا راقبنا كيف تولد داخل العقل المحبط. ويقول إريك هوفر في كتابه [المؤمن الصادق] ص154: “عندما نشعر بالظلم نتيجة معرفتنا بقلة أهميتنا، لا نرى أنفسنا أحطّ من البعض وأرقى من البعض، بل نرى أنفسنا في الحضيض، وعندها نكره العالم كله ونصب جام غضبنا على الخليقة بأكملها”.

– ويعتبر المفكر إريك فروم الحاجة إلى الهوية على قائمة حاجات الوجود الإنساني، إضافة إلى: الحاجة إلى الانتماء، الحاجة إلى التجاوز أو التسامي، الحاجة إلى الارتباط، والحاجة إلى إطار توجيهي. ويقول بأن وظيفة الإنسان هي إعطاء الميلاد لنفسه، وأن يصبح ما هو عليه بالإمكانية. ولأن الإنسان قادر على الانفصال عن الطبيعة ولأنه يتمتع بالعقل والخيال فهو بحاجة إلى تكوين فكرة عن نفسه وبحاجة إلى أن يحس بذاتيته، وهذه الحاجة حيوية للإنسان لازمة له. ومشكلة الإحساس بالهوية ليست كما يزعم الباحثون في كثير من الأحايين مشكلة فلسفية فحسب، أو مشكلة لا تتعلق إلا بالفكر والعقل .. وإنما الحاجة إلى الإحساس بالذاتية تنبثق عن ظروف الوجود البشري، وهي مصدر أقوى وأعمق ما يبذله الإنسان من كفاح في حياته، بل إنها أحيانا أشد من الحاجة إلى البقاء المادي.

– وللفيلسوف الفرنسي لويس لاڤل (Louis Lavelle) مقولة يقول فيها: “إن حياتي لتنحصر بتمامها في عملية البحث التي أقوم بها من أجل العثور على ذاتي ! .. فأنا أبحث عن نفسي حتى أهتدي إلى نفسي، وحياتي -في صميمها- هي عملية تكويني لهويتي”.

– ويأتي الآن ذكر إريك إريكسون (Erik Erikson) عالم النفس الذي طور علم نفس الأنا، وصاحب نظرية نمو الأنا. عمل هذا الرجل كبروفيسور في أعرق جامعات العالم (Harvard, Yale and Berkeley) دون أن يملك شهادة ! … ويعتبر إريكسون أزمة الهوية (Identity Crisis) أخطر أزمات النمو التي تواجه الأنا على الإطلاق، إذ يراها صراعا قد يفضي إلى ميلاد جديد. فعنده أن نمو هوية حقيقية يكون عميقا لدرجة أن الأفراد يعتبرون أنفسهم قد “وُلِدوا من جديد” على خلاف من آثر المواءمة مع المجتمع بتوحداته الطفلية.

– يقول د. هاني الجزار: “تَبِع دراسات إريكسون وطورها عالم نفس آخر وهو جيمس مارشيا (James Marcia). ووفقا لنظريته، فهو يرى بأن إنجاز الهوية يستند إلى متغيرين أساسيين، هما الأزمة والالتزام. وتشير الأزمة إلى الفترة التي يبدو فيها الشخص منشغلا باستكشاف وتقييم البدائل في مجالات المهنة، والمعتقدات الدينية، والسياسية، والاتجاهات نحو الدور الجنسي. في حين يشير الالتزام إلى درجة التمسك بالقرارات التي تم اتخاذها بخصوص البدائل المختلفة … وبتطبيق معايير [مارشيا] الخاصة بوجود أو غياب الأزمة والالتزام، يمكننا التمييز بين أربع رتب للهوية تمثل حلولا مختلفة لأزمة الهوية. وهي: ١-تحقيق الهوية ٢-تعليق الهوية ٣-انغلاق الهوية ٤-تشتُّت الهوية”. ولكل منها تعريف وتوصيف مطول، للاستزادة يمكنك العودة إلى ص٤٣-٤٨ من كتاب [أزمة الهوية والتعصب].

– هكذا أفهم حديث رسولنا الحكيم صلوات الله وسلامه عليه (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ). ولنا في ذلك عبرة لمن اعتبر. وكتبت ما كتبت لأن -والحال الآن يشهد على ما أقول- ما نظن أننا نخبره ونعرفه حق المعرفة، هو في الحقيقة غائب منسيّ ! … فليس من المهم أن نصول ونجول كلما نعق جاهل. وليس المهم أن تكون ردود أفعالنا مسموعة، بل قبلاً يجب أن نحدد متى وكيف ولماذا !

– أختم بمقولة ذهبية لسيچموند فرويد: “حيث يوجد الانفعال اللاواعي، توجد [الأنا]”.

المنشور الهالِك بامتياز

Michal Pedziwiatr

Photography by: Michal Pedziwiatr

لقد اكتشفت ان شيئا فشيئا ان كل فلسفة عظيمة حتى الان كانت اعترافا ذاتيا لصاحبها ونوعا من مذكراته (من حيث لا يدري او ينتبه) – فريدريك نيتشه [ما وراء الخير والشر]

– سأبدأ حديثي في هذه الجمعة عن موقف لم أزل في صدمة منه. في واقع الأمر، هي سلسلة من المواقف، بدأتْ مع مطلع هذا الأسبوع، فقد بدأتُ دوامي في مستشفى الحرس الوطني كطبيب مقيم في قسم التخدير. وكإجراء روتيني لدى المستشفى، ينضم جميع المتدربين الجدد -من مختلف التخصصات- لبرنامج أو دورة لها عدة جوانب: تعريفية – مهنية – مهارية.

– أحد الأمور العجيبة في الأمر أن هذا المستشفى، هو الوحيد الذي يقدم هذه الدورة، التي تهتم في المقام الأول والأخير، بسلامة المرضى وجودة الرعاية.

– ولكن من ناحية أخرى، فهي اعتناء جاد بهؤلاء المتدربين الجدد. فقد شعر الجميع -أو لأقول أنا نفسي على أقل تقدير- بالاهتمام الموجه من قِبَل المشرفين [قسم الدراسات العليا] لضمان انتماءنا للمكان والمهنة.

– من اليوم الأول، شعرت بأني شريك في نجاح هذه المنظومة الصحية، ولي دور مهم فيها. ويعود سبب هذا الإحساس إلى نجاح المسؤول في ضمّنا إلى الركب في مدة لا تتجاوز اليوم. ما أقصده، هناك فرق بين أن تُنجز مهمة في مشروع ما، وبين أن تتبنى المشروع وتحمل همه على عاتقيك. 

– لم أشهد قط في حياتي معاملة ناضجة كمعاملة الأطباء هناك. فقد كانت لي تجربة مطوّلة على مدى أربع سنوات، في مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز، مليئة بالتصغير والتحقير والإهانة، لي أو زملائي.

– الأساتذة هُنَاك يظنون أنفسهم أبطالا مُخلِّصين، وأساطير لم يُكتبوا في أي ملحمة، عباقرة منذ نعومة أظافرهم. وأظن أن هذا داء معظم الأساتذة، والجامعيين منهم خاصة.

– العلّة في هذا النموذج السيء ليست مقتصرة في ذاته، الخطورة الكامنة فيه هو قدرته الفائقة على العدوى، فيتعدّاهم لينتقل إلى زملائهم، والأكثر ضراوة، تلاميذهم ! فهم الأعلى قابلية لتلك العدوى، وتجرّع ذلك النموذج المستفز. وقد حصل كثيرا أنْ خضت نقاشات مع زملاء لي عن تصرفات وأخلاقيات بعض الأساتذة، والأمر الذي أذهلني، هو قبول أو حتى عشق زملائي لذلك النموذج، ورغبتهم الجامحة في أن يكونوا مثلهم (Role Model)، مع غضهم الطرف عن إشكالياتهم السلوكية والأخلاقية، فقط مقابل أن يمتلكوا مهارتهم  .. هل فنحن نمارس -خفاءً- فصل العلم عن الأخلاق والدين !؟

– هكذا ندخل في دائرة مغلقة، تبتدئ بالنموذج الفاشل، وبوجود الانبهار الأخرق، والقابلية، يُورَّث النموذج ويُكتسب، فيُطوّره الجيل التالي ليكون أكثر رداءة وخساسة .. إلخ.

– كنت قد نشرت مقطع ڤيديو لحديث في إحدى لقاءات البرنامج العالمي [Ted] للدكتور Brian Goldman .. يتحدث فيه عن تجربة له، ويقترح غرس سلوك الإقرار بالخطأ في المجال الطبي، بل وتعليمه للزملاء، وكذلك من هم أقل خبرة، وكذلك الطلاب. وهذا تبسيط لمفهوم [الخطأ المُثاب]، وقد تعلمته من نموذج مُحكم للدكتور علي أبو الحسن.

– يقول جان لويس لاڤيل: “إن كلامنا إنما ينزع إلى اقتطاع ماضيه من حياته، حتى يتسنى له أن يولد كل يوم من جديد، حاملا معه أيضا قلبا جديدا ناصعا” .. أظن أن هذا ما فعله Brian Goldman !

– يربِط كيركجور (أو كيركجارد) بين فكرة القلق والخطأ والاختيار. بل ومقدرة نفوذ الخطأ وصولاً إلى أعمق أعماق النفس البشرية .. وقد أقول: إن الخطأ فضيلة، فهو بداية البحث عن الحقيقة !

– من الظواهر المثيرة للبكاء، وبالتأكيد تأثراً بالأساتذة والسلف الصالح. الأغلب يبحث عن مسمى/ لقب/ استعارة تعطيه صلاحية لانتفاش ريشه، واتساع ثغره تكبرا. فأصبح الطالب بمجرد وصوله للسنة السادسة -ما قبل التخرج- يبحث عن حيلة لابتداع أي استعارة، ليرمّم شيئا مما هُدم على مدى السنين الماضية، فلا يجد سوى: Senior Medical Student. هذا أحد ما تعلمناه من الدكتور والبروفيسور، لا أحد يتنازل عن مسماه، وكأن الاستعارات أصبحت عضوا من أعضاء الشخص، لا يستطيع الاستغناء عنها !

– إشكالية البحث عن لقب، ترجع إلى فقدان الشخص مدلول الهوية، وبالتالي فهو يتسوّل هوية جديدة مهترئة، كما هي بواقعها، لا كما يُراد لها أن تكون !

– إشكالية البحث عن لقب، حيلة يستخدمها الشخص بحثا عن القوة، كيف؟ .. في أمريكا مثلا، الفهم السائد عن المحامين أنهم أرقى طبقات المجتمع. فلذلك، يجد الكثيرون ملاذاً فاخراً فيها، وقوة يستخلصونها من مسمى عملهم لا من داخلهم ! .. وهم !

– سأتحدث عن نفسي قليلا، لأباعد نفسي من الاقتراب بالوعظ. البارحة، وعند قراءتي للمواقف السابقة، لاحظت أمرا أثار دهشتي، وهو أني ما زلت أحنُّ إلى شيء في المكان القديم، مع كل المساوئ التي شعرت بها واستنتجتها، وخطورة الأمر ومنحدراته .. فجأة، انتبهت للموضوع، وفهمت أن الخطورة الأعظم في الأمر برمّته ليست متضمنّة في فهمنا للموقف من عدمه، ولا في قابليتنا للتحوّل والتشوّه، بل في قدرتنا الخارقة على التكيُّف !!

– كما أن التكيُّف Adaptation ميزة بشرية تتوفر في أصغر مستوى بيولوجي (مستوى الخلية البشرية) إلى أكبر مستوى فينا .. ويُعتبر ميزة بلا أدنى شك. إلا أن له مخلبا يتخفّى في ثناياه، إنَّ التكيُّف/التأقلم قد يتحوّل ليصبح شكلا انهزاميا وانسحابيا بدلا من أن يكون ميزة للتجاوز والتجاهل.

– هكذا يدمن الإنسان الخسارة وينسبها لغير مكانها .. ينسبها إلى ما هو ضدها !

– “يود الإنسان أن يكون عظيما ويرى أنه صغير، ويود أن يكون سعيداً ويرى أنه شقي، ويود أن يكون موضع الحب والتقدير من الناس، ويرى أن أخطاءه لا تجلب سوى كراهيتهم واحتقارهم … إن الحرج الذي يقع فيه نتيجة هذا التناقض يولد أسوأ النزاعات الإجرامية التي يمكن تخيلها، ذلك أنه يبدأ في كره الحقيقة التي تدينه وتريه عيبه” باسكال

– أختم بما قاله الراحل علي عزت بيچوڤيتش [هروب إلى الحرية] ص٢٤: “الجميع يبحثون عن تغيير كبير .. الأمر يتعلق بزلزال يصل إلى أعماق عالمنا .. إلى جذوره”.