مجتزأ من: رسالة من صديقي المكتئب



لقد مرت قرابة أربعة أشهر منذ بدء حالة الكآبة هذه. أشعر وكأن شيئا لم يتغير فيّ .. وكل شيء قد تغيّر في مَن حولي!
حالتي تزداد سوءاً مع مرور الوقت، إنها تحفر وتحفر، لتنتشر. هذه الفجوة التي تُركَتْ بداخلي تكتظّ بصدى أصوات لا أعرف مصدرها .. تصدع وتضرب شمالا وجنوبا !
كل ذلك، بالنسبة لي، موضوع متفهّم، فالشعور من جنسِ شعور يسبقه ..

دائما ما كنت أتخوف وأرتعب من إتيان يوم، أستيقظ فيه من نومي دون إيجاد سبب ينتزعني من برودة مرقدي، ويلقي بي في حضن العالم، فيبعثني، مع شمس كل صباح، إنساناً حياً ومُحْيِياً، يرى الحياة في كل مظهر من مظاهر هذا الوجود – على أقل المقاييس. وأنشر إكسير الحياة لمن يحيطون بي ومن يختلطون بأنفاسي … وقد تحقق خوفي من ذلك اليوم الكئيب، بل ولا يزال يتردّد يوما بعد آخر. 

يا صديقي، إن الصدر الذي لا يُسمع فيه سوى الصدى، مهجور مهجور مهجور ..

حدثني قلبي مرة فقال: ما زلت أخفق، ولم أفقد الأمل في استعادة أيامنا الأولى، ولحظاتنا البِكْر. كنا هانئين بطريقة عيشنا، كنا نخطو خطوات مرتّبة ومتزنة وخفيفة، ولكن عفوية. كنا نحب المشي أمام بحيرة الحب كل مساء، هكذا تستثير رغبتك في الكتابة، وتتفجر غدد الإحساس عندك. كنا لا نرى الظلام حتى في أشدّ الليالي عتمة. كنا نجول الأرض وحدنا، ولا نخشى افتراس الغربة. وكنا نجيد التغريد بطلاقة، لا أذكر أننا نشزنا عن لحن الكون، ولو لمرة. كنا .. “كنا طيبين وسُذَّجا”. لقد تغيرْتَ كثيراً، حتى أنني لم أعد أعرفك … إنه ليؤلمني كم كان محقا فرناندو بيسوا عندما قال في كتابه المستحيل [لست ذا شأن]: “كم هو قاسٍ أن لا نكون أنفسنا وأن لا نرى إلا ما يُرى”!

كان هذا آخر حوار دار بيننا، قبيل شهر. فقد هجرني قلبي هجراً جميلاً، وقطع عني أحاديث النفس. كان يمكنه أن يتوقف، كان بمقدوره أن يعترض بطريقة أكثر جرأة وأنانيّة، كان يمكنه أن يقفز للمشهد الأخير من المسرحية، ويرتاح. 
ومنذ ذلك الحين، وأنا أتوق سماع لأحاديث قلبي التي كان يزاورني بها وأنا في غياهب جُبّ الحزن.

لقد هجرني الربيع، ولم يسكنني مذّاك إلا الشتاء …

يحتاج الإنسان إلى من يستأنس بوجوده معه. يريد من يسمع حكاياته السخيفة ويستمع إلى أحزانه وخلجاته. يحتاج جليسا يضحك لطرائفه وسخائف مجريات الحياة اليومية. ولا يستغني عمن يتفقّده ويفتّش عنه حين يغيب، أو حين يغيب متعمّداً، بحثا عن سؤال قريب وحنانة حبيب.

دعني أخبرك بأكثر موقف تراجيدي قد مرَّ عليّ طيلة حياتي الكئيبة كلها. كنت صاحب دور البطل والضحية في مسلسل حزني العامر، وكان مشهد الختام مهيباً. ميزان يحمل حزن العالم أجمع في كفّة، وحزني وحده في الأخرى، ورأيت الكفة التي حملت حزني تهوي إلى ما بعد الأرض السابعة .. يا لعذوبة هذا المشهد، لم أتمالك نفسي أمامه. لقد فشلت كل خيبات العالم في الصُّمود أمام خيبتي !

تحكي أحداث المسلسل أسلوب الحياة داخل مدينة الحزن. إنّ كل شيء فيها مُؤمَّنٌ لك، ولكن المعجزة أن تتمنّى! فلا أحد يجرؤ على التمنّي في حضرة الحزن! هذه أحد المفارقات العجيبة التي وجدتها على هذه الأرض. مكتوب على باب المدينة: لا ضحك هنا ولا فرح، واحذروا الابتسامة، ولو كانت صفراء. فإن حساسية كاوس، الإلهة الأولى، مفرطة تجاه الفرح. وفي حال أن حبلت كاوس ، سيولد حزن جديد .. حقاً، إنه موقف لا يُحسد عليه الأب!

في مدينة الحزن، كل شيء يكسوه جلال اللون الرمادي. إن للرمادي سحر لا يضاهى!

فور دخولي المدينة، أتى باص ليقلّني وباقي السُّوّاح إلى الفندق. استقبلنا مدير الفندق، واحتفى بنا على طريقتهم وطبق عاداتهم. لم أعرف أكان شابا يرتدي وجه كهلٍ، أم كهلاً أضاع الموتُ طريقه عنه.
في هذا الفندق، لا توجد نشاطات جماعية أبداً. وكأنهم يقصدون إبقاء كل واحد منا مواجها ذاته …”وليكنْ”، قلتُ في نفسي.
دخلت إلى غربتي، أقصد غرفتي، فإذ بي أجدها ملء الطابق الحادي والعشرين بأكمله. وجدت عدة مفاجآت بائسة بانتظاري. سأذكر لك منها اثنتين، كانتا الأقرب إليّ. حوض جاكوزي العذابات، ومسبح كبير معبأ بالذكريات، واختاروا لي خصيصاً أسوأ الذكريات.
هنا، في مدينة الحزن، أشعر بأني سجين بلا سجن ولا سجّان. لم أعد أحتمل مكوثي في هذا الفندق الزنزانة لدقيقة أخرى. لقد اهتمّ مصممو الفندق بإحباط كل وسائل هرب نزلاء الفندق. فكان تخطيط أدوار النزلاء يبدأ من الدور الثالث عشر. بمعنى آخر أكثر وضوحا، إن من سيغادر هذا المكان، لن يكون بمقدوره أن يعيش سوى في الذكريات.
يا صديقي، إن الإنسان كائن مثير للتعاسة وجالب للمحزنة، ليس لذاكرته نصيب من استرجاع الذكرى الأصدق والأعذب، اللحظة البتول، الصرخة الأولى، ولا تكبيرة الصلاة الأولى. وليس ينفعه تذكر اللحظة الأخيرة، لحظة الرحيل. لذلك اطمئن، سوف أتخلّص من نفسي عما قريب، وسأغادر هذا العالم.

أتذكّر آخر كلمة قلتها لي قبل أربع سنوات، يوم التقينا في الرّيف: “اصرُخْ، يا صاحبي، لأعرف أنك حيّ”. حاولتُ يا صديقي، حاولت مراراً أن أصرخ بكلمة، بآية، بأغنية، بتعويذة، حاولت أن أصرخ بكل اللغات .. كنت أصرخ “ولا يخرج مني صراخي”.

لم أستطع الاستمرار في قراءة بقية الرسالة، فقد كانت موجعة أضعاف الوجع المنثور في الجزء المذكور. وإنْ تمكّنت من ذلك في وقت ما لاحق، فلا أظن بأن نشره سيكون فعلاً أخلاقياً.
بعدما أخذت قراري هذا، عدْتُ لقراءة كتاب شذرات لأديب كان يعيش على كوكب مجاور للأرض. ويا لَلْموافقات السعيدة، وجدتني أمام سطور كأنها كُتبتْ لصديقي المكتئب، فأرسلتها له دونما تردُّد:
يا صديقي المكتئب “كن بسيطاً. ما لي أراك تتحدث كما لو أنك من المرسلين. اخلع عنك مهمازات الترفُّع، وانزل من علياء الألفيات الثلاث المقبلة، عِشْ ما دمت حياً، ولا تُقحم نفسك في حقبة أنت على كل حال لا تنتمي إليها، دَعْ النوايا تخلد إلى النوم، انْسَ الاسم، انس نفسك، وانس موتك!”.
ثم قلتُ له: سأهديك هذه النصيحة التي تعلّمتها من معلمي عندما زرْته في جزيرة سيشل، وهو شيخ طاعن في الحكمة، وأحد تلاميذ بوذا الحكيم. قال لي: لقد ضيّعت نصف حياتي مُحاولاً أن أعثر على الحياة. وفجأة؛ وجدتني. كان الأمر في غاية البساطة والغرابة في آن. كل ما كان عليّ فعله هو أن أُسقِط [محاولاً] من الجملة السابقة. كذلك عثرتُ على الحياة ..
اعلم يا صديقي الحزين أنك عندما تملك نظرة أكثر رويّة وحكمة، ستتفاجأ كم كان القدر سخيّا معك!!


فأرسلت الرسالة له، ولا أدري إن كان ما يزال في غرفته بالطابق الحادي والعشرين، أم أنه قفز في طريقه إلى …

مُجتزأ من: رسالة إلى صديقي المَلُول

  


قد يكون كلامي هذا غريباً عليك، إنها المرة الأولى التي أصارحك في أمر يخصك إلى هذا الحد. وينطبق علينا ما ينطبق على سائر البشر، نحن نعرف أشياء كثيرة عن الناس الذين نحبهم، ولكننا لا نؤمن بها ! .. لذلك عادة لا نراها !!


سأخبرك بما تراءى لي وأنا أنظر إليك خلسة، وأنت تتمَلْمَل وسط جُلّاسك، الذين هم عادة ما يؤدّون دور المرآة .. أقصد أنهم يعكسون إحساسك.

فمرَّةً، تحتسي قهوة مُرّة، تماما كتلك التي ينشدها الشعراء، ومرة تختار الشاي. كلاهما منبّه، لكن المنتبه غير مرحّب به هنا! ..

تتجاذب معهم أطراف حديث يُخال لك أنه قد تَكرّر من قبل. كلٌّ يحاول الظهور وإثبات وجوده، وتحقيق ذاته، وإرضاء أناه، عن طريق اختيار الشخصية الأقرب إليه، ثم يبدأ بالدفاع عنها. أنت تعرف مدى ضرورية الحوار، وكنت تؤيد رأي مارتن بوبر؛ في أن الحوار شكل من أشكال الوجود الإنساني. ولكني لا أبالغ إنْ قُلتُ أنك تجهل كلّ ما سوى ذلك …

في وهلة، ينقلب ذلك الحوار إلى مراء، ثم إلى سفسطة، وأخير إلى شجار أبله. هناك جملة عليك أن تتنبّه لها في حال ان قيلت في منتصف أي نقاش جاد، إذا سمعت طرفا وهو ممتعض كلام آخر يقول “حرية رأي/تعبير”. عندها يجب عليك أن تنسحب حالاً من ذلك الحوار، وإنْ كنت تهتم لشأن صحتك، فالأولى أن تترك المكان، وتعيد ترتيب مسائك، بدِّد وقتك كما تشاء، ولكن دون تتحسّر عليه لاحقاً.

يا صديقيَ القريب إلى قلبي .. لقد نبّهتك غير مرّة على سلوكك المُنفّر. ما زال الوقت مبكراً على محاصرة طريقك بالصبار. أنصاف الأصدقاء هم تماماً كذلك، أو ربما دون الصبار، في كثير من الأحيان. ولطالما قلت لك: ما زالت خطواتك خفيفة، رضيعة في المهد، فلا تتعجّل ولا تتجبّر!


فجأة أنتبه لنفسي .. وأصيح ويلك! لقد أصبحتُ فماً لا أكثر، وأطلْت الحديث والوعظ ..

أنا أعلم جيداً بأن هنالك لحظات عسيرة لا يريد الإنسان فيها إلا جزءاً من أُذُنَي بوذا، يريد شخصا يجيد الاستماع له.

فإنْ كان وحصل ما أمِلْتَ، يا صديقي التعِب، فتعلّق به بشدة، كما يتعلّق السجين بلحظةٍ تحت الشمس.


الملل، يا صديقي، شعور صادق لا خيانة فيه ..

لا يعرف الكذب والمراوغة .. ولا التخفّي والمناورة ..

إنه أصيل وصادم ..

ولكنه غثّ!

لن يسمح لك بدقيقة راحة، لن يتلعثم ويغادر إنْ فاضَ بك الأمر، حتى ولو فتحت له الباب وأشرتَ له بالمغادرة ..

لم يكن الملل ضيفاً مرغوباً به قطاً، إنه الشعور اللئيم بامتياز ..

لا يقبل المناصفة ولا يجيد التفاوض ..

هو المتسلّط الفاحش ..

في حضرة الملل، ستؤثر على نفسك كل شيء ..

في حضرة الملل، كأنك درويش بلا حبيب ..

كأنك زاهد بلا نية ..

تعاني في مخاض بلا ولادة ..

وإنْ حاولْتَ أن تسلك مسلكا جديداً، تجده قد أظلَم عليك الطريق وصرفك عنه .. لتعود سيرتك الأولى .. ملولاً ..


حينها يهتف لك: أهلا بك في جحيم الملل !


إنه الطوفان الذي لا يطاوع أحداً ..

إنه الطوفان الذي سيُبقيك في حالة بين البين ..

فلا أنت لاحقٌ بالسفينة .. ولا كنت مع الغارقين ..

لن يعرفك سوى أحفادك، وإنْ حالفك الحظ، فستنتهي سيرتك عند أحفاد أحفادك. وسيولد مِن بعدهم، مَن يكذبُ أسطورتك ..

احذر يا صديقي الملول .. “إن طوفان نوح لم يصبح مأساة إلا لأن نوح قد وُجِد!” ..

أخبرني يا صديقي، ما فائدة المعاناة إنْ ظللتَ حبيسها !؟


وبعد ترانيم النوم، تتعاهد وإياك بالبقاء في المنزل لعدة أيام. بداعي حاجتك للاسترخاء أكثر من أي وقت مضى .. تعود في الليلة التي تليها لِتُنكر العهد الذي بَرمْته في اليوم السابق. تقول: لا فائدة من أن يُهادن الإنسان نفسه .. كم هو سخيّ العقل في التدجيل !!


يا صديقي الملول، سأدلّك على حل بسيط لحالة الملل هذه ..

فليس على وجه البسيطة هذه ناجٍ منه. اذهب لمكتبتك السرابية، وخذ الكتاب القرمزي، عنوانه [وداعا أيها الملل] لأنيس منصور. ستجد فيه طريقة تزيح بها بعض الغيوم من فوقك ..

وخالط الأصدقاء المليئين بالحياة، فثمة الأمل.


الملل، يا صديقي، هو قناع اللامبالاة المفضّل ..

ففتّش عن بوادرها فيك، واحرقها بلا هوادة !

لأنك إن تهاونت في الأمر، سرعان ما سينزع الملل منك كل أسباب الحياة، ويتركك حائراً دون حرقة ..


هنالك أمور، يا صديقي، نعقلها، ولا نتردد في الابتعاد عنها، بل ونحذّر منها من نحب. ولكن وحدها المشاعر، تمدنا بالقوة الكافية لنتخذ قرارات لم نكن نجرؤ على التفكير بها من قبل ! … بالتأكيد ستسألني: ما العمل إذاً!؟ وأجيبك: لا شيء، فالإنسان دون مشاعر، موضوع إنشائي عقيم.


وعلى الرغم من جميع ذلك، تذكر بأني حذّرتك من التساهل في أمرك، واعلم أن “الإنسان منّا يغيّر معنى الكون بمجرّد حضوره في الكون” ..

بابا عدم

  


– بداخل كل واحد منا بركان يأس ضامر، تُفجّره المصائب المتوالية، والتحديات المنتهية بالخسارة، والآمال التي كسرها سجّيل الخيبة .. وربما المحفّز الأعظم لغضب ذلك البركان؛ هو مخالطة فاقدي المعنى وأسباب الحياة. هذا النوع من البشر؛ تُسمّيهم نانسي هيوستن مؤلفة الكتاب الثائر [أساتذة اليأس]: مُعلمو الموت ! هم أناس يبرعون في “تعلّم الموت وتعليمنا إياه، والتقليل من شأن الجسد ونشواته، وانتزاع الروح من كل شكل من أشكال الصلات، خصوصا صلة الحب، إنكار المؤنث المفكّر، الأموميّ الذكي، الزمني المتحرك، المفاجئ، الحيّ، الحاسّ، الهشّ، العابر، وتشويهه .. بكلمة واحدة، القضاء على الحياة الإنسانية: هذا ما يعلمنا إياه هؤلاء الأساتذة، من أعلى قواعد التماثيل التي نصبناها لهم”.

– ممارسة العنف، كل أشكال العنف، من العنف الفعلي، الفكري، الكلامي، هو ضرب من ضروب إنكار المرء انتماءه للبشرية، وهي إحدى ميزات أساتذة اليأس … طريقة التفكير هذه خطرة، إنها لا تعود على المرء إلا بتزايد شعوره بالغثيان.

– بما أن الشطح أو العبقرية هي تجاوز للحدود والأُطر، فإن كثيرا ما يعتقد الناس بعبقرية هؤلاء اليائسين. وسيقولون إن إميل سيوران خارق لأنه لا ينام من فرط الأرق الناجم عن حدة الإدراك. بينما يغرق العاديون من البشر في اللاوعي ساعات طوال. وقد قالها مرة إميل سيوران حين كتب لصديقه غابرييل ليسيانو: “إن الأرق العظيم ينمّي شعورا مُرضياً للغرور على نحو استثنائي بأنه لم يعد جزءاً من البشر العاديين”.

– ما يذهلني حقا في الإنسان أنه قادر، وبشكل مُبهر، على تجاوز نفسه، كما فعل هنا إميل سيوران: “يعتريني إحساس غريب حين أفكر أنني، في هذا العمر، متخصص في الموت”. قد تبدو هذه العبارة عادية لمن يعرف سيوران أو بقية العدميين. ولكن العجيب في الأمر، أنه صدّر بذلك السطر كتابا له، كان قد كتبه وهو في الثانية والعشرين من عمره !! قد يتبيّن لك في بادئ الأمر أنها عبارة اختيال استهلّ بها قلمه مشيته المتعجرفة. ولكنها تبدّلت في عيني بعد ثوان قليلة، إنها عبارة انهزامية، يائسة، لا حول لها ولا قوة .. إنها مجرد تنبؤ بتعاسة حاله. أليس هو من اعترف في فترة من حياته بموقفه النهائي قائلا: “أنْ تكون العزلة خطيئتك، أن تتسبب بالأذى عبر القطيعة، ألا تعرف فرحا إلا في انسحابك. أن تكون في غاية الوحدة” إن تلك هي ثمرة اليأس.

– تقول قصيدة فارسية، ذكرتها نانسي في كتابها السابق، ويا لكمية الرعشة التي خالجتني في كل مرة قرأتها:

“يا لتعاستي إنْ أنا لم أنتشِ

بالشمس،

يا لتعاستنا إنْ نحن لم نتمتّع بالربيع،

إنْ أنت لم تهشّم كأس الحزن على الصخرة،

عما قريب، ستتضاعف ألوانه السبعة

لتصبح سبعين”.

– العامل المشترك الأول بين جميع عشاق السواد وعلى رأسهمآرثر شوبنهاور [بابا عدم] -كما كنّته نانسي هيوستن: كانت لآرثر طفولة مليئة بالتناقض الوجداني، وتحديدا الناتج من ضغط عائلي. ولكن على الرغم من ذلك، لم تكن حياة شوبنهاور هي الأسوأ، كما كان الحال مع بقية أساتذة اليأس: صامويل بيكيت، وإميل سيوران، وتوماس بيرنهارد.

– لا أجد مفراً من أن انبطح ضاحكا عندما أقرأ مثل هذه المقولة لميشيل ويلبيك: “لا تخافوا السعادة، إنها غير موجودة”. وأحمد الله بأن جحيم دانتي الذي كتب بابه “أنتم أيها الداخلون إلى هنا، تخلّوا عن كل أمل” ليس إلا خيالا أسوداً فقط.

– تجد نانسي هيوستن أن هنالك تشابه كبير، على الصعيد النفسي وحسب، بين عشاق السواد ورجال السياسة، تحديدا هتلر. تقول: “بالطبع شتان بين أن يكون المرء رجل سياسة، قائد جيوش وزعيم بلد يغزو العالم، وأن يكون أستاذ يأس منغلق على ذاته، يمضي نهاراته في تحبير الأوراق. إن هتلر مسؤول عن موت ملايين البشر، بينما لم يتسبب توماس بينهارد بموت أحد. كان الأول يختلط بالحشود فيما يعزل الثاني نفسه عن المجتمع. أراد الأول أن يبني دولة كبرى، أما الثاني فأراد أن يبدع أثراً أدبياً، لكن إرادتيهما كانتا تنبعان من الحاجة ذاتها إلى التدمير، وفكريهما ينهلان من العنف ذاته. هنا وهناك جنون عظمة وهذيان، حقد تم الاشتغال عليه بشكل دائم كي يبلغ ذروته الفعالية، ولغة حادة وحاسمة تعمل وفقا لتناقضات مفرطة وثنائيات فظة: نحن والآخرون، أنا والعالم؛ ترفض كل أشكال الحوار والتفاعل والتأثر، وترفع من قيمة العزلة والشعور بالقدرة، بل بكل القدرة ونشوة الحدود القصوى”.

– إنه لأمر كارثي فظيع، أن يعيش المرء مع اليائسين. أنا متيقّن من أننا، نحن بني بشر، نتملّل حينا، وننتشي حينا. ولكنني أتحدث عن أولائك العشاق، عشاق السّواد، و”المرء مع من أحب”. لذلك كثيرا ما قيلت عبارات تشبه: قل لي من تخالل، أقل لك من أنت.

– رفض العالم مطلبٌ، ولا يحق لأحد أن يصف الرفض تشاؤما أو عبثا بإطلاق. فإن الفن تعبير عن الرفض بامتياز. والأدب رفض أنيق لنقصان العالم وقتامته. وصدقت نانسي هيوستن حينما قالت: “إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم ويعشقون الحياة عموما ويرضون عن حياتهم خصوصا لا يحتاجون أبدا لاختراع عالم موازٍ عن طريق الكلمات”.

– هنالك ما يجعل الأدب مختلفا وبعيدا عن العدمية، وأقتبس لنانسي هيوستن، ثلاثية سمّتها [مسلمات العدمية]:

١-النخبوية والأنا: لأن أستاذ اليأس يؤمن بأنه مختلف عن الجموع، وإن أغلب البشر لا يستحقون أن يسمّوا أفرادا، بسبب أنهم يشكّلون كتلة محكومة بغريزة القطيع ومبتذلة وامتثالية وغبية .. فإن أستاذ اليأس يحتمل عزلته ويدللها ويحميها وينمّيها.

٢-الاشمئزاز من الأنثوي الذي يمثّل الوجود الحسي والجسدي.

٣-احتقار الحياة الأرضية: إن أستاذ اليأس يودّ لو أنه لم يولد أبدا أو لو أنه مات منذ زمن، ويحلم بالانتحار لكنه في الآن ذاته يخشى الموت كثيرا ويطمع بالخلود بفضل منجز أو أثر روحي ..

– للمفكر والرئيس الراحل علي عزت بيچوڤيتش في كتابه [الإسلام بين الشرق والغرب] حديث عن القلق / الخوف، وفهم ناضج، يقول: “إن الإنسان لا يسلك في حياته كابن للطبيعة، بل كمغترب عنها. شعوره الأساسي هو الخوف، إلا أنه ليس خوفا بيولوجيا كذلك الذي يستشعره الحيوان، إنما هو خوف روحيّ كونيّ بدائي موصول بأسرار الوجود الإنساني وألغازه. وقد أطلق عليه مارتن هيدجر “العامل الخالد الأزلي المُحدِّد للوجود الإنساني”. إنه خوف ممتزج بحب الاستطلاع والإعجاب والدهشة والنفور، تلك المشاعر المُختلطة التي تكمن، على الأرجح، في أعماق ثقافتنا وفنونا كلها”.

– تحدثت في الجزء الأول من هذه المقالة عن أن مهمتنا في هذه الحياة هي تحويل اليأس إلى انتصار حقيقي .. وليس كل البشر قادرين على تحقيق مثل هذه المهمات. فَهْمُ هذه القاعدة هو أمر جدّ مهم، لأنه من السهل جدا أن يعتقد أحد ما بأن هذه مثالية زائفة، محلّها كتب التنمية البشرية الرخيصة، والدورات التطويرية البهلوانية. هناك أشخاص قد قهروا نسبيّتهم وخلّدهم التاريخ رغما عمن حاربوا لأجل إبادتهم.

– قراءة كتب عشاق السواد/ العدميون، قرار جريء، ومن المفترض أن يكون ذاتيا، لأنه ما يترتّب عليه قد يكون صعبا .. صعبا جدا. ربما لأنه اقتحام الإنسان نفسه، وامتحان لمدى مرونته وذكائه. 

– أجزم بأن لبيچوڤيتش فَهم خارج عن المألوف، هذا الرجل كان يقرأ الأمور بشكل مغاير تماما عما نفعل. كان يؤمن بشدّة أن الازدواجية هي مصدر عذابات وعذوبات الإنسان. وقد ذهب في قوله هذا مع رأي الفيلسوف والمفكر هربرت ماركوز في كتابه [الإنسان ذو البعد الواحد]، يقول بيچوڤيتش : “العدمية وفلسفة العبث، هما ثمرة أكثر بلاد العالم ثراء وتقدما. هذه الفلسفة تتحدث عن عالم بلا منطق، عن فرد منقسم على نفسه سيكولوجيا ومحطم، عن عالم أصمّ أبكم صامت. إنها ليست على الإطلاق فلسفة سامّة، كما يزعم بعض الناس، هي في الحقيقة فلسفة عميقة قادرة على التنوير. إنها تعبير عن مقاومة الإنسان، عن عدم رضاه عن العالم الذي ينمو بعكس الصورة التي أرادها لنفسه، إنها تمرّد على الحضارة ذات البعد الواحد”. إذاً العدمية قد تكون حلا تنويرياً ! … قد يفهم البعض بأن هذا القول يتعارض مع ما قالته نانسي هيوستن سابقا ! تريّث قليلا، فذلك قصور في الوعي لا أكثر. فالوعي “إدراك متزامن”، ومهارة القفز على الأطر، والتجنيح بريش الاستعداد .. وكل ذاك تدريب للإنسان على الوعي بكثرة الفرص والمساحات الإيجابية بين التضاد والتعارضات بين الأشياء في هذه الحياة.

– إتيان الأمور من أبواب متباعدة متضادة لهو من صميم الحكمة. 

– أخيرا، أختم وأقول: نعم لقد “تسارع زوال سحر هذا العالم”، ويبدو أننا نساعد في زيادة سرعة تشوّهه. يكفيك مكوثا في مأوى المحتضرين، قُم ! ففي هذا العالم الكثير لتعيشه.